ليلة الرعب في كاراكاس.. كيف قلب الزلزال حياة الفنزويليين رأساً على عقب؟

تقع فنزويلا في منطقة جيولوجية معقدة عند نقطة التقاء صفيحة أميركا الجنوبية مع صفيحة الكاريبي
بينما تعيش فنزويلا، الواقعة شمال قارة أميركا الجنوبية، منعطفاً تاريخيا استثنائيا أعاد رسم مشهدها السياسي بصورة دراماتيكية منذ مطلع العام الجاري، إثر عملية عسكرية أميركية مباغتة أطاحت بالرئيس نيكولاس مادورو، وجدت البلاد نفسها أمام مأساة جديدة تمثلت في واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي شهدتها منذ أكثر من قرن.
ففي مساء 24 يونيو/حزيران 2026، ضرب زلزالان مدمران ومتتاليان الأراضي الفنزويلية، أعقبتهما نحو 20 هزة ارتدادية، ما أسفر عن مقتل 32 شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من 700 آخرين بجروح متفاوتة، وفق حصيلة رسمية أولية أعلنتها الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز.
وتتولى رودريغيز التي شغلت سابقاً منصب نائب الرئيس، إدارة الحكومة الانتقالية بعد اعتقال القوات الأميركية الرئيس السابق نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهما بتهم تتعلق بالإرهاب الدولي والاتجار بالمخدرات.
وبلغت قوة الزلزال الأول 7.2 درجات على مقياس ريختر، قبل أن يتبعه بعد 39 ثانية فقط زلزال أشد عنفاً بلغت قوته 7.5 درجات، ما تسبب في انهيار مبانٍٍ سكنية بالكامل، وتضرر واسع في البنية التحتية، وإغلاق مطار كاراكاس الدولي إثر سقوط أجزاء من أسقفه، وسط مخاوف متزايدة من ارتفاع أعداد الضحايا مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ تحت الأنقاض.
وقالت رودريغيز، خلال مؤتمر صحفي عقب الكارثة: إن فرق الإنقاذ تواصل عملياتها في المناطق المنكوبة، محذرة من احتمال ارتفاع حصيلة الوفيات. ومشيرة إلى أن ولاية لا غويرا كانت الأكثر تضرراً، حيث انهارت عشرات المباني وتحولت إلى منطقة منكوبة تواجه "مأساة حقيقية".
ووَصفت الرئيسة بالوكالة الوضع بأنه كارثة ذات تداعيات خطيرة، مؤكدة أن الأولوية القصوى تُمنح حالياً لعمليات الإنقاذ والإغاثة، كما دعت الأطباء والممرضين وجميع العاملين في القطاع الصحي إلى التوجه فوراً إلى المستشفيات والمراكز الطبية للمساهمة في علاج المصابين والتعامل مع تداعيات الكارثة.
احتمالات كارثية
وقال المركز الأميركي للمسح الجيولوجي: إن الزلزال الأول وقع على بعد 24 كيلومتراً شمال شرقي مدينة سان فيليبي بولاية ياراكوي وعلى عمق 21.9 كيلومتراً، فيما وقع الزلزال الثاني بعد أقل من دقيقة على بعد 23 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة يوماري التابعة للولاية نفسها وعلى عمق 10 كيلومترات.
وحذر المركز من احتمال ارتفاع حصيلة الضحايا بشكل كبير، بسبب طبيعة المباني المنتشرة في المناطق المتضررة، والتي تعتمد بدرجة كبيرة على الطوب غير المسلح والطوب اللَّبِني، وهي مواد تُعد من أكثر المواد هشاشة أمام الزلازل القوية.
وفي نموذج إحصائي أولي أعد لدعم خطط الاستجابة للطوارئ، قدّر المركز احتمالات مرتفعة لوقوع خسائر بشرية واسعة النطاق، مع التأكيد أن هذه الأرقام ليست حصيلة فعلية وإنما سيناريوهات محتملة. وأشار إلى وجود احتمال بنسبة 39 بالمئة بأن يتراوح عدد الوفيات بين ألف و10 آلاف شخص، واحتمال بنسبة 37 بالمئة بأن يتراوح بين 10 آلاف و100 ألف شخص.
