مجلس روسي: تركيا تعيد رسم التوازنات بين الأحزاب الكردية في أربيل والسليمانية

الأكراد باتوا يدركون التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة
أدخلت عملية السلام الجديدة التي أطلقتها تركيا مع حزب العمال الكردستاني “بي كا كا” منذ عام 2025، المنطقة في مرحلة جديدة ومعقدة من إعادة تشكيل العلاقات الدبلوماسية والتحالفات الإقليمية.
ووفقًا لـ"المجلس الروسي للشؤون الدولية (RIAC)"، فإن تداعيات هذا المسار لم تقتصر على طبيعة العلاقة بين أنقرة والأكراد داخل تركيا، بل امتدت أيضًا إلى شبكة تحالفاتها مع أبرز القوى الكردية في كل من العراق وسوريا.
ويرى المجلس أن هذا التطور "يعيد رسم التوازنات بين الأحزاب الكردية، ويجعل مصائرها أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، إلى جانب إعادة تشكيل العلاقة بين أنقرة والحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني".

عملية استباقية
وتناول المجلس الروسي السياسة الإقليمية التركية خلال الفترة الاخيرة. مشيرا إلى أنها "أصبحت أكثر استباقية ونشاطا".
وقال: "ففي ديسمبر/ كانون الأول 2024، تمكنت الفصائل السنية التي كانت تقودها هيئة تحرير الشام، بدعم من تركيا وتحت قيادة أحمد الشرع، من إسقاط حكومة بشار الأسد في دمشق عقب هجوم خاطف وسريع".
وأضاف: "هذا التطور عزز مكانة أنقرة بصفتها لاعبا رئيسا في الملف السوري، كما منحها قدرا أكبر من الثقة في توسيع نفوذها الإقليمي".
فيما يتعلق بالعلاقة مع الأكراد، قدر الموقع أن أنقرة "تبدو من حيث المبدأ، معنية بإنهاء الصراع المسلح الطويل مع الأكراد".
وتجلى ذلك، بحسب المجلس، في "إعلان حزب العمال الكردستاني خلال مايو/ أيار 2025 استعداده لإلقاء السلاح كخطوة استباقية على طريق التوصل إلى سلام طال انتظاره".
وفي هذا الإطار، يواصل البرلمان التركي، عبر اللجنة المكلفة بمتابعة هذا المسار والمدعومة من الأحزاب المؤيدة للأكراد، العمل على تنفيذ الشروط والتفاهمات المرتبطة بالاتفاق.
ويعتقد المجلس أن "هذه التطورات تعكس استخلاص صناع القرار الأتراك دروسا من إخفاقات سابقة".
فوفق تعبيره، "شكل الفشل في معالجة ملف الأكراد السوريين خلال مفاوضات السلام التي جرت بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني خلال الفترة بين عامي 2013 و2015 أحد أبرز أسباب انهيار تلك العملية".
وبحسب وجهة نظره، "فإن اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية الذي جرى التوصل إليه عقب العمليات العسكرية المكثفة التي نفذتها القوات الموالية للحكومة ضد مناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا؛ أزال على ما يبدو العقبة الرئيسة التي كانت تواجه السياسة التركية في الساحة السورية".
مع ذلك، لفت إلى أن "سعي تركيا لترسيخ نفوذها الإقليمي يرافقه ظهور تحديات جديدة".
وتابع موضحا: فمنذ سنوات تنظر أنقرة بقلق إلى التحركات الإسرائيلية، لا سيما في ظل الاعتقاد السائد لديها بأن إسرائيل تقدم دعما غير مباشر لحزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية، وهو ما يتعارض بصورة مباشرة مع المصالح التركية".
وأردف: "هذه المخاوف دفعت أنقرة إلى التركيز على تعزيز جبهتها الداخلية والعمل على تحييد مصادر التهديد المحتملة ضمن الاستراتيجية التي تروج لها تحت شعار (تركيا بلا إرهاب)".
وأضاف أن "هذه الهواجس ازدادت أهمية مع تصاعد المواجهات المتكررة بين إيران وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة، ثم مع اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير/ شباط 2026".
وفي الوقت ذاته، "تواصل إسرائيل توسيع حضورها العسكري في لبنان، فضلا عن تعزيز انتشارها في المناطق الحدودية المتنازع عليها جنوب غرب سوريا".
