اختبار صعب.. هل تتحول اتفاقيات أبراهام إلى بوابة لإنهاء حرب السودان؟

"لا تلوح في الأفق مؤشرات جدية لوقف إطلاق النار"
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب المدمرة في السودان، تتزايد التساؤلات بشأن قدرة الأطراف الإقليمية والدول المنخرطة في مسار التطبيع مع الخرطوم على لعب دور مؤثر في إنهاء الصراع ووقف واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وأشارت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية إلى أن “الحرب المدمرة في السودان تختبر قدرة اتفاقيات أبراهام على التحول إلى قوة فاعلة للسلام تتجاوز مجرد التطبيع”.
جاء ذلك في مقال للكاتب نيفيل تيلر، أوضح فيه أن "توقيع السودان على اتفاقيات أبراهام عام 2021 قُدِّم حينها بصفته خطوة تأسيسية نحو هندسة شرق أوسطية جديدة، تقوم على وعود بالسلام والتعاون والاستقرار".
واستدرك: "غير أن هذه الرؤية تواجه اليوم اختبارا صعبا في ظل الحرب الدائرة في السودان؛ حيث يقود رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان الذي اتخذ قرار الانضمام للاتفاق، دولة تمزقها الحرب".

جذور الأزمة
في تجاهل للإبادة الإسرائيلية في فلسطين، رأى الكاتب أن "الصراع السوداني يُعد من أكثر النزاعات دموية وتدميرا على مستوى العالم، وقد تسبب في أسوأ أزمة نزوح إنساني معروفة حاليا، من دون أفق واضح لإنهائه، بل مع تدهور مستمر في الأوضاع".
وأضاف أن "انخراط إسرائيل والدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام في مسار التطبيع مع البرهان يفرض، على الأقل، التزاما أخلاقيا تجاه معاناة السودان، بصفتها شأنا يرتبط بأحد أطراف الاتفاق، بما قد يفتح المجال لتحرك مشترك يسهم في تغيير مسار الأزمة".
وأشار تيلر إلى أن الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات ألحقت بالسودانيين معاناة هائلة، وقد وصفتها الأمم المتحدة بأنها "أسوأ أزمة إنسانية في العالم"، مع تقديرات بسقوط عشرات الآلاف من القتلى، وربما أكثر من 100 ألف، ما يضعها ضمن أكثر النزاعات دموية في العصر الحديث.
كما انهارت البنية التحتية الأساسية في البلاد، بما يشمل المياه والكهرباء والمواصلات والرعاية الصحية، بشكل شبه كامل.
ويقدر عدد النازحين داخليا بأكثر من 11 مليون شخص، فيما فرّ نحو 4 ملايين إلى دول مجاورة، من بينها جنوب السودان التي تعاني بدورها من نقص حاد في الغذاء والمياه داخل مخيمات اللاجئين.
وتفشّت في مناطق النزوح أمراض الملاريا والتهابات الجهاز التنفسي وأمراض الإسهال، في ظل أوضاع صحية وخدمية متدهورة للغاية.
ولاحظ الكاتب أن جذور هذا الوضع المأساوي تعود إلى الثورة الشعبية السودانية في أبريل/نيسان 2019 التي وُصفت حينها بأنها "لحظة الربيع العربي" في السودان، وأسفرت عن إسقاط نظام عمر البشير الذي حكم البلاد لمدة ثلاثين عاما.
وفي المرحلة الانتقالية التي أعقبت الثورة، تولى البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية، رئاسة مجلس السيادة، في حين تعهدت السلطات الانتقالية بإجراء إصلاحات سياسية والانتقال نحو الديمقراطية، بما في ذلك تنظيم انتخابات برلمانية عام 2023.
غير أن السنوات التالية لم تشهد تقدما ملموسا في هذا المسار، مع استمرار الأزمة الاقتصادية وتفاقمها.
معاناة هائلة
وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول 2021، اندلعت احتجاجات واسعة في الخرطوم تطالب بالحكم المدني، قبل أن ينفذ البرهان ونائبه آنذاك محمد حمدان دقلو (حميدتي) انقلابا عسكريا استوليا بموجبه على السلطة.
لكن التحالف بين الرجلين سرعان ما انهار؛ إذ تصاعد التوتر بين الجيش ومليشيا الدعم السريع بقيادة حميدتي، والتي كانت تتمتع بقدرات عسكرية كبيرة، ما دفع البرهان إلى طرح خطط لدمجها ضمن القوات المسلحة، وهو ما عمّق الخلاف وحوّل الشراكة السابقة إلى صراع مفتوح.