وسُجلت أشد الأضرار في العاصمة كاراكاس، خصوصاً في حي ألتاميرا؛ حيث تمكنت فرق الإنقاذ من انتشال عدد من الناجين من تحت أنقاض مبنى مكون من 22 طابقاً، بينما واصل ذوو المفقودين البحث عن أقاربهم وسط مشاهد من الفوضى والدمار.
وعقب الزلزالين، أعلنت السلطات الفنزويلية حالة الطوارئ العامة وأغلقت مطار كاراكاس الدولي، في حين واصلت الفرق المختصة تقييم حجم الأضرار، خاصة في ولاية لا غويرا القريبة من العاصمة.
موقع جغرافي محفوف بالمخاطر
وتقع فنزويلا في منطقة جيولوجية معقدة عند نقطة التقاء صفيحة أميركا الجنوبية مع صفيحة الكاريبي، ما يجعلها عرضة بصورة دائمة للأنشطة الزلزالية الناتجة عن حركة الصفائح التكتونية والصدوع النشطة، وفي مقدمتها صدعا "بوكونو" و"سان سيباستيان".
وتطل فنزويلا شمالاً على البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي، بينما تحدها البرازيل جنوباً، وغيانا شرقاً، وكولومبيا غرباً، وتقع بالكامل تقريباً ضمن النطاق المداري القريب من خط الاستواء.
ويمتد الحزام الزلزالي النشط عبر شمال البلاد، وهي المنطقة الأكثر كثافة سكانية وتضم العاصمة كاراكاس، ما يزيد من حجم المخاطر التي تمثلها الهزات الأرضية على السكان والبنية التحتية.
وجاءت هذه الكارثة في وقت تمر فيه البلاد بظروف سياسية واقتصادية معقدة؛ حيث تدير الحكومة الانتقالية ملفات ثقيلة تتعلق بالاستقرار الداخلي وإعادة بناء المؤسسات، الأمر الذي يزيد من صعوبة الاستجابة السريعة لكارثة بهذا الحجم.
كما يضاعف الوضع الاقتصادي والإنساني الضاغط من الأعباء الملقاة على فرق الإنقاذ والدفاع المدني، ما دفع السلطات إلى فتح الباب أمام تنسيق المساعدات الإنسانية الدولية والإقليمية لتسريع عمليات الإنقاذ وتقديم الرعاية الطبية والإيوائية للمتضررين.
سجل طويل من الكوارث
ورغم أن زلزال يونيو/حزيران 2026 يُعد الأقوى الذي يضرب فنزويلا منذ أكثر من قرن، فإن البلاد شهدت على مدار تاريخها سلسلة من الزلازل المدمرة التي خلفت خسائر بشرية ومادية جسيمة.
ويُعد زلزال عام 1812 من أكثر الكوارث فتكاً في تاريخ البلاد؛ إذ دمر أجزاء واسعة من العاصمة كاراكاس وتسبب في مقتل ما بين 10 آلاف و20 ألف شخص، كما ترك آثاراً سياسية واجتماعية عميقة خلال مرحلة حرب الاستقلال.
وفي عام 1900 ضرب زلزال سان نارسيسو البلاد بقوة بلغت 7.7 درجات، بينما شهدت كاراكاس عام 1967 زلزالاً بقوة 6.7 درجات أودى بحياة أكثر من 225 شخصاً وتسبب في دمار واسع.
كما تعرضت فنزويلا عام 1997 لزلزال كاريأكو بقوة 6.9 درجات، أسفر عن سقوط عشرات القتلى وأضرار مادية كبيرة، فيما ضربها زلزال آخر عام 2018 بلغت قوته 7.3 درجات، لكنه لم يسفر عن خسائر بشرية واسعة بسبب وقوعه على عمق كبير.
