القمر الصناعي المصري السعودي.. لماذا يثير مخاوف إسرائيل الأمنية في شرق المتوسط؟

داود علي | منذ ٩ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في ظل تصاعد التوتر غير المسبوق بين إسرائيل وكل من مصر والسعودية على خلفية الأزمات المتفاقمة في المنطقة، بدءاً من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتداعيات الحرب الإيرانية، برز مشروع فضائي مشترك بين الرياض والقاهرة ليضيف بعداً جديداً إلى معادلات الأمن الإقليمي.

وكان مجلس الوزراء السعودي قد وافق على مبادرة لتصميم وبناء أول قمر صناعي سعودي للاستشعار عن بُعد بالتعاون مع مصر، وهو مشروع قدمته الرياض والقاهرة بوصفه جزءاً من التعاون العلمي والتقني، ودعماً لأهداف "رؤية السعودية 2030".

غير أن المشروع قوبل بقراءة مختلفة داخل إسرائيل، إذ رأت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، في تقرير نشرته بتاريخ 25 يونيو/حزيران 2026، أن القمر الصناعي لا يقتصر على الاستخدامات المدنية المعلنة، بل يمثل تطوراً قد يمنح مصر والسعودية قدرة أكبر على مراقبة شرق المتوسط والبحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء، بما ينعكس مباشرة على البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل.

بداية القلق الإسرائيلي

وبحسب البيان الحكومي السعودي، فإن المشروع يأتي ضمن جهود تطوير قطاع الفضاء الوطني بالتعاون مع القاهرة، بهدف إنشاء قمر صناعي للاستشعار عن بُعد يخدم تطبيقات مدنية وتنموية، تشمل مراقبة الموارد الطبيعية، وإدارة الكوارث، والتخطيط العمراني، ودعم قطاعات الزراعة والبيئة.

لكن صحيفة "يديعوت أحرونوت" ترى أن القراءة الإسرائيلية تختلف جذرياً عن الرواية الرسمية، مشيرة إلى أن أي قمر صناعي حديث للاستشعار عن بعد يمتلك بطبيعته استخدامات مزدوجة تجمع بين المدني والعسكري، وأن امتلاك صور فضائية عالية الدقة يتيح مراقبة التحركات العسكرية، ورصد البنية التحتية، ومتابعة الأنشطة الحدودية بشكل مستقل، وهي قدرات ترتبط مباشرة بالعمل الاستخباراتي.

واستند التقرير إلى التجربة المصرية السابقة، مشيراً إلى أن قمري "إيجيبت سات-1" و"إيجيبت سات-2"، اللذين أطلقا عامي 2007 و2014 بمساعدة أوكرانية ثم روسية، جرى تقديمهما كمشاريع مدنية لرسم الخرائط والاستشعار عن بعد.

إلا أن الباحث الإسرائيلي الذي استندت إليه الصحيفة يرى أن المؤسسة العسكرية المصرية كانت المستفيد الأكبر من البيانات الفضائية، وأن التمويل العسكري للمشروعات منحها منذ البداية بعداً استخباراتياً، حتى وإن حملت عناوين علمية وتنموية.

لماذا تنزعج تل أبيب؟

وتضيف الصحيفة أن المشروع الجديد لا يمثل مجرد امتداد تقني، بل نقلة نوعية في القدرات المصرية بفضل التكنولوجيا الحديثة والدعم السعودي، ما قد يمنح القاهرة قدرة أكبر على مراقبة سيناء والحدود الشرقية والبحر الأحمر، وهي مناطق ذات أهمية إستراتيجية مباشرة لإسرائيل، سواء في إطار معاهدة السلام لعام 1979 أو التطورات الأمنية اللاحقة.

ويكتسب هذا التقدير أهمية إضافية في ظل تطور البنية التحتية الفضائية المصرية، إذ افتتحت القاهرة في ديسمبر/كانون الأول 2023 مجمع تجميع واختبار الأقمار الصناعية التابع لوكالة الفضاء المصرية، بدعم وتمويل صيني، ليصبح أول مركز من نوعه في إفريقيا.

وترى إسرائيل أن امتلاك مصر منشآت تصنيع واختبار محلية يعزز استقلالها التكنولوجي تدريجياً ويقلل اعتمادها على الخارج في تطوير برامج الاستطلاع الفضائي.

كما يربط التقرير المشروع المشترك بالواقع الأمني في سيناء؛ حيث تصاعدت الخلافات بين القاهرة وتل أبيب منذ اندلاع الحرب على غزة بشأن إدارة الحدود ومعبر رفح ومحور فيلادلفيا، وهي ملفات انعكست على مستوى الخطاب السياسي بين الجانبين.