وفي 15 أبريل 2023، اندلعت المواجهات المسلحة بين الطرفين؛ حيث شنت مليشيا الدعم السريع هجمات منسقة على مواقع الجيش في الخرطوم وسيطرت في بداية الصراع على مطارات رئيسة.
وبحلول مطلع عام 2025، تمكنت القوات المسلحة من استعادة السيطرة على الخرطوم ومعظم أم درمان، ما عزز نفوذ البرهان على الجزء الأكبر من البلاد، بما في ذلك العاصمة.
وفي فبراير/شباط 2025، أعلن مجلس السيادة الانتقالي تشكيل حكومة انتقالية جديدة، قبل أن يُعيَّن كامل إدريس رئيسا للوزراء في مايو/أيار من العام نفسه؛ حيث حظيت هذه الحكومة باعتراف الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومصر وعدد من الدول بصفتها السلطة الشرعية في السودان.
في المقابل، أعلن حميدتي في أبريل 2026 -الذي لا يزال يسيطر على أجزاء واسعة من غرب البلاد وجنوبها الغربي- تشكيل "حكومة السلام والوحدة" لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرته، رغم افتقارها إلى الاعتراف الدولي.
وفي ظل هذا الانقسام، تستمر الحرب في إلحاق معاناة إنسانية هائلة.
وأشارت تقديرات وكالات الإغاثة الدولية في منتصف أبريل 2026 إلى أن نحو 34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، من بينهم نحو 26 مليونا يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، وأكثر من 20 مليونا بحاجة إلى رعاية صحية، إضافة إلى نحو 14 مليونا من النازحين.
وكشف تقرير صادر عن منظمة "أطباء بلا حدود" في مارس/آذار 2026 أن العنف الجنسي بات "جزءا من الحياة اليومية" في مناطق واسعة من السودان.
ووثّق باحثون أكثر من 3396 حالة اعتداء جنسي خلال عامي 2024 و2025، استهدفت نساء وفتيات على أيدي مسلحين، فيما سجلت منطقة جنوب دارفور وحدها تعرض 41 طفلا دون سن الخامسة للاعتداء.
تنسيق التحركات
ونقل تيلر عن تقرير لمنظمة "ميرسي كور" صدر في 4 مايو 2026 أن التوترات المرتبطة بمضيق هرمز تنعكس على الوضع السوداني، في وقت يمر فيه البلد بمواسم زراعية حاسمة ستحدد إنتاج محاصيل نهاية عام 2026 وبداية 2027.
وحذر التقرير من أن أي اضطرار للمزارعين إلى تقليص استخدام الأسمدة أو تغيير المحاصيل أو خفض المساحات المزروعة سيؤدي إلى خسائر لا يمكن تعويضها لاحقا، بما يفاقم أزمة الأمن الغذائي.
وذكر تيلر أنه بعد أكثر من ألف يوم من الحرب، يواصل الطرفان التمسك بمواقعهما؛ حيث تبدو القوات المسلحة السودانية في موقع متقدم بوسط البلاد، بينما تحتفظ الدعم السريع بمعاقلها في الغرب.
ولا تلوح في الأفق مؤشرات جدية لوقف إطلاق النار، في ظل صراع يبدو كمعركة بقاء بين أطراف مسلحة غير مكترثة بتداعياته الإنسانية على السكان الذين يدّعي كل طرف تمثيلهم.
وأشار الكاتب إلى أن جهود الوساطة الدولية لم تحقق تقدما ملموسا؛ إذ لم يسفر "مسار جدة" الذي تقوده الولايات المتحدة والسعودية عن أكثر من اتفاقات هشة سرعان ما انهارت، كما فشل "الرباعي" (مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة) في فرض هدنة مستدامة.
وتساءل تيلر عما إذا كانت دول اتفاقيات التطبيع قادرة، في إطار تنسيق مشترك، على لعب دور أكثر فاعلية في احتواء الأزمة. مشيرا إلى أن “إسرائيل تحتفظ بقنوات تواصل مع طرفي النزاع، بينما تمتلك الإمارات اتصالات مباشرة مع الدعم السريع”.
وخلص إلى أن "تحركا منسقا بين إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب قد يشكل عاملا مؤثرا في دفع الطرفين نحو خفض التصعيد، خاصة إذا اقترن بحوافز سياسية واقتصادية مرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب في السودان".
وقال تيلر: إن "اتفاقيات التطبيع لا ينبغي أن تظل مجرد أطر رمزية، بل يمكن أن تتحول"، وفق زعمه، إلى "أدوات ضغط وتنسيق إقليمي من أجل تعزيز الاستقرار والسلام".

















