"إقصاء دحلان".. هل فشل مؤتمر فتح في إنتاج قيادة لما بعد أوسلو؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

رغم الصراعات الداخلية التي رافقت التحضير له، وانسحاب كوادر بارزة أثار شكوكا حول إمكانية عقده من الأساس، نجح المؤتمر الثامن لحركة "فتح" الفلسطينية في الانعقاد.

وأكد "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي أن "مخرجات المؤتمر كشفت أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، عزز قبضته على الحركة، من دون أن يحقق التجديد الذي طالب به كثيرون".

جاء ذلك في تحليل للباحث يوحنان تسوريف، المستشار السابق للشؤون العربية في الإدارة المدنية الإسرائيلية بقطاع غزة خلال الانتفاضة الأولى، والذي عمل مترجما شخصيا لرئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين في لقاءاته مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات.

مخرجات المؤتمر

وقال تسوريف: إن “التوقعات الكبيرة التي سبقت المؤتمر، والمتمثلة في إحداث تجديد أيديولوجي، وتعزيز الوحدة الداخلية، وإعادة النظر في السياسة تجاه الصراع مع إسرائيل، لا سيما بعد حرب غزة، لم تتحقق على أرض الواقع”.

وانعقد المؤتمر خلال الفترة من 14 إلى 16 مايو/أيار 2025، وسط آمال واسعة بأن يشكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من المراجعة التنظيمية والتجديد وتعزيز الوحدة الوطنية.

وقد عبّر عن هذه التطلعات محللون وناشطون مخضرمون في فتح، رأوا، رغم انتقاداتهم للحركة وخيبة أملهم من أدائها، أنها لا تزال الإطار الوطني الأكثر ملاءمة لقيادة هذه التحولات.

وتركزت مطالب هؤلاء على ثلاثة محاور رئيسة: أولها، صياغة برنامج سياسي جديد يختلف عن النهج الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية خلال العقود الثلاثة التي أعقبت اتفاق أوسلو، من خلال مراجعة دور السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية.

وثانيها، إحياء منظمة التحرير بوصفها إطارا تحرريا جامعا يضم مختلف الفصائل الفلسطينية. 

أما المحور الثالث، فتمثل في إرساء فصل واضح بين المنظمة والسلطة من جهة وبين هاتين الهيئتين وحركة فتح من جهة ثانية.

وأوضح تسوريف أن المؤتمر لم يحقق الاختراق المنشود، وانشغل بإجراء تغييرات على مستوى القيادات، عبر ملء الهيئتين الرئيستين في الحركة، اللجنة المركزية والمجلس الثوري، بشخصيات موالية لعباس.

وعُقد المؤتمر في أربعة مواقع هي رام الله وغزة وبيروت والقاهرة، التي نزح إليها عدد كبير من أبناء قطاع غزة بسبب الحرب.

وجاء انعقاده ضمن مسار إصلاحي مؤسسي اعتمده عباس والمقربون منه؛ استجابة لتوقعات الرعاة الأوروبيين، بعدما سبقه تنظيم انتخابات بلدية، وتحديد مواعيد للانتخابات التشريعية والمجلس الوطني الفلسطيني، إلى جانب وضع آلية لخلافة عباس في حال تعذر استمراره في منصبه.

وشارك في التصويت أكثر من 2500 عضو، مقارنة بنحو 1500 في مؤتمر عام 2016، رغم أن انسحاب شخصيات بارزة، مثل ناصر القدوة ومحمد غنيم وعوني المشني، أثار شكوكا واسعة حول إمكانية انعقاد المؤتمر.

موجة انتقادات

ورأى المعهد أن انعقاد المؤتمر في ظل الحرب يعكس احتفاظ حركة فتح بمكانتها، رغم ما تعانيه من ضعف، وما يثيره ذلك من مخاوف لدى كثيرين من تراجع دورها.

وأشار إلى أن نتائج التصويت عززت نفوذ عباس ومحيطه، بعدما أُعيد انتخابه رئيسا للحركة بالإجماع دون منافسة، في حين ضمت اللجنة المركزية الجديدة أغلبية من المقربين منه.

ولفت تسوريف إلى أن نتائج الانتخابات أفرزت ثلاث مجموعات رئيسة.

تضم المجموعة الأولى الموالين لعباس وأبناء المؤسسة الأمنية والإدارية، ومن أبرزهم ماجد فرج، رئيس جهاز الاستخبارات العامة، ونجله ياسر، وحسين الشيخ الذي انتُخب نائبا لعباس بعد تراجع نفوذه، إلى جانب محمود العالول، الذي تراجعت مكانته داخل الحركة، وأحمد حلس ممثل قطاع غزة.

وأثار انتخاب ياسر عباس، نجل الرئيس، موجة من الانتقادات، في ظل مخاوف من ترسيخ المحسوبية وتوريث النفوذ داخل المؤسسة الفلسطينية.

أما المجموعة الثانية، فتضم "رموز الكفاح"، من الأسرى السابقين والشخصيات المرتبطة بالانتفاضات والعمل المسلح، ومن بينهم زكريا الزبيدي من جنين وتيسير البرديني من غزة، اللذان أُفرج عنهما ضمن صفقات لتبادل الأسرى.

ورأى الباحث أن انتخابهما يعكس محاولة لتعويض تراجع مكانة الأسرى داخل الحركة، بعد تقليص الدعم المالي المخصص لهم تحت وطأة الضغوط والعقوبات الإسرائيلية.

أما المجموعة الثالثة، فتضم النساء؛ إذ ارتفع تمثيلهن في الهيئات القيادية للحركة مقارنة بالمؤتمرات السابقة. 

