اتهامات متبادلة.. هل تنذر اشتباكات الضالع بانهيار الهدنة في اليمن؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

رغم مرور أكثر من أربع سنوات على الهدنة النسبية التي خففت من حدة الحرب في اليمن، عادت مؤشرات التصعيد العسكري إلى الواجهة مجدداً مع تجدد الاشتباكات بين قوات السلطة الشرعية (المعترف بها دوليا) وبين مليشيا الحوثي، التي تحتل العاصمة صنعاء منذ 2014.

بالتزامن مع تصريحات وتحركات ميدانية بين الطرفين توحي بإمكانية دخول البلاد مرحلة جديدة من المواجهات، الأمر الذي طرح تساؤلا ملحا عن مدى تحول ذلك إلى عمليات عسكرية واسعة، قد تنسف سنوات من التهدئة النسبية ويعيد اليمن إلى دائرة الحرب التي توقفت عام 2022؟

"مرحلة جديدة"

في 22 يونيو، شهدت محافظة الضالع جنوبي اليمن اشتباكات بين قوات الجيش اليمني ومليشيا الحوثي، تخللتها عمليات قصف مدفعي وتبادل لإطلاق النار، ما أسفر عن إصابات من الجانبين، في وقت تبادل فيه الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد.

وشيعت جماعة الحوثي، في 22 يونيو، في صنعاء ضابطين في صفوفها، هما: العقيد عامر علي عامر، والعقيد أحمد محسن حمطان، معلنة أنهما قُتلا "وهما يؤديان واجبهما الوطني في جبهات العزة والكرامة"، في إشارة إلى مواجهات مع القوات الحكومية، دون التطرق إلى تفاصيل إضافية.

في المقابل، كان الجيش اليمني قد أعلن مقتل أحد ضباطه وإصابة 5 من الجنوب في مواجهات مع مليشيا الحوثي في محافظتي تعز والضالع جنوب غربي البلاد، حسبما نقلت التلفزيون الرسمي.

يأتي ذلك بالتزامن مع إعلان الحوثيين رفع الجاهزية العسكرية وإطلاق ما وصفوه بـ"مرحلة ميدانية جديدة"، استجابة لتوجيهات زعيمهم عبد الملك الحوثي، إضافة إلى أنهم تحدثوا عن تجهيز مئات الآلاف من المقاتلين وتعزيز برامج التدريب والتأهيل العسكري.

ونقلت قناة "المسيرة " التابعة للحوثيين عن مسؤول التعبئة العامة في صنعاء خالد المداني قوله: "ندشن مرحلة جديدة من الإعداد ونعلن نفيرنا وجاهزيتنا العسكرية في مختلف المستويات".

وأضاف أن الجماعة لن تقبل استمرار الحصار، مشيراً إلى أنهم ماضون في "معركة تحرير البلد وانتزاع حقوق الشعب".

وفي المقابل، عقد وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي، في 23 يونيو، اجتماعا موسعا في محافظة مأرب (وسط) ضم قادة عسكريين وأمنيين لمناقشة مستجدات الأوضاع العسكرية، بحسب موقع الجيش "سبتمبر نت".

وأكد العقيلي أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود وتكامل الأدوار ورفع مستوى الجاهزية القتالية في مختلف الجبهات لمواجهة أي طارئ.

بدوره، قال المتحدث باسم قوات "المقاومة الوطنية" الموالية للحكومة صادق دويد إن التصعيد الحوثي ليس مستغربا في فترات التهدئة، مقدرا أن سلوك الجماعة يعكس طبيعة علاقاتها الإقليمية.

وأضاف دويد أن "علاقة الحوثيين بدول الجوار لا تخرج عن ثلاث حالات: الحرب أو التخريب الطائفي أو الابتزاز"، مشيرا إلى أن ذلك يعكس "طبيعة العلاقة مع النظام الإيراني"، حسبما كتب على منصة "أكس" في 23 يونيو.

"تحقيق المكاسب"

وعن مدى تحوّل الاشتباكات إلى حرب تكسر الهدنة القائمة، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني، عبد الباقي شمسان، إن "الحوثيين لهم إستراتيجية قديمة تعمل على تحقيق المكاسب في كل الأحوال".

وأضاف شمسان لـ"الاستقلال" أن "هناك ما يساند الحوثي في إضعاف السلطة الشرعية وتدهور أحوال المواطنين، وعدم وجود كتلة وطنية في الداخل وغياب المقاومة لأن هناك قمعا شديدا وسيطرة، لذلك توسعوا في الضالع".

