"مراكز عودة".. لماذا التشكيك بفعالية تطبيق قوانين الهجرة الأوروبية الجديدة؟

مصعب المجبل | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل تصاعد الجدل الأوروبي حول سياسات الهجرة، تبرز التساؤلات بشأن مدى واقعية وفعالية الحزمة التشريعية الجديدة التي أقرّها الاتحاد الأوروبي لإدارة ملف المهاجرين غير النظاميين. 

فبينما يراها مؤيدوها خطوة حاسمة لمعالجة خلل مزمن في نظام اللجوء؛ حيث لا يُنفَّذ سوى جزء محدود من قرارات الترحيل، يعدها معارضون تحولًا جذريًا نحو تشديد غير مسبوق قد يطال الحقوق الأساسية ويثير إشكالات قانونية وإنسانية معقدة.

"مراكز عودة"

لقد وافق البرلمان الأوروبي في 17 يونيو 2026 على قانون جديد للاتحاد الأوروبي يسمح بإنشاء مراكز إعادة التوطين خارج الاتحاد وعمليات تفتيش المنازل - بأصوات من المحافظين وجماعات اليمين المتطرف.

 والقانون يهدف إلى تسريع عودة المهاجرين الذين لا يحق لهم البقاء في الاتحاد الأوروبي. وكان العامل الحاسم هو أصوات كتلة يمين الوسط وأحزاب اليمين المتطرف.

والمصادقة على قواعد أكثر تشددا بشأن عودة المهاجرين الذين رفضت طلباتهم للجوء، تتضمن إمكانية عقد الدول الأعضاء اتفاقيات لإقامة "مراكز عودة" خارج الاتحاد الأوروبي، يحتجز فيها المهاجرون تمهيدا لترحيلهم.

ولا ينفذ حاليا سوى حوالى 20 بالمئة من قرارات ترحيل الأجانب المقيمين بطريقة غير نظامية في الاتحاد الأوروبي، وهي نسبة تثير انتقادات شديدة من مؤيدي سياسة أكثر صرامة على صعيد الهجرة.

يعد "نظام العودة" الجديد بمثابة التغيير الأشد صرامة في سياسة الهجرة التي يتبناها الاتحاد الأوروبي منذ عقود، فهو يسمح للدول الأعضاء بإنشاء مراكز ترحيل خارج الاتحاد الأوروبي، تُعرف باسم مراكز العودة ، من خلال اتفاقيات مع دول ثالثة .

يمكن أن تُستخدم هذه المراكز كأماكن إقامة مؤقتة ينتظر فيها الأشخاص ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية، إلا أنها قد تتحول أيضاً إلى أماكن يقيم فيها المهاجرون لفترات طويلة، ربما دون موعد نهائي محدد ودون أي ضمان للعودة. ويُستثنى من هذا النظام القاصرون غير المصحوبين بذويهم. ويمكن نقل العائلات التي لديها أطفال إلى هذه المراكز.

إضافة إلى مراكز الإعادة، يتضمن القانون أيضاً بنداً يسمح بتفتيش "مساكن المهاجرين غير النظاميين أو غيرها من الأماكن ذات الصلة". وتقارن المنظمات غير الحكومية وجماعات المجتمع المدني هذه الإجراءات بالمداهمات سيئة السمعة التي نفذتها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية.

وتشمل الأحكام الأخرى فترات احتجاز أطول، وحظر دخول أكثر صرامة، وصلاحيات جديدة لتحديد أماكن وجود المهاجرين غير النظاميين.

تتزايد المدة القصوى المسموح بها لاحتجاز المهاجرين غير النظاميين بانتظار ترحيلهم من ستة أشهر إلى سنتين. ويمكن تمديدها لستة أشهر أخرى؛ كما يجوز احتجاز الأفراد الذين يُعدّون خطراً أمنياً لأجل غير مسمى.

سيتم تشديد حظر الدخول بشكل كبير. في معظم الحالات، ستتم زيادته من خمس إلى عشر سنوات؛ ومن المقرر فرض حظر مدى الحياة على الأفراد الذين يُعدّون خطرا أمنيا.

ويُغيّر القانون أيضا إجراءات الاستئناف. فبموجب القانون الحالي، تُعلّق عمليات الترحيل تلقائياً ريثما يُبتّ في الدعوى القضائية. أما اللائحة الجديدة فتلغي هذا التعليق التلقائي. وفي المستقبل، ستُقرر المحاكم، على أساس كل حالة على حدة، ما إذا كان سيتم تعليق أمر الإعادة أم لا.

