ما خلفيات الدفع بفوزي لقجع لعضوية حزب “الجرار”.. تمهيد لتولي رئاسة الحكومة؟

"فرض فوزي لقجع على الحياة السياسية يُفرغها من المعنى”
تعيش الساحة السياسية والإعلامية المغربية حالة من الترقب والجدل بشأن دعم الدولة لأحد كوادرها بغية إيصاله لرئاسة الحكومة المقبلة خلفا لعزيز أخنوش.
ووسط الاستعدادات القائمة للانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر/أيلول 2026، برز اسم فوزي لقجع، كمرشح فوق العادة لقيادة الحكومة المنتظرة.
ويحظى لقجع بشعبية كبيرة بالمغرب، سواء بصفته رئيسا للجامعة الملكية لكرة القدم، والتي حقق فيها نتائج رياضية كبيرة غير مسبوقة للمغرب، أو بصفته وزيرا للميزانية في الحكومة الحالية كمستقل.
رئاسة لقجع للحكومة توجب ترشحه ضمن أحد الأحزاب، لكون الدستور يلزم أن يكون رئيس الحكومة من الحزب الأول، الأمر الذي جعل الأنظار تتجه إلى حزب "الأصالة والمعاصرة"، والذي أسسه صديق ومستشار العاهل المغربي محمد السادس، فؤاد عالي الهمة، عام 2008.
حسابات دقيقة
وأكدت منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، أن قنوات التواصل مع لقجع ظلت مفتوحة منذ ما يزيد عن سنة، في إطار المشاورات والانفتاح السياسي الذي ينهجه الحزب تجاه عدد من الكفاءات الوطنية.
وأوضحت خلال تصريح صحفي في يونيو/ حزيران 2026، أن لقجع يتمتع بخصال وكفاءة وحنكة في التدبير، مقدرة أنه راكم تجربة مهمة جعلته يحظى بتقدير واسع في عدد من المجالات، سواء على المستوى المؤسساتي أو الرياضي.
وأشارت المنصوري إلى أن لقجع يبقى قريبا من حزب الأصالة والمعاصرة (شعاره الجرار) من حيث التوجه الفكري، بحكم تبنيه لفكر حداثي، مضيفة أن الحزب يظل منفتحا على استقطاب الكفاءات القادرة على الإسهام في العمل السياسي والتنموي.
وفي هذا السياق، أكد الكاتب الصحفي ياسين الحسناوي، أنه لا يوجد فراغ في السياسة المغربية، فالأسماء الثقيلة لا تتحرك خارج حسابات دقيقة ومعقدة، ومنها اسم فوزي لقجع.
وشدد الحسناوي في افتتاحية نشرها موقع "زون24" المحلي في 8 يونيو 2026، أن لقجع أثار الكثير من الجدل والتكهنات، خاصة أنه ليس بالمسؤول العادي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر المسؤولين حضورا وتأثيرا داخل دواليب الدولة.
وذكر أن ما يجري في الكواليس يوحي بأن مسار التقارب بين حزب "الجرار" ولقجع لم يتوقف، وأن وصول الأخير إلى الحزب يبدو أقرب من أي وقت مضى.
وأوضح الحسناوي أن "الأصالة والمعاصرة" يرى في لقجع قيمة مضافة قادرة على تعزيز حضوره السياسي والتنظيمي، فيما قد يجد الوزير نفسه داخل فضاء سياسي يوفر له امتدادا حزبيا يتناسب مع وزنه داخل مؤسسات الدولة.
وأردف: "مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، يبدو أن الأحزاب بدأت فعلا في رسم معالم المرحلة القادمة، سواء عبر استقطاب الأسماء الوازنة أو عبر إعادة ترتيب التوازنات الداخلية".
ورأى الكاتب أن حكومة 2026 لا تُصنع فقط داخل المؤسسات الرسمية، بل تبدأ ملامحها في التشكل من الآن، داخل الأحزاب، وفي الكواليس، وعبر التحالفات التي تُنسج بعيدا عن الأضواء.

سياق مركب
من جانبه، يرى مدير موقع "أنباء إكسبريس"، عثمان بنطالب، أن لقجع أحد أكثر المسؤولين حضورا في الملفات الإستراتيجية للدولة، سواء في المجال المالي أو الرياضي، وهو ما جعله عرضة لكثير من التحليلات والتكهنات.
وذكر بنطالب في افتتاحية موقعه في 9 يونيو 2026، أن "لقجع نجح في بناء صورة المسؤول التكنوقراطي الذي يشتغل بعيدا عن الأضواء الحزبية، لكنه حاضر بقوة في الملفات الكبرى".