وعلق المجلس: "تنظر أنقرة إلى هذه التحركات بصفتها تحديا لا يقل خطورة عن طموحاتها الإقليمية الخاصة".

’’لعبة صفرية’’
وعلى صعيد آخر، أشار المجلس الروسي إلى أن "المشهد الكردي في إقليم كردستان العراق الذي تهيمن عليه قوتان سياسيتان رئيستان، يفرض على تركيا معادلة معقدة".
وتابع: "فالجيش التركي يحتفظ منذ عقود بوجود عسكري في شمال العراق ضمن عملياته ضد حزب العمال الكردستاني".
واستطرد: "هذا الوجود توسع تدريجيا منذ عام 2018 ليشمل مناطق حدودية إضافية، بدعم من الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يسيطر على حكومة الإقليم، والذي يتمتع بعلاقة وثيقة مع أنقرة".
ووفقا له، "أدى ذلك إلى زيادة التوتر بين بغداد وأربيل، في ظل اتهامات لتركيا بانتهاك السيادة العراقية".
على النقيض، ذكر الموقع أن "العلاقات بين تركيا والاتحاد الوطني الكردستاني شهدت قدرا أكبر من التوتر".
ويعزى ذلك، بحسب المجلس، إلى "الاتهامات التركية المتكررة للاتحاد الوطني بتقديم الدعم لحزب العمال الكردستاني، وهو ما انعكس سلبا على العلاقات بين الحزبين الكرديين وألقى بظلاله على العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان العراق، كما فاقم الخلافات القائمة بشأن قضايا السيادة".
ورغم هذه التباينات، شهدت العلاقات بين أنقرة والسليمانية تحسنا ملحوظا خلال عام 2025.
وبحسب الموقع، "تجلى ذلك باستضافة الاتحاد الوطني الكردستاني مراسم نزع سلاح عناصر حزب العمال الكردستاني في المناطق الخاضعة لنفوذه، الأمر الذي عدته أنقرة يعكس استعداده للتعاون في مسار السلام الجاري".
وفي المقابل، ذكر الموقع أن أنقرة "رفعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 الحظر الجوي الذي كانت تفرضه منذ سنوات على السليمانية، والذي فرضته على خلفية اتهامات للاتحاد الوطني بالتنسيق مع حزب العمال الكردستاني".
وبحسب تقدير المجلس، فإن "هذه الخطوات قد تمهد لتقارب أعمق بين الجانبين، وتفتح الباب أمام مناقشة مشاريع جديدة في مجالي الطاقة والتجارة".
ومن بين الأمثلة على هذا التقارب، ما أورده الموقع حول "موافقة تركيا في أبريل/ نيسان 2026 على قرار الاتحاد الوطني الكردستاني منح منصب محافظ كركوك لسياسي من الجبهة التركمانية العراقية المدعومة من أنقرة، وفق آلية تناوب على المنصب، وذلك رغم اعتراض الحزب الديمقراطي الكردستاني".
واستطرد: "هذه الخطوة قد تسهم بدورها في تعزيز العلاقات بين تركيا والسليمانية".
وحول انعكاسات التقارب بين أنقرة والاتحاد الوطني الكردستاني على طبيعة العلاقة بينه وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني، أشار المجلس إلى أن "طبيعة المنافسة بين الحزبين الكرديين تجعل أي مكاسب يحققها أحدهما تنعكس غالبا على حساب الآخر، فالتفاعل بينهما يتسم بطابع (اللعبة الصفرية)".
ومن هذا المنطلق، يقدر أن "الحزب الديمقراطي الكردستاني قد ينظر إلى تنامي العلاقات بين تركيا والاتحاد الوطني الكردستاني بصفته تهديدا لموقعه، لأنه يحد من احتكاره التقليدي لقنوات التواصل الكردية العراقية مع أنقرة".
ورغم ذلك، يرى المجلس أن "جهود خفض التوترات الإقليمية تفرض على مختلف الأطراف البحث عن صيغ للتقارب والمصالحة، بصفته خيارا أكثر فائدة لجميع المعنيين".

تحول تاريخي
وفي السياق ذاته، أوضح المجلس الروسي أن "الحزب الديمقراطي الكردستاني بات يدرك التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة".