وعارض نواب الحزب الاشتراكي الديمقراطي واليساري هذا التنظيم بشكل كبير، وحذروا من أن هذه الخطط قد تقوض الحقوق الأساسية للمهاجرين.

وقالت آنا كاتارينا مينديز، نائبة رئيس مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين، في بيان في 17 يونيو 2026 "يهدد هذا التنظيم بتطبيع ممارسات مشكوك في قانونيتها كانت لا يمكن تصورها في الاتحاد الأوروبي قبل بضع سنوات فقط".

وأمام ذلك، فقد أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك السبت، عن أسفه الشديد إزاء القانون الأوروبي الجديد الذي يسمح بإعادة مهاجرين إلى بلدانهم. مشيرا إلى أنه لا يمكن للدول الأوروبية نقل واجباتها إلى دول ثالثة.

وقال تورك في بيان: "لا يمكن لدول الاتحاد الأوروبي ببساطة تفويض التزاماتها على صعيد حقوق الإنسان إلى دول ثالثة".

وأضاف أن "احتجاز أشخاص ذوي أوضاع هشة، بمن فيهم أطفال، وإعادتهم إلى دول ثالثة، هو ممارسة بالغة الحساسية لسلطة الدولة، وينطوي على مخاطر عالية بحصول انتهاكات لحقوق الإنسان".

وشدد في هذا الإطار على ضرورة إيلاء "اهتمام خاص لحماية حقوق الإنسان والكرامة، سواء عبر الأعمال أو في نص القانون".

بالمقابل، فقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 19 يوليو 2026 إن باريس لا تؤيد إنشاء ما تُسمى "مراكز العودة" للمهاجرين في دول ثالثة وشكك في فعاليتها، لكنه أضاف أنه يحترم الدول التي ترغب في إنشاء مثل هذه المراكز.

وأضاف ماكرون، في كلمة ألقاها في بروكسل مع ختام قمة الاتحاد الأوروبي التي استمرت يومين "نؤيد سياسة عودة أكثر فاعلية لكن... لم أر على الإطلاق مركز عودة في دولة ثالثة يعمل بالفعل".

وشكك ماكرون في مدى توافق هذه المراكز مع القيم الأوروبية مضيفا "لست متأكدا من أن هذا يعكس جوهر أوروبا التي نؤمن بها، ولا أعتقد أيضا أنها فعالة".

بينما قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز، في مؤتمر صحفي عقب قمة الاتحاد الأوروبي في 19 يوليو 2026: إن إسبانيا تعارض أيضا إنشاء مثل هذه المراكز، لكنها ضمن الأقلية فيما يتعلق بهذه القضية على الصعيد الأوروبي.

وأضاف أن هذه المراكز "لن تؤدي إلا إلى إهدار الموارد الاقتصادية، وأوروبا لا تملك الكثير منها".

نقاش قديم

في الأصل كانت فكرة الترحيل إلى دول ثالثة مبادرة إيطالية. ففي عام 2023، نفّذت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني اتفاقا مشابها مع ألبانيا.

 لكن الفرق أن المهاجرين الذين كانوا يُنقلون هناك لم يكونوا قد تقدموا أصلا بطلبات لجوء. أما الاتحاد الأوروبي فيريد حصر هذا الإجراء بالمهاجرين الملزمين قانونيا بمغادرة أراضيه.

في عام 2025، كان هناك نحو 700 ألف شخص يقيمون في الاتحاد الأوروبي من دون تصريح قانوني. وطُلب من نحو 500 ألف منهم العودة إلى بلدانهم الأصلية. 

لكن فعليا لم يغادر سوى 135 ألف شخص فقط. أي أن نسبة من نفّذوا قرار المغادرة لم تتجاوز 27.5 بالمئة.

وفي خطوة أولى لصد توافد المهاجرين إلى دول أوروبا عبر الدول الحدودية للاتحاد، فقد دخل نظام اللجوء الأوروبي المشترك الجديد (CEAS) حيز التنفيذ في الاتحاد الأوروبي في 19 يونيو 2026، ويهدف إلى تعزيز إدارة الهجرة والحد من الدخول غير النظامي عبر إجراءات أكثر صرامة.