واسترسل: "فمن موقعه وزيرا منتدبا مكلفا بالميزانية، يشرف على أحد أهم القطاعات المرتبطة بالتوازنات المالية للدولة، كما راكم تجربة طويلة في تدبير الشأن المالي والاقتصادي جعلته من أبرز الكفاءات الإدارية بالمملكة".
وأردف، “أما على المستوى الرياضي، فقد ارتبط اسمه بالتحول الكبير الذي عرفته كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير، في إطار الرؤية الملكية لتطوير القطاع الرياضي، بداية بتطوير البنيات التحتية الرياضية، مرورا بالنتائج المتميزة للمنتخبات الوطنية".
واستطرد: “ووصولا إلى الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم 2022 بقطر، فضلا عن مساهمته في كسب رهان التنظيم المشترك لكأس العالم 2030”.
غير أن بنطالب استبعد سيناريو وصول لقجع إلى رئاسة الحكومة، لتقديرات دستورية، نظرا لكون الرجل إلى الآن لا ينتمي لأي حزب سياسي، مردفا، "كما أن مساره المهني ظل، إلى حدود اليوم، أقرب إلى التدبير التنفيذي والتقني منه إلى العمل الحزبي والانتخابي المباشر".
وأضاف: "الأكيد أن المرحلة الحالية لا تترك للرجل متسعا كبيرا للخوض في الحسابات السياسية، فالمغرب مقبل على استحقاقات رياضية عالمية كبرى تتطلب تعبئة شاملة لكل الطاقات والكفاءات".
ويرى الكاتب الصحفي أن “لقجع يواصل أداء دور رجل الدولة المكلف بملفات إستراتيجية كبرى، وهي ملفات لم تبلغ بعد محطتها النهائية، سواء على المستوى المالي أو الرياضي”.
وتابع: “لذلك فإن الرهان المطروح اليوم لا يتعلق بما إذا كان سيلتحق بحزب أو سيخوض انتخابات مستقبلا، بقدر ما يتعلق بمدى نجاحه في استكمال الأوراش (المشاريع) الوطنية الكبرى الموكولة إليه، وفي مقدمتها إنجاح الاستحقاقات الرياضية العالمية التي يقبل عليها المغرب خلال السنوات المقبلة”.
رد لقجع
أمام تناسل التفاعلات في هذا الموضوع، قال لقجع ردا على سؤال بشأن إمكانية رئاسته للحكومة مستقبلا: إن "الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى"، مردفا: "لا علم لي بالموضوع".
جاء رد لقجع خلال حلوله ضيفا على بودكاست "مغارب" الذي عرضته منصة "الجزيرة 360" في 14 يونيو 2026.
وقبل هذا الرد المقتضب، سبق للقجع أن نفى لموقع "Medias24" المحلي في 9 يونيو 2026، ما راج أخيرا بشأن انضمامه إلى حزب الأصالة والمعاصرة أو ترشحه للانتخابات التشريعية المقبلة باسم الحزب، مشددا على أنه "لا ينتمي حاليا إلى أي حزب سياسي".
وذكر أنه "ليس مرشحا للانتخابات التشريعية ضمن لوائح حزب الأصالة والمعاصرة، وليس منخرطا في الحزب، كما أنه ليس عضوا في أي حزب سياسي".
وتابع: "إذا قررت غدا ممارسة حقي الدستوري في الانضمام إلى هذا الحزب أو ذاك، أو الترشح للانتخابات التشريعية، أو الانضمام إلى أي حزب، فسأعلن ذلك بنفسي".
وتعليقا على هذا التصريح الأخير، أكد الكاتب الصحفي يونس مسكين، أن نفي الرجل التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة أو ترشحه باسمه لا يهم كثيرا في هذه اللحظة؛ لأن النفي تضمن كلمة "حاليا"، لكنه لا يمتد إلى المستقبل.
وأضاف في افتتاحية موقع "صوت المغرب" في 10 يونيو 2026، ذلك أن "السياسة في المغرب لا تبوح بأسرارها ببلاغات رسمية، بل كثيرا ما تبدأ بوشوشة في أذن أحدهم في صالون، ثم عنوان في صحيفة، ثم تصريح نصف واضح، ثم نفي محسوب، ثم عودة الاسم نفسه في صيغة أخرى، إلى أن نكتشف في النهاية أن ما كان مستحيلا صار واقعا".
وشدد مسكين على أن السؤال الأعمق هو لماذا صار اسم موظف كبير، ووزير منتدب، ورئيس جامعة كرة، ورجل ميزانية، ورجل فيفا وكاف ومونديال، يظهر فجأة بوصفه أحد سيناريوهات إنقاذ منصب رئيس الحكومة من موته السياسي؟
ويرى أن تقديم لقجع ربما جاء في سياق انتخابات بلا رهان، وأحزاب بلا رأس سياسي قادر على إقناع الناس بأن الصناديق ستنتج شيئا أكثر من توزيع المقاعد.
