انقسامات عميقة.. كيف ينظر الخليج إلى محور الإمارات–إسرائيل؟

"أبوظبي تؤدي دورا مزعزعا للاستقرار"
الهجمات الإيرانية على الإمارات، واحتمال تعميق علاقاتها مع إسرائيل، وضعا أبوظبي أمام معادلة توازن معقدة، في ظل نظام خليجي آخذ في التحول.
وأوضحت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية أن الأدوار التي اضطلعت بها باكستان والسعودية وقطر وتركيا في تيسير “مذكرة تفاهم إسلام آباد” التي انتهت بموجبها الحرب، تعكس حجم الاستثمار الإقليمي في إيجاد مخارج دبلوماسية لواشنطن وطهران، بما يتيح توجيه مسار الصراع بعيدا عن مزيد من التصعيد.
وعلى مستوى مجلس التعاون الخليجي، أثار هذا المسار الدبلوماسي ارتياحا واسعا مع اتجاه النزاع نحو خفض التصعيد، في وقت تستعد فيه واشنطن وطهران لمحادثات بشأن ملفات نووية وأخرى غير نووية حساسة. غير أن موقع الإمارات داخل هذه الصورة الأوسع لا يزال غير واضح.

توازن صعب
وأشارت المجلة إلى أن أبوظبي لن تعترض علنا على قرار إدارة دونالد ترامب التوقيع على "مذكرة تفاهم إسلام آباد"، لكنها لا تخفي استياءها من الدور الباكستاني في التوسط بين واشنطن وطهران.
وبحسبها، تعتقد الإمارات أن العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية كان ينبغي أن تستمر لفترة أطول لإضعاف إيران قبل أن يسري أي وقف لإطلاق النار.
وبصرف النظر عما يحققه هذا التوقف في نهاية المطاف، ستخرج القيادة الإماراتية أكثر ارتيابا من نوايا طهران وأشد تصميما على تعميق التعاون مع إسرائيل في مواجهة إيران، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام مسار دبلوماسي مستقبلي مع طهران، وفق تقييم المجلة.
وما يرسّخ هذا الإدراك هو أن إيران استهدفت الإمارات خلال الحرب بأكثر من 3 آلاف مسيّرة وصاروخ، وهو عدد يفوق مجموع ما تعرضت له دول مجلس التعاون الخمس الأخرى مجتمعة.
كما أن نشر إسرائيل منظومة "القبة الحديدية" وعناصر عسكرية في الإمارات أثناء الحرب ترك انطباعا عميقا لدى المسؤولين الإماراتيين.
وقال السفير الأميركي السابق في تونس، غوردون غراي، لـ"ريسبونسبل ستيتكرافت": إن الهجمات الإيرانية على الإمارات عززت العلاقة الإماراتية-الإسرائيلية.
وأشار إلى أن الإمارات تلقت عددا غير متناسب من الهجمات وأبدت تقديرا للدعم الإسرائيلي "الذي من غير المرجح أن تنساه حتى بعد سريان وقف إطلاق النار".
غير أن تعميق شراكة أبوظبي مع إسرائيل ينطوي على خطر تأجيج التوترات مع أعضاء آخرين في مجلس التعاون ينظرون إلى إسرائيل بوصفها تهديدا متصاعدا.
فقد رسّخ قصف إسرائيل للدوحة في سبتمبر/أيلول 2025 قناعة لدى السعودية بأن استعداد إسرائيل لمدّ قوتها خارج حدودها يمثل تهديدا للمملكة ولممالك الخليج الأخرى التي رفضت الانضمام إلى معسكر التطبيع.
وفي ضوء ذلك، رأت المجلة أن تقارب الإمارات المتنامي مع إسرائيل قد يتحول إلى مصدر احتكاك رئيسي مع السعودية.
لا سيما حين يُقرأ إلى جانب خروج أبوظبي من منظمة "أوبك" و"أوبك+" في وقت سابق من عام 2026، ودعمها للتقدم الميداني قصير الأمد الذي حققه المجلس الانتقالي الجنوبي في جنوب اليمن وشرقه، ومساندتها لأرض الصومال ولمليشيا الدعم السريع في السودان.
ويرى مسؤولون في الرياض أن هذه الجوانب من السياسة الخارجية الإماراتية تضر بالمصالح السعودية.
"حرب بين الحروب"
وأوضحت المجلة أنه في هذه المرحلة، فيما تسعى السعودية وقطر إلى إبرام اتفاقيات عدم اعتداء مع طهران، وتكاد علاقات عُمان مع إيران أن تكون خرجت من الحرب سالمة، فمن المرجح أن تعود إسرائيل وإيران إلى نمط "الحرب بين الحروب".
ويشمل ذلك، كما في العقد الثاني من الألفية ومطلع العقد الثالث، نشاط الوكلاء والعمليات الاستخباراتية والاغتيالات المستهدفة والحرب السيبرانية وأشكالا أخرى من المواجهة غير المباشرة.
وبينما ستبذل الإمارات جهودا كبيرة لتجنب الظهور بمظهر المنحاز علنا لإسرائيل في هذا الصراع الخفي، فإن احتمال تقديمها دعما سريا لإسرائيل لا يمكن استبعاده.
وقال أستاذ الأمن الدولي في كلية كينغز لندن، روب غايست بينفولد، إنه في حال أفضت "مذكرة التفاهم" إلى صفقة شاملة ودائمة بين واشنطن وطهران "فمن المرجح أن نشهد استئنافا لحرب الظل الإسرائيلية-الإيرانية، مع مساعدة إماراتية سرية لإسرائيل عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية أو المراقبة المشتركة".
وأضاف بينفولد لمجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" أن ذلك "قد يُعقّد العلاقات الإماراتية-الخليجية إن استمرت بقية دول الخليج في النظر إلى إسرائيل بوصفها تهديدا متصاعدا".
ورغم أن خروج أبوظبي من "أوبك" وتعاونها المتنامي مع إسرائيل جعلاها تبدو "طرفا شاذا" داخل مجلس التعاون، رأت المجلة أن القيادة الإماراتية ستواصل التنسيق مع نظيراتها الخليجية كلما خدم ذلك مصالحها الوطنية.
ومن الناحية العملية، يُتوقع أن تعمّق الإمارات تعاونها مع إسرائيل، لا سيما في مواجهة إيران التي خرجت من الحرب أكثر جرأة وتطرفا، مع إدارة حذرة لمظهر هذه العلاقة تجنبا أن تبدو مفرطة الانحياز لإسرائيل في عيون الشركاء الخليجيين والرأي العام العربي.
وقالت المحللة الجيوسياسية المقيمة في بلغراد، يلينا نوفاكوف: إن أبوظبي تواجه "معادلة توازن صعبة"، مرجحة أن تواصل الإمارات التعاون مع إسرائيل في مجالات الدفاع وتبادل الاستخبارات والتكنولوجيا والتجارة، مع وعي حاد بالتكلفة السياسية المترتبة على ظهور العلاقة بشكل مكشوف أكثر من اللازم.
ورغم أنها لا تتوقع أن تتراجع الإمارات عن اتفاقيات التطبيع رأت نوفاكوف أن أبوظبي ستولي "تركيزا أكبر على الدبلوماسية وخفض التصعيد والقضايا الإنسانية ودعم الاستقرار الإقليمي"، ما يتيح لها "الحفاظ على علاقاتها الإستراتيجية مع إسرائيل مع صون مصداقيتها لدى الشركاء العرب".
وأضافت أن الإمارات ستواصل التنسيق مع السعودية ودول الخليج على جبهات متعددة، بما يعكس المصلحة المشتركة لدول مجلس التعاون الست في منع تجدد التصعيد وتفادي صراع إقليمي أوسع قد يهدد النمو الاقتصادي والبنية التحتية للطاقة وتدفقات الاستثمار عبر الخليج.
ولفتت المجلة إلى أن ملفات أخرى تتجاوز إيران، ولا سيما النشاط الإماراتي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، قد تزيد من توتر العلاقات بين أبوظبي وبعض شركائها الخليجيين.
فمنذ أن أصبحت إسرائيل، في عملية توسطت فيها الإمارات، أول دولة تعترف رسميا باستقلال أرض الصومال أواخر عام 2025، ترسّخت قناعة في السعودية ومصر وتركيا وغيرها بأن أبوظبي وإسرائيل متحالفتان إستراتيجيا في المنطقة.

