من سيناريو إلى خطاب تعبئة.. لماذا يتحدث الإسرائيليون مجددا عن حرب ضد مصر؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

خلال مؤتمر "هيروت" السنوي الذي عُقد في القدس، توقّع رئيس مركز "هيروت" الإسرائيلي أمياد كوهين، في 23 يونيو/حزيران 2026، اندلاع مواجهة عسكرية بين مصر وإسرائيل خلال الخمسة عشر عامًا المقبلة.

وجاء هذا الطرح ضمن تصاعد لافت في الإعلام العبري والتصريحات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، التي أعادت مصر إلى واجهة النقاش الأمني بصفتها تحديًا إستراتيجيًا ينبغي الاستعداد له.

وكشفت قراءة الخطاب الإسرائيلي أن الحديث عن "الخطر المصري" أصبح جزءًا من نقاش أوسع يرتبط بحرب غزة، وصدمة السابع من أكتوبر، ومستقبل البيئة الأمنية التي ترى تل أبيب أنها تتشكل في الشرق الأوسط.

شرارة التصريحات

وكان كوهين قد حذّر أيضًا مما وصفه بالتوسع المستمر في القدرات العسكرية المصرية، وانتقد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، التي رأى أنها سمحت لقوى إقليمية مثل مصر وتركيا بتعزيز قدراتها العسكرية.

ورغم أن كوهين لا يشغل منصبًا حكوميًا، فإن تصريحاته لم تأتِ في فراغ، إذ سبقتها خلال الأشهر الماضية سلسلة تصريحات وتقارير دفعت مصر إلى صدارة النقاش الأمني داخل إسرائيل، بعد سنوات كان التركيز فيها ينصب على إيران وحزب الله وحركة حماس.

ففي فبراير/شباط 2026، كشفت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" العبرية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حذّر خلال اجتماع مغلق للجنة الخارجية والأمن في الكنيست من أن الجيش المصري "يزداد قوة"، مشددًا على ضرورة متابعة هذا التطور عن كثب.

ورغم تأكيده استمرار أهمية معاهدة السلام، فإن طرح الملف داخل أهم لجنة أمنية في الكنيست عكس عودة الجبهة الجنوبية إلى حسابات المؤسسة السياسية الإسرائيلية.

وبعدها نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" تقريرًا استند إلى تقديرات استخباراتية إسرائيلية، تناول تنامي الوجود العسكري المصري في سيناء قرب الحدود مع إسرائيل، مقدرا أن التطورات تستوجب متابعة دائمة من جانب المؤسسة الأمنية.

وفي الفترة نفسها، رأت مجلة "فوربس" الأميركية أن القلق من القوة العسكرية المصرية أصبح أحد الملفات البارزة داخل إسرائيل، بالتوازي مع الحرب الأخيرة مع إيران، في إشارة إلى أن النقاش لم يعد محصورًا في التهديد الإيراني وحده.

ولم يقتصر الأمر على الإعلام، ففي أكثر من مناسبة، أثار السفير الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة داني دانون تساؤلات حول حجم برامج التسليح المصرية، متسائلًا عن أسباب امتلاك القاهرة غواصات ومنظومات قتالية متطورة.

مؤكدًا أن إسرائيل بعد هجوم السابع من أكتوبر لم تعد تستطيع تجاهل أي تغيرات عسكرية تحدث على حدودها، حتى مع الدول التي تربطها بها معاهدات سلام.

وتكشف هذه المواقف أن تصريحات كوهين لم تكن سوى أحدث حلقات خطاب يتنامى داخل إسرائيل، يقوم على إعادة إدراج مصر في تقديرات الأمن القومي، ليس بصفتها خصمًا حاليًا، وإنما قوة إقليمية يجب مراقبة تطور قدراتها والاستعداد لاحتمالات المستقبل.

حرب متعددة الجبهات

كذلك، لم يعد الحديث عن مصر يقتصر على تصريحات السياسيين، بل أصبح حاضرًا بصورة متكررة في مقالات الجنرالات المتقاعدين، وأوراق مراكز الأبحاث، وتقارير وسائل الإعلام العبرية، التي تتناول برامج التسليح المصرية بصفتها أحد أبرز المتغيرات الإستراتيجية في المنطقة.

