بعد الحرب الإيرانية.. سبعة مسارات تعيد رسم تحالفات السعودية

"السعودية تحاول تحويل حالة الاضطراب إلى فرصة تخدم مصالحها"
تدفع تداعيات الحرب الإيرانية السعودية إلى إعادة تموضع تحالفاتها الإقليمية والدولية، في ظل مخاوف أمنية وضغوط اقتصادية وتغيرات في موازين القوى، ما يفتح الباب أمام سبعة مسارات قد ترسم توجهات المملكة في المرحلة المقبلة.
تحت عنوان "كيف تعيد الحرب الإيرانية تشكيل التحالفات العالمية للسعودية"، سلط موقع "تينسنت" الصيني الضوء على الكيفية التي تدفع بها الحرب الرياض إلى "إعادة تموضعها وإعادة صياغة منطق بقائها بين واشنطن وطهران".
ورأى الموقع أنه رغم التداعيات الواسعة للحرب على منطقة الشرق الأوسط، فإن تأثيرها كان أكثر عمقا على السعودية.
وأشار إلى أن إغلاق مضيق هرمز، وتهديدات الحوثيين في البحر الأحمر، والتغيرات الدقيقة في العلاقات السعودية الأميركية، كلها عوامل وضعت المملكة أمام خطر "الكابوس الاقتصادي".

طفرة إنفاق
وفي هذا السياق، أوضحت كبيرة محللي الشرق الأوسط وإفريقيا في شركة "سيبيلين" للاستشارات الخاصة بالمخاطر الإستراتيجية، ميغان ساتكليف، أن "هذا الصراع يدفع السعودية للتحرك في ثلاثة مسارات متزامنة: إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة، واحتواء التهديد الإيراني، والحفاظ على مسار التحول الاقتصادي الداخلي ضمن (رؤية 2030)".
واستهلت ساتكليف تحليلها بالإشارة إلى "المعضلة الرئيسة التي تواجهها السعودية حاليا، فإغلاق مضيق هرمز أدى إلى اضطرابات كبيرة في صادرات النفط السعودية وفي حركة التجارة الخاصة بسلع أخرى".
وتابعت: "ورغم أن البحر الأحمر كان مفتوحا أمام الملاحة، فإن السعودية تدرك أن جماعة الحوثي في اليمن المدعومة من إيران تمثل تهديدا قائما يمكن أن يتفاقم في أي وقت".
وأردفت: "فبعد أحدث مواجهة بين إيران وإسرائيل، أطلقت الجماعة تحذيرات بأنها ستستأنف استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر إذا شهدت الأوضاع مزيدا من التصعيد".
وترى ساتكليف أن "تنفيذ الحوثيين لهذا التهديد سيشكل كابوسا اقتصاديا للسعودية، إذ ستتعطل شرايينها التجارية الرئيسة، وقد تجد نفسها في حالة من العزلة على الساحة العالمية".
بصورة عامة، تعتقد ساتكليف أن الرياض "بدأت تدرك وجود نقاط ضعف غير متوقعة في عدد من المجالات".
ولذلك، رجحت أن "تعمل خلال السنوات المقبلة على تسريع جهود تنويع أنظمة الدفاع الجوي، وتنويع شبكة شراكاتها الدولية بصورة أكبر، وتوسيع مصادر وأنواع مشترياتها العسكرية، مع التركيز بشكل خاص على تطوير القدرات المحلية في مجال الطائرات المسيرة وأنظمة التصدي لها".
من هذا المنطلق، توقعت أن تشهد المرحلة المقبلة "طفرة إنفاق" في المجال الدفاعي، ما سيقود إلى فترة نمو سريعة للصناعات العسكرية السعودية.
وفي هذا السياق، أشارت ساتكليف إلى أن "العلاقات الدفاعية بين الولايات المتحدة والسعودية لا تزال تمثل الركيزة الأساسية للأمن السعودي، إلا أن الرياض بدأت في الوقت نفسه تعميق تعاونها مع شركاء آخرين".
وأضافت أن “التعاون الأمني بين السعودية وباكستان شهد تعزيزا ملحوظا خلال الأشهر الستة الماضية”، موضحة أن هذه العلاقة التي كانت قوية بالفعل أصبحت أكثر عمقا في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالتهديد الإيراني".
سباق نحو القاع
"وفي الوقت نفسه، تتزايد المنافسة بين السعودية والإمارات في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية"، يقول الموقع.
وأكمل: "فكلتا الدولتين تعمل على دفع خطط التحول الاقتصادي الخاصة بهما، سواء من خلال (رؤية 2030) السعودية أو الإستراتيجيات طويلة المدى التي تتبناها الإمارات".
وتعتقد ساتكليف أن "هذه المنافسة قد تكون مفيدة للشركات والمستثمرين، لكنها قد تؤدي أيضا إلى ما يعرف بـ(السباق نحو القاع)، بما يحمله ذلك من آثار سلبية محتملة على ظروف عمل العمالة الأجنبية".
فيما يتعلق بالتداعيات الاقتصادية للصراع في الشرق الأوسط، قالت ساتكليف: "أثرت الحرب الإيرانية بصورة معقدة على خطط السعودية الرامية إلى تنويع اقتصادها".
وتابعت: "فمن جهة، شهدت الموانئ الواقعة على البحر الأحمر زيادة في النشاط، لكن من جهة أخرى تراجعت الحركة على الساحل الشرقي للمملكة نتيجة إغلاق مضيق هرمز والتهديدات المرتبطة بالهجمات الإيرانية المباشرة".
وفي هذا الإطار، أشارت ساتكليف إلى أن "الاستثمارات المخصصة للمشروعات العملاقة، مثل مشروع نيوم، بدأت تتراجع، ما دفع إلى تقليص حجم بعض هذه المشروعات".
ولفتت إلى أن "هذا التطور لا يعد نتيجة مباشرة للحرب، بقدر ما يعكس تراجعا في ثقة المجتمع الدولي بقدرة السعودية على تنفيذ خططها التنموية بالوتيرة المعلنة".
ومع ذلك، أوضحت أن “الرياض لا تعد الطرف الأكثر تضررا في المنطقة”. مشيرة إلى أن "الضغوط التي تواجهها كل من الإمارات وقطر تبدو أكبر في بعض الجوانب".