واسترسل: "هنا يحضر لقجع بوصفه (جوكير) ممكن للمرحلة، فالرجل ليس اسما عاديا في الإدارة المغربية. هو ابن جهاز الدولة في المالية والفلاحة. وهو أيضا رجل كرة القدم الذي صار اسمه، في السنوات الأخيرة، مرتبطا بكل ما تحب الدولة أن تقدمه عن نفسها حين تريد أن تبدو ناجحة...".
ونبه مسكين إلى أن “قوة لقجع أنه يأتي من منطقة الإنجاز التقني، لا من منطقة الاستهلاك الخطابي، ومشكلته أن رئاسة الحكومة ليست منصبا تقنيا، بل هي، نظريا، رأس سلطة تنفيذية منبثقة من صناديق الاقتراع، تحمل تفويضا سياسيا، وتقود أغلبية، وتجيب أمام البرلمان، وتتحمل أمام المواطنين”.

قراءة سياسية
في قراءتها للحدث، قالت عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أمينة ماء العينين: إن “لقجع له أداء جيد على المستوى الكروي، وحقق نتائج وإنجازات كبيرة خلقت صورة إيجابية للبلاد على الصعيد القاري والدولي، لكن على المستوى السياسي لا نعرفه، أي لا نعرف أفكاره ومواقفه السياسية”.
وعبرت ماء العينين لـ"الاستقلال"، عن رفضها لاستقدام لقجع لرئاسة الحكومة “بهذه الطريقة”، مشددة على أنه “لا يصح أن نجلس إلى عشية الانتخابات ونقول إن الأحزاب عقيمة ولا تستطيع أن تقدم لنا شخصا يستطيع أن يبني موقفا شعبيا إيجابيا حوله، وأن لقجع هو الحل”.
وأشارت إلى أن “لقجع يشارك في إدارة الشأن العام منذ سنوات، ولم تكن فكرة استحقاقه لرئاسة الحكومة مطروحة، ولذلك تم طرحها الآن، بعد إضعاف الأحزاب أو محاولة تقديمها كمؤسسات فاشلة وضعيفة”.
ورأت عضو البرلمان السابق أن "لا شيء يلوح في الأفق بأن هناك مراجعة للمنهجية التي قضت على الأحزاب وأضعفت قدرتها على التأطير والفعل السياسي".
ونبّهت ماء العينين إلى أن من يقف خلف فكرة تقديم لقجع، يفكرون بمنطق لا ديمقراطي؛ حيث يعمدون إلى تهميش الأحزاب ثم إحضار من يريدون لمناصب معينة وتقديمهم تحت غطاء حزبي بما يشبه احترام المقتضيات الدستورية من حيث الشكل.
وشددت على أن “هذا المنطق يخلق مشكلا كبيرا للنخب الحزبية، لأن فيه نوع من التحقير”، مؤكدة أن الأحزاب السياسية قادرة على إعطاء القيادات والكفاءات، لكن يجب تركها لكي تشتغل بحرية وديمقراطية.
وترى ماء العينين أن ما يجري إن تحقق سيؤدي إلى إفراغ الدستور من مضمونه؛ لأن الفصل 47 من دستور 2011 ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية.
وعليه، تردف القيادية الحزبية، “لا يمكن أن نتواطأ جميعا، دولة ومجتمعا على إهانة الدستور، أي بالحفاظ عليه شكلا وتعطيله في العمق والمضمون”.
ولفتت ماء العينين إلى أن “الوثيقة الدستورية لم توضع عبثا، بل تتضمن معنى الديمقراطية؛ لأن تعيين الملك لشخص من الحزب الأول، يعني منطقيا أن يمثل المُعيَّن الحزب، وليس من خارجه”.
وأوضحت أن “بناء القيادات الحزبية لا يأتي بطريقة سهلة، بل يحتاج إلى تراكم واجتهاد ووقت، مما يعني أن إحضار شخص في آخر اللحظات إلى أي تنظيم حزبي ليكون رئيسا للحكومة أمر غير مقبول أبدا”.
وعليه، ترى ماء العينين أن “التعيين المباشر لرئيس الحكومة من لدن الملك أفضل من التواطؤ على إهانة الدستور؛ لأن الدستور يتحدث عن تعيين شخص من الحزب الأول، وأمثال لقجع هم من الإدارة أو من جهات أخرى، وفرضهم على الحياة السياسية يُفرغها من المعنى”.

















