اجتماع ثلاثي مزعوم بين الحوثيين و"الشباب" و"القاعدة".. ماذا دار فيه؟

"إذا قررت صنعاء إغلاق المضيق، فلن يتمكن لا البشر ولا الجن من فتحه"
زعمت وسائل إعلام يمنية، نقلا عن مصادر أمنية، أن وفدا من حركة الشباب الصومالية زار محافظتي شبوة والبيضاء الغنيتين بالنفط في اليمن، لإجراء محادثات مع جماعة الحوثيين، إضافة إلى الفرع المحلي لتنظيم القاعدة.
واستنادا إلى هذا الزعم، أشارت صحيفة "إزفيستيا" إلى أن "الأطراف ناقشت خلال الاجتماع الانتقال من مستوى التعاون التكتيكي في مجالات تجارة السلاح وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى مستوى تعاون إستراتيجي أكثر انتظاما يشمل سلاسل الإمداد والتمويل، بل وحتى تنفيذ عمليات مشتركة".
ولفتت الصحيفة الروسية إلى أن "هذه التطورات تأتي في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول كيفية تحول خصوم أيديولوجيين إلى شركاء محتملين في ظل استمرار التوترات والصراعات في الشرق الأوسط، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات إقليمية ودولية".

تعاون متبادل
وتعتقد الصحيفة أن هذه الزيارة تعد حدثا لافتا بكل المقاييس، "فقد سبق أن أكد فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن في وقت سابق، أن التحالف بين الحوثيين المدعومين من إيران الشيعية وحركة الشباب السنية هو أمر مستبعد تماما، نظرا لعدم وجود أي أساس أيديولوجي مشترك يجمع بينهما".
وعزا الخبراء ذلك إلى أن "العلاقة بين تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والحوثيين كانت تقوم على المواجهة المباشرة؛ إذ سعى كل طرف إلى توسيع نفوذه والسيطرة على مزيد من المناطق".
واستدركت الصحيفة: "غير أن هذا النمط من الصراع بدأ يتغير تدريجيا مع تطور تبادل الأسرى بين الجانبين، ومع تراجع قدرات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ما أدى إلى تعميق قنوات التواصل غير المباشر مع الحوثيين".
وأردفت: "وفي عام 2022، توج هذا التقارب بإبرام اتفاق رسمي لعدم الاعتداء، مما وضع حدّا نهائيا للاشتباكات المسلحة بين الجماعتين".
ونوَّهت الصحيفة إلى أن "الأمر لم يقتصر على ذلك، بل أسهم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في تعبيد الطريق لربط الحوثيين بفرع التنظيم الخارجي، وهو حركة الشباب التي تتخذ من جنوب الصومال مقرا رئيسا لها".
وأضاف التقرير أنه "بحلول عام 2024، رصدت الاستخبارات الأميركية لقاءات مباشرة جمعت قيادات حوثية مع مسلحي حركة الشباب".
وتنبع أهمية حركة الشباب الصومالية من كونها تدير شبكات بحرية وعمليات تهريب واسعة على طول الساحل الإفريقي، بما في ذلك العلاقات الوثيقة مع عصابات القرصنة الصومالية.
وبحسب الصحيفة، "يمنح الموقع الساحلي المتميز لمقديشو ميزة لوجستية هائلة تستغلها الحركة لتهريب البضائع والأسلحة عبر خليج عدن الحيوي".
وذكرت أنه "وفقا لبيانات صادرة عن الأمم المتحدة ومراكز أبحاث إفريقية متخصصة، بدأت حركة الشباب في الحصول من الحوثيين على دعم لم تكن تملكه قط في تاريخها، ويتمثل في التقنيات العسكرية الحديثة".
ووفقا لما وُرد بالتقرير، "لا يقتصر هذا الدعم على تزويدها بالأسلحة الخفيفة فحسب، بل يقوم الحوثيون -مستندين إلى الدعم والخبرة الإيرانية- بنقل المعرفة التكنولوجية للصوماليين لتمكينهم من إنتاج عبوات ناسفة معقدة ومحلية الصنع، بالإضافة إلى تدريبهم الاحترافي على تشغيل الطائرات المسيرة بدون طيار وطائرات الاستطلاع".
"وفي المقابل، تدفع الحركة الصومالية ثمن هذا الدعم عبر تقديم الموارد وتسهيل الخدمات اللوجستية"، بحسب الصحيفة.