ينص النظام على تسريع إجراءات اللجوء وإجرائها بشكل أساسي عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ويخضع الأشخاص الذين تُعد فرص قبول طلباتهم منخفضة لإجراءات سريعة تستغرق حتى 12 أسبوعًا.

كما يعتمد الإصلاح على مرحلة فحص أولية لطالبي اللجوء، تشمل تحديد الهوية بشكل شامل عبر فحوصات صحية وأمنية، إضافة إلى جمع البيانات البيومترية. وتهدف هذه الخطوة إلى توجيه الأشخاص بسرعة إلى المسار الإجرائي المناسب وتحسين الرقابة على عمليات الدخول غير النظامية.

وفيما يتعلق بتوزيع المسؤوليات، تبقى الدولة التي يدخلها طالب اللجوء أولًا مسؤولة عن معالجة الطلبات بشكل عام، مع إدخال آلية تضامن إلزامية بين دول الاتحاد الأوروبي في معالجة طلبات اللجوء وتوزيع الأعباء.

وتتزايد حدة النقاش مع إدخال آليات جديدة مثل “مراكز العودة” خارج حدود الاتحاد، وتسريع إجراءات اللجوء عند الحدود، وتوسيع صلاحيات الاحتجاز والتفتيش.

وبين حسابات الردع والأمن من جهة، والحقوق الإنسانية والتكلفة السياسية من جهة أخرى، ينقسم الموقف الأوروبي نفسه، ما يعكس عمق الأزمة وتعقيداتها داخل الاتحاد.

ويندرج كثير من هذه الإجراءات ضمن "الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء" (GEAS) الذي يهدف إلى الحد من الهجرة وتنظيمها وتوحيد الإجراءات بين الدول الأعضاء.

ومن بين أدواته إنشاء قاعدة بيانات أوروبية موحدة للمهاجرين تتضمن بصمات الأصابع وصور الوجوه وبيانات تعريفية أخرى.

ويأمل الاتحاد من خلال ذلك في تسريع فحص طلبات الدخول واللجوء، ورفض غير المستوفين للشروط بشكل أسرع.

لكن منظمات حقوق الإنسان تنتقد هذا النظام، مقدرة أنه يأتي على حساب التقييم الفردي لكل طلب لجوء.

في المقابل فإن مثل هذه الاتفاقيات مع دول خارج الاتحاد الأوروبي ليست جديدة. ففي عام 2016، أبرم الاتحاد الأوروبي بقيادة المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل اتفاقًا مع تركيا للحد من تدفق اللاجئين السوريين. 

كما أُبرمت لاحقًا اتفاقيات مشابهة مع ليبيا ومصر وتونس والنيجر وموريتانيا، وهي دول لا تعد نماذج يُحتذى بها في مجال حقوق الإنسان.

"مستقبل مجهول"

وبينما يبدي المنتقدون مخاوف بشأن معاملة المهاجرين في هذه الدول، لا يرى السياسيون المحافظون أي مشكلة في ذلك.

ورغم أن أعداد المهاجرين الذين وصلوا إلى أوروبا خلال العامين الماضيين انخفضت إلى نحو النصف مقارنة بالفترة السابقة، فإن أعضاء البرلمان الأوروبي يريدون اعتماد مراكز العودة نهائيًا قبل شهر يوليو 2026.

وضمن هذا السياق، أكد المحامي السوري محمد النواف المقيم في ألمانيا أنه "داخل برلمان الاتحاد الأوروبي هناك من يدفع لإقرار قوانين صارمة لترحيل بعض اللاجئين إلى رواندا أو أوزبكستان أو دول لا تربطهم بها أي صلة ولم يسبق لهم أن عاشوا فيها".

وأضاف النواف أن "مثل تلك القوانين بالنسبة لليسار، يُعدّ خيانة للقيم الأوروبية، أما بالنسبة لليمين فهو تشدّد ضروري طال انتظاره عبر إنشاء مراكز ترحيل خارج حدود أوروبا، تُعرف باسم مراكز العودة".

وأردف "تستهدف هذه السياسة المهاجرين المقيمين داخل الاتحاد الأوروبي من دون تصريح إقامة، سواء لأن طلبات لجوئهم رُفضت أو لأن تأشيراتهم انتهت صلاحيتها".