ومن أبرزهن دلال سلامة من نابلس، وليلى غنام من محافظة رام الله والمقربة من عباس.

هذا فضلا عن عضوات المجلس الثوري فدوى البرغوثي زوجة مروان البرغوثي الأسير الذي جاء في مقدمة المجلس، ودلال عريقات ابنة المفاوض الراحل صائب عريقات، وحنان الوزير ابنة أبو جهاد أحد مؤسسي الحركة.

وجاءت الثلاث سيدات ضمن المراتب الست الأولى في مجلس ثوري يضم ثمانين عضوا. 

وأشار الباحث إلى أن مؤهلاتهن الشخصية لا تنفي أن الانتماء العائلي أسهم في وصولهن إلى هذه المراتب.

غياب دحلان

وشابت الانتخابات اتهامات بالتزوير وغياب الشفافية، إلى جانب اتهامات بوجود مساع منظمة لضمان وصول شخصيات موالية لعباس عبر قوائم معدة مسبقا.

وبرزت قضية قدورة فارس، أحد أبرز قيادات فتح، الذي أكد أنه لم يُدرج ضمن أعضاء اللجنة المركزية رغم حصوله على عدد من الأصوات يفوق ما حصل عليه محمد اشتية الذي أُعلن فوزه بعضوية اللجنة. 

وانتقد فارس بشدة آلية التصويت وفرز الأصوات.

كما أثار إخفاق حسام زملط، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لندن، في الفوز بعضوية اللجنة المركزية، تساؤلات واسعة، دفع بعضها عددا من المستائين إلى إعلان مغادرة الحركة.

وفي المقابل، لا يزال غياب تيار محمد دحلان يلقي بظلاله على تماسك حركة فتح؛ إذ يرفض دحلان وأنصاره شروط عباس للعودة، مقدرين أنها تمثل محاولة لإذلالهم. ورأى تسوريف أن هذا الأمر يفسر جزئيا شعور أبناء قطاع غزة بالتهميش إزاء نتائج الانتخابات.

وأشار الباحث إلى أن عباس لم يلمح في خطابه الافتتاحي إلى أي تغيير في مواقفه السياسية، بل وجّه خطابه أساسا إلى المجتمع الدولي، مستخدما مفردات من قبيل "الشرعية الدولية" و"سلاح واحد" و"سلطة واحدة" و"دولتان" و"انتخابات".

وأضاف أن عباس وصف، على نحو ساخر، هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأنه عمل "مجيد"، مقدرا أن الأعمال تُقاس بنتائجها؛ حيث قال: "ذُبحنا وهُجّرنا ودُمرت بلادنا بسبب هذا العمل".

ولفت تسوريف إلى أن عباس تجنب، رغم انتقاداته المتكررة لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، توجيه إدانة مباشرة لها في هذا المحفل، مقدرا أن هذا التوازن الهش يعكس التوترات الأيديولوجية والانقسامات الداخلية التي سبقت انعقاد المؤتمر.

التمسك بأوسلو

وجاء الخطاب مختلفا في نبرته عن مؤتمرات سابقة اتسمت بطابع أكثر ثورية؛ حيث كان التخلي عن الكفاح المسلح يُطرح باعتباره تدبيرا مرحليا لا تحولا في عقيدة الحركة.

وفي سياق اتسم بالسخرية المعهودة، قال عباس: إن الفلسطينيين "يريدون اتفاقيات أوسلو الخائنة"، بما يعكس، وفق التحليل، إدراكه للدور الذي لعبته أوسلو في ترسيخ القضية الفلسطينية في الوعي الدولي.

وفي الاتجاه نفسه، قال جبريل الرجوب، أمين سر اللجنة المركزية الذي كانت له خلافات مع عباس: إن مسار أوسلو ينبغي أن يستمر، مستندا إلى أن فلسطين باتت راسخة في الوعي الدولي كقضية ودولة يحظى تمثيلها بدعم واسع.

وأضاف الرجوب أن حركة حماس يجب أن تنضوي تحت مظلة منظمة التحرير، وأن تعلن قبول مبادئها، مع ضرورة إجراء مراجعة نقدية لمخرجات الحرب.

وخلص تسوريف إلى أن رسائل خطابي عباس والرجوب تعكس رؤية قيادة فتح لعملية السابع من أكتوبر بصفتها فشلا لمقاربة حماس، وفرصة محتملة لإعادة توحيد الصف الفلسطيني تحت مظلة منظمة التحرير.

وتساءل الباحث عما إذا كانت فتح قادرة، بعد الحرب، على إقناع الرأي العام الفلسطيني بجدوى مسارها، أم أن المؤتمر كان، كما وصفت المعلقة الفلسطينية لميس أندوني المقيمة في الأردن، ضربا من ضروب جنازة الحركة.

وأشار إلى أن قيادة فتح تبدو غير مكترثة بهذه الانتقادات، وأن أولويتها تتركز على الحفاظ على الوضع القائم، مع إرجاء الملفات الكبرى إلى مرحلة ما بعد عباس وما بعد الحرب؛ حيث يُتوقع أن يمتد الصراع إلى بنية النظام السياسي الفلسطيني، ومصادر الشرعية، ومستقبل الحكم في قطاع غزة.

واختتم تسوريف بالقول: إن هذه التطورات تستدعي، من وجهة نظره، إعادة نظر في المقاربة الإسرائيلية للساحة الفلسطينية، عبر التمييز بين مراكز النفوذ المختلفة بدلا من التعامل معها ككتلة واحدة، مع إعطاء الأولوية للأطراف التي تلتزم بخيار "التعايش" على حساب الرافضين له.