وفي سياق متصل، يشير خبراء الأمم المتحدة ومحللو معهد "تشاتام هاوس" البريطاني إلى أن حركة الشباب، ومقابل حصولها على السلاح والتدريب، تعمل على تنشيط عمليات القرصنة البحرية في خليج عدن؛ حيث تستهدف سفن الشحن التجارية وتجمع فديات مالية ضخمة، يذهب جزء مستقطع منها مباشرة إلى خزائن الحوثيين.
وإضافة إلى هذه المزاعم، "توفر الشبكات الصومالية للحركة اليمنية منافذ آمنة إلى الساحل الإفريقي، والذي بات يستخدم كمركز ترانزيت رئيس لنقل الأسلحة الإيرانية، ووفقا لبعض التقارير الاستخباراتية، لتهريب المخدرات أيضا، مما يشكل مصدرا ماليا مهما لتمويل أنشطة الحوثيين".

انتشار واسع
وعقّبت الصحيفة: "كل هذه العوامل المجتمعة كفيلة بإعادة صياغة ميزان القوى في منطقة القرن الإفريقي جذريا".
وتابعت: "في الوقت الحالي، تتحدث وسائل إعلام أميركية عن أن الحوثيين وتنظيم القاعدة يوسعون باستمرار سلسلة إمدادات المواد والمعدات".
فضلا عن "التبادل المشترك للأسلحة، والتقنيات المرتبطة بالطائرات المسيرة، وتكثيف الدورات التدريبية لمسلحي تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب على حد سواء".
وعلق معهد "جيمستاون" للأبحاث على هذا التطور قائلا: إن هذا الأمر يثبت بوضوح أن تعاون هذه الجماعات يتجاوز تماما الخلافات الأيديولوجية والعقائدية، ويهدد بشكل مباشر بانتشار الأسلحة المتطورة في المنطقة.
وتوقع المعهد أنه "في حال نجاح الهياكل المرتبطة بتنظيم القاعدة في امتلاك القدرات التقنية اللازمة لإنتاج الصواريخ أو الطائرات المسيرة بأنفسهم، وهي ذات القدرات التي يمتلكها الحوثيون حاليا، فإن هذه المعرفة الفنية والخطيرة ستنتشر بسرعة كبيرة عبر الشبكة العالمية للمجموعات المسلحة بأكملها".
وعليه، حذرت الصحيفة من أن "هذا التعاون المتنامي يمثل تهديدا أمنيا خطيرا، وقد يسهم بشكل مباشر في تسهيل وتنفيذ أعمال تخريبية واسعة النطاق تهدد حركة الملاحة الدولية والأمن الإقليمي".
وأبرزت الصحيفة "السؤال الرئيس الذي يطرح نفسه أمام المجتمع الدولي عقب هذا اللقاء: ماذا يمكن أن ينتظر من هذا التحالف في سياق الحرب مع إيران؟ إذ سبق أن أعلن الحوثيون أكثر من مرة استعدادهم لإغلاق مضيق باب المندب الذي يربط بحر العرب بالبحر الأحمر ويقود إلى قناة السويس".
وفي هذا السياق، قال نائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين حسين العزي أخيرا عبر منصة "إكس" إنه إذا قررت صنعاء إغلاق المضيق، فلن يتمكن لا البشر ولا الجن من فتحه".
والخطير، بحسب الصحيفة، أن "التحالف مع حركة الشباب يجعل هذا التهديد أكثر واقعية وتعقيدا".
وتابعت موضحة: "فإذا بدأ الحوثيون فرض حصار شامل من الشمال، أي من جهة اليمن، فإن حلفاءهم قد يفتحون جبهة ثانية من الجنوب عبر الصومال، من خلال استهداف السفن أو استخدام موانئ خاضعة لسيطرتهم في عمليات زرع ألغام أو المراقبة".
وهو ما تعتقد أنه "قد يحول منطقة باب المندب بالكامل إلى منطقة غير آمنة على الإطلاق".
في موازاة ذلك، لفتت الصحيفة إلى أنه "بحسب معطيات استخباراتية أميركية وإسرائيلية، يسعى الحوثيون إلى تعزيز مواقعهم ليس فقط في الصومال، بل أيضا في السودان، في محاولة لإنشاء موطئ قدم عسكري دائم داخل القارة الإفريقية، بما يتيح لهم تهديد حركة الملاحة وحتى إسرائيل".