ولهذا "يسعى الاتحاد الأوروبي إلى رفع نسبة ترحيل المخالفين قانونيا، ولذلك يبحث عن حلول جديدة عبر قانون جديد".

ونوَّه النواف إلى أن "فكرة مراكز العودة ليست جديدة، لكنها ظلت لفترة طويلة مثيرة للجدل. واليوم بات كثير من دول الاتحاد قادرا على التعايش معها، وإن لم يكن الجميع موافقين عليها. فإسبانيا مثلًا تتخذ موقفًا مختلفًا. ففي البيوت الزراعية المحمية جنوب البلاد يعمل آلاف الأشخاص من دون أوراق قانونية، وكثير منهم يأملون في تسوية أوضاعهم. وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قد وعد بذلك".

لكن "إسبانيا تبدو شبه وحيدة في أوروبا بهذا الموقف. ففي أماكن أخرى من الاتحاد، قد يواجه الأشخاص الذين لا يملكون حق الإقامة خطر الترحيل إلى دول غريبة عنهم تمامًا. وهذا نتيجة لقواعد الهجرة الجديدة التي اتفقت عليها المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي، وتأتي مراكز العودة في صدارة هذه القواعد".

واستدرك النواف "هناك دول أوروبية ترفض مثل هذا القانون وتشكك فيه لأن الظروف التي ستنتظر هؤلاء المهاجرين الذين سيجر ترحيلهم لا تزال غير واضحة، ومع ذلك، هناك خمس دول أوروبية ترغب في استخدام هذه المراكز خارج الاتحاد وهي ألمانيا، والدنمارك، وهولندا، والنمسا، واليونان. بل إنها تخطط لإنشاء مراكز من هذا النوع قبل نهاية العام الحالي".

واستدرك “ولهذا بدأت بالفعل في تحديد وجهات محتملة مثل السنغال وغانا وموريتانيا ورواندا وأوزبكستان، وربما دول أخرى كثيرة”.

وألمح النواف إلى أن هناك جملة من الأسئلة المفتوحة في هذا الملف “تتعلق بماذا ستحصل الدول الثالثة مقابل استقبال مهاجرين من الاتحاد الأوروبي؟ وهل ستقدم لها تسهيلات تجارية أوروبية؟ أم مساعدات مالية مباشرة؟”

ومضى يقول "من الواضح أن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة أصبحت أكثر اعتمادا على المقايضة والمصالح المتبادلة. لذلك ستطالب هذه الدول بمساهمات مالية أو امتيازات تجارية وغيرها".

وأردف "إنشاء مراكز لعودة المهاجرين ستحيط بها تعقيدات سياسية بسبب تباين المواقف داخل التكتل الأوروبي فضلا عن العقبات اللوجستية، ومثل هذا القوانين لن تحل المشكلة الأساسية المتمثلة في عدم تنفيذ قرارات المغادرة داخل أوروبا".

ولفت النواف إلى أن "بعض الدول، مثل الجزائر أو المغرب، ترفض إعادة استقبال مواطنيها، مما يعرقل عمليات الإعادة. ومن جهة أخرى، يستطيع المهاجرون الطعن قانونيا في قرارات الترحيل إذا كانوا يخشون التعرض للاضطهاد في بلدانهم الأصلية. وهذا يؤدي إلى تعليق كثير من ملفات الترحيل، كما أن عددا كبيرا من المقيمين بصورة غير قانونية يختفون عن الأنظار ويصعب العثور عليهم".

وأوضح "لذلك يرى البعض أن فكرة ترحيل المهاجرين إلى دول بعيدة وغريبة هي حل وُلد من رحم الضرورة. ومن المفترض أن يُمنح الأشخاص الملزمون بالمغادرة فرصة العودة طوعا إلى أوطانهم أولا. لكن معارضي مراكز العودة يرون أن القانون الجديد سيجعل الترحيل القسري، بمساعدة الشرطة، أكثر احتمالًا بكثير".

وختم بالقول إذن هناك نهجان "الأول هو تشديد الرقابة وإغلاق الأبواب، أما الثاني ــ الذي يدعو إليه خبراء كثيرون منذ سنوات ــ فيتمثل في معالجة الأسباب الجذرية للهجرة. أي تحسين الظروف المعيشية في البلدان الأصلية حتى لا يضطر الناس أصلا إلى المخاطرة بالهجرة نحو أوروبا".