ومن أبرز الأصوات التي أسهمت في هذا الاتجاه اللواء احتياط "إسحاق بريك"، القائد السابق لشكاوى الجنود في الجيش الإسرائيلي، الذي حذّر في مقال نشرته صحيفة "معاريف" من أن إسرائيل مطالبة بالاستعداد لمواجهة تحديات جديدة قد تأتي من الجنوب.

مقدرا أن أي تقارب عسكري بين مصر وتركيا قد يفرض على تل أبيب إعادة بناء جيش قادر على خوض حرب متعددة الجبهات، بدلًا من التركيز على الجبهات التقليدية في الشمال (سوريا ولبنان).

ويحظى بريك بثقل خاص داخل النقاش الأمني الإسرائيلي، إذ اشتهر خلال السنوات الأخيرة بانتقاداته المتكررة لجهوزية جيش الاحتلال، كما كان من أوائل العسكريين الذين حذّروا من وجود خلل بنيوي في المؤسسة العسكرية قبل هجوم السابع من أكتوبر، وهو ما منح تحذيراته اللاحقة بشأن مصر اهتمامًا واسعًا داخل الإعلام العبري.

وفي السياق نفسه، صعّد عضو الكنيست "عميت هاليفي" من لهجته، متهمًا مصر بانتهاك الترتيبات الأمنية لاتفاقية كامب ديفيد عبر تطوير بنية تحتية عسكرية في سيناء، وداعيًا إلى إعادة تقييم انتشار جيش الاحتلال الإسرائيلي على الحدود الجنوبية.

كما تداولت وسائل إعلام عبرية تصريحات منسوبة للجاسوس الإسرائيلي السابق "جوناثان بولارد"، دعا فيها إسرائيل إلى الاستعداد لاحتمال مواجهة مستقبلية مع مصر وتركيا، مقدرا أن التحديات التي تواجهها تل أبيب لن تقتصر على إيران.

فلسفة التفكير الإسرائيلي

وفي المقابل، لم تذهب جميع المؤسسات البحثية الإسرائيلية إلى الاتجاه نفسه، فقد قدّم معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) قراءة تحدّ من القلق الإسرائيلي المتصاعد، أشار فيها إلى أن تنامي القدرات العسكرية المصرية لا يعني بالضرورة وجود نية لخوض حرب مع إسرائيل، موضحًا أن القاهرة تواجه تحديات أمنية متعددة تشمل الحدود مع ليبيا والسودان، وتأمين البحر الأحمر وشرق المتوسط.

كما رأى باحثون في مركز "القدس للشؤون العامة" أن الجيش المصري بات يمتلك قدرات أكبر مما كان عليه قبل عقدين، لكن ذلك لا يغير حقيقة أن معاهدة السلام لا تزال تمثل ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، وأن أي تقدير إسرائيلي للمستقبل يجب أن يوازن بين تنامي القوة العسكرية المصرية واستمرار المصالح المشتركة بين البلدين.

ورغم هذا التباين بين الإعلام وبعض مراكز الأبحاث، فإن القاسم المشترك في معظم النقاشات الإسرائيلية يتمثل في أن مصر عادت إلى خريطة التهديدات طويلة المدى.

ولم يعد السؤال المطروح داخل هذه الدوائر: "هل تشكل مصر خطرًا الآن؟"، بل أصبح: "كيف ستبدو موازين القوى بعد عشر أو خمس عشرة سنة؟"

ويعكس هذا التحول تغيرًا في فلسفة التفكير الأمني الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، فبدلًا من التعامل مع التهديدات القائمة فقط، توسعت دائرة الاهتمام لتشمل القوى الإقليمية التي تشهد تحديثًا عسكريًا متواصلاً، حتى وإن كانت ترتبط مع إسرائيل بعلاقات رسمية مستقرة.

ومن هنا، لم تعد مصر تُذكر في الخطاب العبري بصفتها شريكًا في ترتيبات أمنية على حدود غزة فحسب، بل بصفتها متغيرًا إستراتيجيًا يجب مراقبته، ويجب أن يدخل في حسابات بناء الجيش الإسرائيلي خلال العقد المقبل.