زلازل غيرت تاريخ البشرية
ورغم ضخامة ما شهدته فنزويلا، فإن التاريخ سجل زلازل أكثر تدميراً في مناطق مختلفة من العالم.
ففي الصين وقع زلزال شانشي عام 1556، والذي يُصنف على نطاق واسع بصفته أكثر الزلازل فتكاً في تاريخ البشرية؛ حيث قُدرت قوته بنحو 8 درجات وأدى إلى مقتل نحو 830 ألف شخص.
وفي عام 2010 تعرضت هايتي لزلزال بقوة 7 درجات فقط، لكنه أسفر عن مقتل ما يقرب من 316 ألف شخص بسبب هشاشة البنية التحتية وضعف الاستعدادات.
أما زلزال وتسونامي المحيط الهندي عام 2004، والذي بلغت قوته 9.1 درجات قبالة سواحل سومطرة الإندونيسية؛ فقد تسبب في مقتل وفقدان نحو 230 ألف شخص في 14 دولة.
كما شهدت مدينة حلب السورية عام 1138 واحداً من أكثر الزلازل تدميراً في العصور الوسطى؛ حيث تشير التقديرات التاريخية إلى سقوط نحو 230 ألف قتيل.
وفي اليابان، أدى زلزال كانتو الكبير عام 1923 بقوة 7.9 درجات إلى مقتل أكثر من 142 ألف شخص نتيجة الحرائق الهائلة التي أعقبت الهزة الرئيسة.
وبينما لا تزال فرق الإنقاذ الفنزويلية تعمل وسط الأنقاض، تبقى المخاوف قائمة من أن تكشف الساعات والأيام المقبلة عن حصيلة أكبر للضحايا، في بلد يواجه اليوم تحدياً مزدوجاً يتمثل في إدارة مرحلة سياسية انتقالية معقدة، ومواجهة واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في تاريخه الحديث.
صدمة ورعب
وتداول ناشطون على منصات التواصل مقاطع فيديو حية وصادمة سجلت لحظة وقوع الزلزال، وظهر في أبرزها انهيار سقف مطار سيمون بوليفار الدولي وحالة الهلع والركض العشوائي للمسافرين، وتوثيق الانهيار الكامل لمبنى سكني شاهق من 22 طابقاً في حي "ألتاميرا" الراقي.
وعبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #زلزال_فنزويلا، #فنزويلا، وغيرها، أعربوا عن حالة الصدمة والرعب من المشاهد المتداولة التي شاركوها، مركزين على الجانب الإنساني للكارثة، والخسائر البشرية المحتملة، والحاجة الملحة للإغاثة والدعم الدولي.
تضامن إنساني
وأطلق ناشطون دعوات واسعة للتضامن الإنساني، مشددين على أهمية التبرع الفوري والدعاء الجماعي للمتضررين من الكارثة، وأبرزوا استعداد دول مثل الولايات المتحدة وتركيا لتقديم المساعدات السريعة، معبرين عن أملهم في تدخل دولي فعال يخفف المعاناة.
كوراث طبيعية
واستحضر ناشطون زلازل فنزويلا التاريخية السابقة وكوراثها الطبيعية، خاصة زلزال 1812 المدمر (الذي قُتل فيه عشرات الآلاف) وزلازل 1967 و1997 و2018، للتأكيد على أن البلاد تقع في منطقة نشطة زلزالياً، داعين الحكومة والمجتمع الدولي إلى الاستفادة من الدروس التاريخية لبناء إستراتيجية وقائية فعالة.
وشددوا على أن تكرار الكوارث يتطلب خططاً احترازية وطنية شاملة للتعامل مع الكوارث، تشمل بناء مقاوم للزلازل، أنظمة إنذار مبكر، تدريبات دورية، وتحسين البنية التحتية، مقدرين أن غياب الاستعداد المسبق يفاقم الخسائر البشرية والمادية كما حدث الآن.

