وأردفت: "ولذلك، أدرجت إستراتيجية البيت الأبيض الأميركية لمكافحة الإرهاب، الصادرة في مايو/ أيار 2026، التعاون بين حركة الشباب والحوثيين ضمن قائمة التهديدات الحالية والأكثر خطورة".

عدو مشترك
استنادا إلى تلك المزاعم، تؤكد الصحيفة أن "هذا اللقاء الذي جرى في اليمن لا يعكس مجرد مرحلة جديدة من المفاوضات، بل يشير إلى تحول في دور الفاعلين من غير الدول في الشرق الأوسط".
فبحسب تقديرها، "تم تجاوز الخلافات الدينية بين السنة والشيعة لصالح السعي نحو النفوذ والموارد".
وتابعت: "إذ يحصل الحوثيون على فرصة للتحرك في منطقة القرن الإفريقي عبر حلفائهم، إلى جانب القدرة على الضغط على حركة التجارة العالمية، بينما يمكن لحركة الشباب أن تتحول إلى قوة مسلحة تمتلك طائرات مسيرة ووسائل تفجير متطورة".
واستطردت: "يعد باب المندب شريانا حيويا لا يقتصر على نقل النفط فقط، بل يشمل أيضا حركة الحاويات من آسيا إلى أوروبا، وأي إغلاق له أو تحوله إلى منطقة نزاع مسلح سيشكل ضربة قاسية للاقتصاد العالمي".
مع ذلك، أوضح الباحث في قسم الشرق الأوسط في معهد إينيون التابع لأكاديمية العلوم الروسية، الحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، دانيلا كريلوف، في حديث لصحيفة "إزفستيا"، أنه "لا يزال من غير المؤكد أن تنظيم القاعدة لن يدخل مستقبلا في حالة صدام مع الحوثيين".
وأضاف أن "أي تطور في هذا الاتجاه سيؤدي إلى حالة من القلق والانزعاج لدى الرياض، لأنه يمثل تهديدا مباشرا لأمن المملكة ومكانتها في شبه الجزيرة العربية".
أما فيما يتعلق بتفاصيل اللقاء، فيرى الخبير أن اجتماع حركة الشباب مع الحوثيين والجناح المحلي لتنظيم القاعدة "يمس على الأرجح جانبا آخر مختلفا".
وأوضح مقصده قائلا: "في الأشهر الأخيرة، أعلنت دول عديدة عن التوصل إلى اتفاقيات مع قوى محلية مختلفة في الصومال لبناء قواعد عسكرية وأنظمة مراقبة المجال الجوي".
وأردف: "والحديث هنا يدور حول قواعد عسكرية، وموانئ للدعم اللوجستي، وممرات هبوط وإقلاع الطائرات. وهو ما يعني أننا نتحدث عن بنية تحتية عسكرية متكاملة".
وأشار الخبير في الشؤون الشرقية بشكل خاص إلى أن "تركيا وإسرائيل كانتا من بين الدول التي أعلنت عن مثل هذه الخطوات".
وبحسب تقديره، فإن "قواعد محتملة لإسرائيل وأيضا للولايات المتحدة في منطقة القرن الإفريقي ومحيط مضيق باب المندب والمحيط الهندي قد يشكل أحد دوافع هذا التعاون، مع هدف إستراتيجي يتمثل في تقليص الحضور الإسرائيلي في المنطقة".
كما يعتقد كريلوف أن "المشاورات بين الطرفين ستتركز على أساليب ووسائل مواجهة إسرائيل".
وفي هذا السياق، توقع أن "الحوثيين قد ينقلون خبراتهم في تنفيذ الهجمات ضد أهداف وسفن إسرائيلية، وشرح نوعية الأسلحة المستخدمة في الهجوم، والنتائج التي يمكن أن تؤدي إليها، مؤكدا أن هذا سيكون محور النقاش الأساسي بين الطرفين".
ورغم إقراره بـ"وجود تناقضات عديدة بين الجانبين، بما في ذلك الخلافات الدينية"، لكنه يرى أن "هذا النوع من التعاون يندرج ضمن إطار التنسيق ضد إسرائيل وربما بدرجة أقل ضد الولايات المتحدة، مع بقاء الصومال ساحة مفتوحة لتنافس عدة أطراف".
