قوية للغاية
وتطرقت الباحثة البارزة لمستقبل العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة مقدرة أنها "لا تزال قوية للغاية".
وأرجعت ذلك إلى "وجود تصور مشترك للتهديدات الأمنية، وإلى تاريخ طويل من التعاون بين البلدين، فضلا عن الارتباط العميق في مجال التسليح، إذ تعتمد السعودية على الشركات الأميركية في توفير الجزء الأكبر من احتياجاتها العسكرية".
لكن ساتكليف أشارت إلى أن "فهم طبيعة هذه العلاقة أصبح أكثر صعوبة بسبب اختلاف أساليب التواصل بين الطرفين، فالرئيس دونالد ترامب يطلق تصريحات ومواقف بشكل شبه يومي، في حين تعتمد السعودية لغة حذرة للغاية، وأحيانا غامضة، في التعبير عن مواقفها".
وأضافت أن "الرياض تفضل في كثير من الأحيان إيصال رسائلها عبر الأفعال، مثل الاستثمارات والزيارات والاجتماعات رفيعة المستوى، بدلا من التصريحات العلنية".
وعليه، قدرت أن "هذا النمط غير المتكافئ؛ حيث يتسم أحد الطرفين بالضجيج الإعلامي بينما يلتزم الآخر الصمت النسبي؛ يجعل من الصعب على المراقبين فهم حقيقة التطورات الجارية في العلاقات الثنائية".
وبخصوص التطبيع مع الاحتلال، ذكرت ساتكليف أن ترامب واصل الدفع باتجاه انضمام السعودية إلى "اتفاقيات أبراهام"، إلا أنها ترى أن "الحرب في غزة أضعفت بشكل كبير مستوى التأييد الشعبي داخل السعودية لفكرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل".
ورغم أنها "لا تستبعد تماما إمكانية حدوث هذا التطبيع خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة"، إلا أنها تعتقد أن "العقبات الراهنة تظل جسيمة".
وعزت ذلك إلى أن "الرياض أعلنت صراحة أن أي مفاوضات للتطبيع يجب أن ترتبط بوضع خارطة طريق واضحة لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وتفعيل حل الدولتين، وهو ما يمثل خطا أحمر يصعب تجاوزه على المدى القريب".
سبعة مسارات
وفي ختام حديثها، قدمت كبيرة محللي الشرق الأوسط وإفريقيا في شركة "سيبيلين" للاستشارات الخاصة بالمخاطر الإستراتيجية، مجموعة من التوقعات بشأن توجهات السياسة السعودية خلال الفترة المتبقية من عام 2026.
وقالت: "أولا، ستواصل السعودية الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، وثانيا، ستعمل على تعزيز موقعها القيادي داخل منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك"، وتوثيق علاقاتها مع الدول الأعضاء، مع الاستمرار في تنويع مصادر الاستثمارات والشراكات الاقتصادية".
أما في المجال الدفاعي، توقعت ساتكليف أن الرياض "ستسعى إلى تعظيم الاستفادة من شراكاتها الأمنية مع دول مثل باكستان".
في الوقت نفسه، رجحت أن "تشهد العلاقات مع إيران مزيدا من التدهور، فرغم الآمال التي صاحبت استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2023، كانت الخلافات قائمة حتى قبل اندلاع الحرب".
وأوضحت مكامن الخلاف قائلة: "فإيران كانت غير راضية عن محدودية الاستثمارات السعودية، بينما كانت الرياض مستاءة من فشل إيران في النأي بنفسها عن شبكة حلفائها ووكلائها الإقليميين".
في المقابل، ترى ساتكليف أن العلاقات مع سوريا "قد تشهد مزيدا من التقارب"؛ حيث توقعت أن "تزيد الرياض استثماراتها في سوريا، كما أن العلاقة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس السوري أحمد الشرع قد تصبح أكثر متانة".
ولفتت إلى أن "هذا المسار قد يفتح الباب أمام منافسة إقليمية مع تركيا على النفوذ داخل سوريا، إلا أن فرص إعادة الإعمار الكبيرة قد تكون كافية لتجنب تحول هذه المنافسة إلى مواجهة علنية".
وشددت على أن "التطبيع مع إسرائيل لن يحدث في أي وقت قريب".
في المحصلة، قدرت ساتكليف أن "السعودية تحاول تحويل حالة الاضطراب الإقليمي الحالية إلى فرصة تخدم مصالحها".
واستطردت: "من خلال تنويع القدرات الدفاعية، وتوسيع شبكة الشراكات الدولية، والتعامل بمرونة مع التنافسات الإقليمية، تأمل الرياض في حماية مصالحها الأساسية وتعزيز قدرتها على التكيف على المدى الطويل في مرحلة ما بعد النفط".
