وأردف: "فعلى الرغم من الخلافات السابقة مع قوات سوريا الديمقراطية بسبب ارتباطاتها بحزب العمال الكردستاني، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى تغير واضح في موقفه".
وأضاف أن "الحزب الذي يتخذ من أربيل مقرا له، تحول إلى أحد أبرز الضامنين لعملية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الحياة السياسية السورية، وهو ما أتاح لقائد "قسد" مظلوم عبدي عقد لقاءات متكررة مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني".
وبحسب المجلس، فإن "الخطاب القائم على "الأخوة الكردية" الذي يبرز خلال هذه اللقاءات يخدم مصالح الطرفين؛ إذ يعزز مكانتهما بوصفهما من أبرز القادة الأكراد في المنطقة".
واستدرك: "غير أن هذه اللقاءات تحمل أهمية خاصة بالنسبة لمظلوم عبدي الذي يسعى إلى تحسين صورته السياسية، ولا سيما بعد الانتكاسات العسكرية التي تعرضت لها قواته أمام القوات الموالية لدمشق مطلع عام 2026".
من جانب آخر، يقدر المجلس الروسي أن "سعي الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى توثيق علاقاته مع قوات سوريا الديمقراطية ينسجم في الوقت ذاته مع المصالح الإقليمية لتركيا".
وتابع موضحا: "فالقوات التي كانت أنقرة تنظر إليها لسنوات بصفتها تهديدا دائما على حدودها الجنوبية، قد تتحول إلى شريك يمكن التعامل معه إذا ما جرى دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية المدعومة من تركيا في دمشق".
ووفق تقديره، فإن "هذا السيناريو لا يعني بالضرورة حل قوات سوريا الديمقراطية بشكل كامل، وهو المطلب الذي ظلت تركيا ترفعه لسنوات طويلة، لكنه يعكس استعداد أنقرة لإبداء قدر من المرونة وتقديم تنازلات محدودة إذا كانت تصب في نهاية المطاف في خدمة أهدافها ومصالحها الإستراتيجية الأوسع".
وبحسبه، "عبر وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، عن هذا الموقف في تصريحات أدلى بها أخيرا، حيث قال خلال حديثه بجانب نظيره الإيراني في فبراير/ شباط ، إن قوات سوريا الديمقراطية "يجب أن تمر بتحول تاريخي" حتى لا تشكل تهديدا لأمن تركيا".
على الصعيد الاقتصادي، أشار المجلس إلى أن "التقارب بين أنقرة والسليمانية يفتح آفاقا اقتصادية جديدة؛ حيث يمكن أن تؤدي فيه الاستثمارات العراقية والتركية في قطاعي البناء والطاقة دورا مهما في تطوير المدن الكردية في منطقة روج آفا شمال شرق سوريا".
واستدرك: "لكن وكما هو الحال غالبا في هذه الشرق الأوسط، لا تزال هناك حالة من الغموض الإستراتيجي في مجالات بالغة الأهمية".
وأوضح مقصده بالقول: "إن انخفاض النفوذ الإقليمي لإيران في ظل المواجهة المستمرة مع إسرائيل والولايات المتحدة قد يخلق فراغا تستطيع تركيا استغلاله في المناطق الكردية".
واستطرد: "وفي حين تضغط إدارة ترامب على طهران، فإن نهجها الأكثر مرونة تجاه أنقرة يشير إلى إمكانية حصول تركيا على دعم من واشنطن".
كما يعتقد الموقع أن "امتناع إسرائيل عن تقديم دعم مباشر لقوات سوريا الديمقراطية منح تركيا هامشا أكبر للمناورة وصياغة سياساتها تجاه الأكراد دون مواجهة ضغوط إضافية".
واختتم المجلس بالتأكيد على أن "التطورات الجارية تكشف عن حقيقة باتت أكثر وضوحا بالنسبة لصناع القرار في أنقرة، وهي أن الأمن القومي التركي أصبح مرتبطا بصورة متزايدة بمستقبل المجتمعات الكردية في المنطقة".
ولذلك، وبغضّ النظر عن مآلات عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، يرى أن "التحركات التركية الحالية تعكس قناعة متنامية بأن إدارة الملف الكردي لم تعد شأنا داخليا فحسب، بل باتت جزءا أساسيا من الاستراتيجية الإقليمية لأنقرة".

