سيناء تحت المجهر

ولم يكن تصاعد الحديث الإسرائيلي عن القدرات العسكرية المصرية منفصلًا عن سيناء، بل تركزت معظم التقارير العبرية خلال الفترة الماضية على ما يجري داخل شبه الجزيرة، سواء تعلق الأمر بمشروعات البنية التحتية أو الطرق والأنفاق أو تطوير المطارات، في محاولة لربط هذه المشروعات بتقديرات عسكرية وأمنية.

وخلال يونيو 2026، أثارت تقارير نشرتها منصة "ناتسيف نت" الإسرائيلية جدلًا واسعًا بعد حديثها عن أعمال تطوير في "مطار الجورة" المصري العسكري شمال سيناء، الواقع على بعد نحو 12 كيلومترًا من الحدود مع الاحتلال.

وزعمت المنصة، استنادًا إلى ما وصفته بتقديرات استخباراتية، أن الجيش المصري يعمل على إطالة المدارج وتوسعتها، وإنشاء ملاجئ للطائرات ومستودعات للوقود ومنشآت لوجستية، بما يسمح باستقبال الطائرات المقاتلة وطائرات النقل العسكري الثقيلة.

وربطت التقارير هذه الأعمال بإمكانية نقل القوات والمعدات بسرعة إلى شمال سيناء، مقدرة أن المطار يتحول تدريجيًا إلى قاعدة جوية نشطة، في قراءة تعكس الطريقة التي بات الإعلام العبري يتعامل بها مع أي مشروع مصري في سيناء.

كذلك تناولت تقارير في منصة "News1" العبرية ووسائل إعلام إسرائيلية أخرى شبكة الطرق الجديدة والأنفاق أسفل قناة السويس ومشروعات الربط بين سيناء ووادي النيل، بوصفها عناصر يمكن أن تمنح الجيش المصري مرونة أكبر في التحرك والانتشار إذا اقتضت الضرورة.

وكان لافتًا في الخطاب الإسرائيلي ليس الاعتراض على مشروع بعينه، بل الانتقال إلى قراءة مجمل التنمية في سيناء بصفتها عاملًا يدخل في حسابات التوازن العسكري، وهو تحول يعكس إعادة تقييم أوسع للجبهة الجنوبية بعد الحرب على غزة.

العدو الأول

وقال الباحث المصري في العلوم السياسية عامر حسن، في حديثه لـ"الاستقلال"، إن التوتر بين مصر وإسرائيل ليس وليد الحرب على قطاع غزة، وإنما يعكس طبيعة علاقة تحكمها بيئة صراع ممتد منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي عام 1948.

وأضاف أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نظرت تاريخيًا إلى مصر بصفتها التهديد العسكري الأكبر، لأن الجيوش العربية التي خاضت معها الحروب الأربع الكبرى كانت في مقدمتها القوات المسلحة المصرية.

وهو ما جعل العقيدة الأمنية الإسرائيلية تتعامل مع مصر بوصفها الخطر الأكثر تأثيرًا على أمن إسرائيل، حتى بعد توقيع معاهدة السلام.

وأوضح أن من الطبيعي، في المقابل، أن تظل إسرائيل في الوعي الإستراتيجي المصري الخصم والتهديد الرئيس والعدو الأول، بالنظر إلى عقود الصراع، واستمرار الاحتلال للأراضي الفلسطينية، والسياسات الإسرائيلية التي تمس الأمن القومي المصري، وفي مقدمتها الحرب على غزة، والسيطرة على ممر فيلادلفيا، وطرح سيناريوهات تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.

ويرى حسن أن تصاعد الحديث داخل الإعلام والدوائر الأمنية الإسرائيلية عن القدرات العسكرية المصرية ليس ظاهرة جديدة، بل امتداد لعقيدة أمنية راسخة تعود إلى عقود، تتجدد كلما تصاعد الخلاف السياسي بين الجانبين أو تعثرت الخطط الإسرائيلية في المنطقة، بما فيها التصورات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة والمنطقة ككل.