تصدعات خليجية
ومع ذلك، رأى السفير غراي أن أبوظبي، التي تحتفظ بوجود عسكري في ميناء بربرة، قد تصبح الدولة التالية التي تعترف رسميا بالجمهورية الانفصالية.
وقال غراي لـ"ريسبونسبل ستيتكرافت": إنه “سيكون من المثير مراقبة كيفية تعاون أبوظبي وإسرائيل إستراتيجيا في القرن الإفريقي، وما إذا كانت هذه الشراكة ستُستنسخ في مناطق أخرى”.
ونبه إلى أن "اعتراف الإمارات بأرض الصومال سيأتي على حساب الصومال العضو في جامعة الدول العربية، ما يوسّع الشرخ داخل مجلس التعاون".
وأضافت المجلة أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران والضربات الانتقامية التي شنتها طهران على الإمارات لم تدفع أبوظبي إلى قطع دعمها لمليشيا الدعم السريع في السودان.
وبصرف النظر عمّا تسفر عنه "مذكرة تفاهم إسلام آباد"، فإن الدعم الإماراتي مرشح للاستمرار، نظرا لنظرة أبوظبي إلى هذه القوة شبه العسكرية بوصفها الشريك الأكثر موثوقية للتعامل معه في السودان.
وتشير تصورات السعودية بأن أبوظبي تؤدي دورا مزعزعا للاستقرار في السودان يهدد مصالح المملكة، إلى أن دعم الإمارات لمليشيا الدعم السريع سيظل يغذي التوتر في التنافس السعودي-الإماراتي.
واختتمت المجلة بالقول إنه بقدر ما اتحدت دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة الهجمات الإيرانية، فإن الحرب كشفت أيضا انقسامات عميقة بين الدول الخليجية، وفاقمت تصدعات قائمة لها تداعيات مهمة على صراعات تمتد من الخليج إلى القرن الإفريقي.
وسواء تعلق الأمر بإيران أو أرض الصومال أو السودان أو غيرها من بؤر التوتر الإقليمية، فإن قدرة الإمارات على التوفيق بين مصالحها الوطنية والمصالح الخليجية الأوسع ستؤدي دورا حاسما في تشكيل تماسك مجلس التعاون واستقرار العالم العربي وأجزاء من إفريقيا.


















