فساد يهز السلطة.. حملة أمنية غير مسبوقة داخل قلب الحكم في بغداد

شدوى الصلاح | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في تطور يُعد من أبرز التحولات الأمنية والسياسية في العراق خلال الفترة الأخيرة، شهدت المنطقة الخضراء المحصنة في قلب العاصمة بغداد انتشاراً أمنياً مكثفاً لقوات خاصة من جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي، تزامن مع تنفيذ مداهمات واعتقالات نالت مسؤولين سياسيين وبرلمانيين بارزين ورجال أعمال، على خلفية تهم تتعلق بالفساد المالي والإداري واستغلال النفوذ.

وأغلقت السلطات، فجر 28 يونيو/حزيران 2026، مداخل المنطقة الخضراء، ونفذت عمليات مداهمة متزامنة استهدفت منازل ومقرات شخصيات بارزة داخل العاصمة وخارجها.

وتُعد المنطقة الخضراء، المعروفة بـ"حصن السلطة"، منطقة محصنة ومغلقة تقع وسط العاصمة العراقية بغداد على الضفة الغربية لنهر دجلة، وتضم مقار سفارات وبعثات دبلوماسية أجنبية، إضافة إلى مؤسسات دولية ومكاتب حكومية ومساكن لمسؤولين رفيعي المستوى.

وتمتد المنطقة على مساحة تقارب 10 كيلومترات مربعة، وتُعرف رسمياً باسم "المنطقة الدولية"، وتُعد رمزاً للسلطة في العراق، لكنها في الوقت ذاته تمثل، وفق توصيفات سياسية وشعبية، رمزاً للفجوة بين النخبة الحاكمة والمجتمع العراقي، نتيجة الحراسة المشددة والرفاهية النسبية داخلها.

اعتقالات واسعة وأوامر قضائية

ووفقاً لمصادر أمنية وقضائية، فإن الاعتقالات جاءت بناءً على أوامر قضائية صادرة عن محكمة النزاهة، واستناداً إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق الموقوف عدنان الجميلي.

وشملت الحملة ما بين 8 إلى 10 أشخاص على الأقل، من بينهم نواب حاليون، مثل مثنى السامرائي زعيم تحالف "العزم"، إضافة إلى مسؤولين سابقين وحاليين، ورجال أعمال، في عملية وُصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ عام 2003.

وفي 2 يونيو/حزيران الجاري، أوقفت السلطات العراقية وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، على خلفية تهم تتعلق بشبهات فساد مالي وإداري، وإبرام عقود غير قانونية تسببت بأضرار جسيمة لقطاع الطاقة والثروة النفطية في البلاد.

والإثنين الماضي، أعلن مجلس القضاء الأعلى استمرار التحقيقات في القضية، مشيراً إلى ارتفاع إجمالي الأموال المضبوطة إلى 10 ملايين دولار و31 مليار دينار عراقي، أي نحو 23 مليون دولار.

وأوضح المجلس أن الجهود القضائية والأمنية نجحت في ضبط نحو 20 مليار دينار عراقي، أي ما يعادل 12.7 مليون دولار، كانت مخبأة داخل إحدى المزارع، إضافة إلى إحباط محاولة لتهريب 5 مليارات دينار أخرى في إحدى المحافظات.

كما شملت الإجراءات القانونية الحجز على 70 عقاراً و21 مركبة حديثة، إلى جانب مصوغات ذهبية تُقدّر بنحو 3 كيلوغرامات.

وتأتي هذه الحملة ضمن جهود رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي في مكافحة الفساد؛ إذ تعهد بتفكيك شبكاته المتجذرة منذ عام 2003، والتي تسببت، وفق تقديرات رسمية، بهدر مليارات الدولارات من المال العام.

وبدأت التحقيقات باعتقال عدنان الجميلي قبل أسابيع، مع ضبط ملايين الدولارات نقداً وأصول وذهب، يُعتقد أنها مرتبطة بتمويل حملات انتخابية وشبكات رِشا.

وتعكس العملية، وفق مراقبين، توترات سياسية داخلية ومحاولة لتعزيز ثقة الشارع بالحكومة الجديدة، في ظل تحديات أمنية واقتصادية معقدة.

كما تأتي الحملة في سياق إقليمي حساس، إلا أنها تبدو، بحسب التقديرات الأولية، موجهة داخلياً ضد شبكات فساد عابرة للطوائف والنفوذ السياسي.

ملف عدنان الجميلي

عدنان الجميلي هو مسؤول حكومي عراقي سابق، شغل منصب وكيل وزير النفط العراقي لشؤون التصفية، قبل أن يتحول اسمه إلى قضية رأي عام بارزة في يونيو 2026، عقب صدور مذكرة قضائية بتوقيفه بتهم تتعلق بالفساد المالي والإداري واستغلال النفوذ وصلاحيات الصرف الواسعة في قطاع المصافي النفطية.

ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى العراقي، أسفرت التحقيقات الأولية عن ضبط وتجميد ممتلكات ضخمة تعود له ولأشخاص مرتبطين به، شملت أموالاً نقدية تُقدّر بنحو 10 ملايين دولار أميركي، إضافة إلى 3 مليارات دينار عراقي.

كما شملت التحقيقات ضبط ما يقارب 40 عقاراً في محافظات عراقية مختلفة، إلى جانب موجودات ثمينة تضمنت مصوغات ذهبية وأسلحة.

وأثارت القضية تفاعلاً سياسياً واسعاً، بعد كشف التحقيقات عن شبكة علاقات ونفوذ معقدة، تمثلت في رصد عشرات الزيارات المتبادلة لنحو 65 شخصية نافذة إلى مقر إقامته، ضمت وزراء حاليين وسابقين، وأعضاء في مجلس النواب، وقادة فصائل مسلحة، ورجال أعمال.

تُظهر التطورات الأخيرة أن ملف مكافحة الفساد في العراق دخل مرحلة جديدة أكثر حساسية، مع توسع دائرة التحقيقات لتشمل شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، وسط ترقب لمدى قدرة الحكومة على المضي في هذه الحملة دون ارتدادات سياسية أو أمنية.

مباركات وتأييد

وأعرب سياسيون وناشطون على منصات التواصل عن سعادتهم بالعملية الأمنية وعدوها بداية تغيير حقيقي، و"ثورة تصحيح" حقيقية، وخطوة جريئة من الحكومة الجديدة لاستعادة المال العام، ومحاسبة الفاسدين، ووصفوها بـ"الصفعة للفاسدين" الذين حصنوا أنفسهم داخل “الخضراء” لسنوات.

ورأوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #بغداد، #المنطقة_الخضراء، #العراق، وغيرها، أن الحملة داية تفكك "دولة الفساد" وانتصاراً لثورة تشرين، مع دعوات لاستمرار المداهمات واسترداد الأموال المنهوبة، وسط تعليقات تعبر عن الترقب والتفاؤل بمحاسبة حقيقية بعيداً عن التسويات السياسية. 

إشادة بالزيدي

وأثنى ناشطون على  رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وصفوه بـ"البطل" و"الشجاع" الذي يقود حملة تنظيف حقيقية ضد الفساد، مشيدين بإشرافه الشخصي على مداهمات في المنطقة الخضراء باستخدام قوات مكافحة الإرهاب والجيش.

وعدوا العملية "زلزالاً" أو "ليلة الدبابات" أنهت حصانة "حيتان الفساد" (نواب ومسؤولين كبار مثل مثنى السامرائي، محمد الكربولي، وآخرين)، معربين عن سعادتهم بتسارع التطهير بوضوح تحت قيادة رئيس الوزراء الجديد.

وعبر ناشطون عن أملهم في استعادة هيبة الدولة واسترداد الأموال المنهوبة، مع دعوات لاستمرار الحملة دون تردد، وتكررت عبارات مدح في الزيدي منها "الله ينطيك القوة ويحفظك" و"كفو" و"سيسجل التاريخ أنك بطل".

توسيع الحملة

وذكر ناشطون عراقيون شخصيات أخرى اتهموها بالفساد وطالبوا باعتقالها على خلفية حملة الاعتقالات اليوم في المنطقة الخضراء، مطالبين بتوسيع الحملة لتشمل "رؤوس كبيرة" أخرى. 

واتهموا شخصيات بارزة مثل نوري المالكي وقيس الخزعلي وعمار الحكيم ومحمد شياع السوداني وهادي العامري بالتورط في شبكات فساد واسعة، عادّين الحملة الحالية "تصفيات سياسية" أو "استعراضية" إذا لم تشملهم. 

وطالب بعضهم بفتح ملفات فساد تاريخية واعتقال "رجال المالكي" ومسؤولين مرتبطين بحكومات سابقة، محذرين من أن عدم شمولهم يعني عدم جدية في مكافحة الفساد. 

تشكيك وحذر

في المقابل، برزت حالة من التشكك والحذر بين الناشطين، حيث تساءلوا عن توقيت حملة الاعتقالات في المنطقة الخضراء (التي شملت شخصيات سياسية ونواباً) وما إذا كانت جهداً حقيقياً لمكافحة الفساد أم تصفية حسابات سياسية موجهة ضد خصوم تيارات معينة (خاصة خصوم نوري المالكي).

وطالب كثيرون بنشر أسماء المعتقلين وتفاصيل التهم بشفافية كاملة، محذرين من أن الانتقائية في الاستهداف قد تعزز الشكوك وتُفقد العملية مصداقيتها، مقدرين أن استثناء رموز فساد بارزة أو أطراف سياسية نافذة يجعل الحملة تبدو انتقائية وغير محايدة.

وأشارت البعض إلى دعم أميركي محتمل أو أبعاد سياسية (مثل مواجهة النفوذ الإيراني)، بينما حذر آخرون من أنها قد لا تنال "الرؤوس الكبيرة" الحقيقية.