وفي هذا السياق، ترى "يديعوت أحرونوت" أن امتلاك مصر قدرات استطلاع فضائي متقدمة يمنحها أدوات مستقلة لمتابعة التحركات العسكرية في سيناء والبحر الأحمر دون الاعتماد على مصادر خارجية.

الدور السعودي

تتوقف الصحيفة عند الدور السعودي في المشروع، مقدرة أن دخول الرياض كشريك في التمويل يضيف بعداً سياسياً يتجاوز الإطار الاقتصادي والتقني، خصوصاً أن السعودية ليست طرفاً في معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، وبالتالي لا تخضع للقيود الأمنية المرتبطة بالترتيبات الإقليمية في سيناء.

ومن هذا المنطلق، فإن تمويل مشروع يمنح مصر قدرات استطلاع متقدمة يخلق واقعاً أمنياً جديداً خارج الأطر التقليدية للاتفاقيات الثنائية، ما يستدعي اهتماماً أميركياً وإسرائيلياً متزايداً بتداعيات التعاون الفضائي بين القاهرة والرياض.

وبذلك، فإن القلق الإسرائيلي لا يرتبط بالقمر الصناعي كمنصة تقنية فحسب، بل بما يحمله من دلالات سياسية وأمنية أوسع، تعكس تحولاً تدريجياً في ميزان القدرات الإقليمية.

محور خطير يتشكل

وفي سياق متصل، نشر موقع "MENA Unleashed" في 16 يونيو 2026 تحليلاً أشار فيه إلى أن السعودية لا تسعى للانضمام إلى نظام إقليمي يتمحور حول إسرائيل، بل تعمل على بناء نظام بديل يتمحور حولها ويعمل بمعزل عن تل أبيب.

وأشار التحليل إلى أن التحول السعودي في علاقته مع إسرائيل لم يعد خطابياً، بل بات مادياً وبنيوياً، مستشهداً بمشروعات البنية التحتية الإقليمية.

ففي أواخر مارس/آذار 2026، افتتحت السكك الحديدية السعودية ممراً للشحن بطول يزيد على 1700 كيلومتر، يربط موانئ الدمام والجبيل بمنفذ الحديثة على الحدود الأردنية، حيث تستطيع القطارات نقل أكثر من 400 حاوية، مع تقليص زمن النقل إلى النصف مقارنة بالشاحنات.

وفي 9 يونيو/حزيران 2026، وسعت الرياض مذكرتي تفاهم مع أنقرة لوضع الخطوط العريضة لممر بري يمتد من السعودية عبر الأردن وسوريا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا.

ويرى التحليل أن هذا المشروع يمثل إحياءً جزئياً لخط سكة حديد الحجاز العثماني، الذي افتتح عام 1908، وكان يمتد من إسطنبول إلى المدينة المنورة مروراً بدمشق وعمان، قبل أن يتوقف بعد الحرب العالمية الأولى.

ويرى التقرير أن هذا الممر، الممتد من العقبة إلى الأناضول، يؤدي وظيفتين رئيسيتين: تجاوز مضيق هرمز، وتجاوز إسرائيل أيضاً.

تكتل ثقيل

ويشير التحليل إلى أن المسار الجديد صُمم بطريقة تقلص من دور إسرائيل في حركة التجارة الإقليمية، وقد طُرح باعتباره رداً استراتيجياً على مشروع ممر "الهند – الشرق الأوسط – أوروبا" (IMEC) الذي أُعلن عنه عام 2023.

كما يقارن التحليل بين تركيا التي انتهجت سياسة مقاطعة معلنة لإسرائيل منذ 2024، والسعودية التي تتبع مساراً أكثر هدوءاً واستمرارية، يقوم على إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية بدلاً من المواجهة المباشرة.

وفي هذا الإطار، لا تعمل أي من الدولتين بشكل منفرد، بل ضمن إعادة اصطفاف إقليمي أوسع يرفض الخضوع لشروط إسرائيل أو السماح لها بفرض معادلاتها.

وامتد هذا التوجه ليشمل مصر وباكستان إلى جانب أنقرة والرياض، حيث عقدت اجتماعات متكررة لوزراء خارجية هذه الدول في الرياض خلال مارس 2026، ثم في إسلام آباد لاحقاً في الشهر ذاته، ثم في أنطاليا خلال أبريل/نيسان من العام نفسه.

ويرى التحليل أن هذا التكتل يضم نحو 500 مليون نسمة، ويجمع بين عناصر قوة استراتيجية متكاملة: الصناعة والموانئ التركية، ورأس المال والنفط السعودي، وسيطرة مصر على قناة السويس، والعمق الاستراتيجي الباكستاني الذي لعب دوراً في وساطات إقليمية بينها التفاهمات بين واشنطن وطهران.