ورأى الخبير اليمني أن "الحوثي إذا تمكن في الضالع، فإن هذا يمكنهم من السيطرة على الجغرافيا والمجال الاجتماعي هناك، وأن الصراع في اليمن جغرافي وعلى النفوذ والمؤسسات، بالتالي إذا تمكنوا عبر العمليات العسكرية، فإنهم سيواصلون مع الشخصيات التي هي ضد السلطة الشرعية، على تقدير أن هناك تحالفات مؤقتة لتحقيق أهداف ما".

وبحسب شمسان، فإن "الحوثي دائما ما يبني سياسته وعملياته العسكرية بناء على التوسع الجغرافي وتوظيف التحالفات وتنافر المكونات، وإذا تمكنوا من ذلك، فإنهم يشكلون خطرا على المنطقة، لأنهم أيضا يوظفون ذلك في كسب أنصار من المدينة وإيصال رسالة بأنهم يديرون المعركة".

وفي الوقت نفسه، فإنهم (الحوثيون) يحسّنون الموقف التفاوضي بصفتهم قوة متواجدة وتمتلك السلاح والإرادة بالتالي هذه الإستراتيجية المعتمدة لهم، وفقا للخبير اليمني.

ويعتقد محللون أن استمرار الحشد العسكري المتبادل قد يشكل ضغطاً سياسياً أكثر من كونه مؤشراً على حرب شاملة وشيكة، إلا أن غياب الثقة بين الحكومة والحوثيين يجعل أي حادث ميداني محدود قابلاً للتطور إلى مواجهة أوسع.

كما أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة والانقسام السياسي الحاد يضيفان مزيداً من التعقيد إلى المشهد اليمني، في ظل عدم وجود تقدم ملموس في جهود التسوية التي تقودها الأمم المتحدة والجهات الإقليمية.

من جهته، قال فتحي بن لرزق مدير مؤسسة "عدن الغد" الإعلامية، عبر منصة "إكس" في 27 يوينو، إن التصعيد الحوثي الأخير "لا قيمة له"، سواء على المستوى العسكري أو المعنوي، وعلى الأرض تكذبه جميع الوقائع.

وأضاف الإعلامي اليمني أن "فشل الحوثي في السيطرة على المناطق المحررة من اليمن في العام 2015، رغم أنه سيطر على ترسانة الجيش اليمني السابق، واستخدم قطاعا كبيرا من جنوده، لكن الناس قاوموه بأسلحتهم الشخصية وهزموه شر هزيمة".

ورأى بن لرزق أن "المعادلة اليوم مختلفة في المناطق المحررة؛ جيوش هادرة، مدربة، ومجهزة بكل أنواع التجهيزات العسكرية. ولذلك فإن أي معركة حقيقية ضد الحوثيين ستكون طلقتها الأولى على خطوط التماس، والأخيرة في رأس عبد الملك، في جبال مران".

طلب للتفاوض

وعلى وقع الاشتباكات الحاصلة، طالب الحوثيون السعودية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات لتنفيذ خارطة الطريق المتوافق عليها، وإنهاء ما وصفوه بالتصعيد في الملف الإنساني، محذرين من أن استمرار الجمود السياسي قد يهدد مسار السلام في اليمن.

جاء ذلك خلال لقاء نائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين، عبدالواحد أبو راس، المستشار العسكري للمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، أنتوني هايورد، بحضور رئيسة قسم الترتيبات الأمنية بمكتب المبعوث سنيزانا كوفمان، ومدير مكتبهم في صنعاء محمد الغنام.

وحسب الوكالة الخاضعة لسيطرتهم، سبأ، بحث الجانبان آخر المستجدات المتعلقة بانتقال مهام بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) إلى مكتب المبعوث الخاص، إلى جانب التطورات على الساحتين اليمنية والإقليمية.

وجدد أبو راس تأكيد التزام جماعته بخيار السلام وتنفيذ اتفاق ستوكهولم، بما في ذلك اتفاق الحديدة، مؤكداً الاستعداد لتقديم التسهيلات اللازمة لاستكمال عملية نقل مهام بعثة "أونمها" إلى مكتب المبعوث الأممي.

وقال: إن الوقت قد حان لإحراز تقدم فعلي نحو السلام في اليمن، مقدرا أن حالة "اللا سلم واللا حرب" لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، داعياً السعودية إلى تنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها، وإنهاء ما وصفه بالتصعيد في الملف الإنساني، وعلى رأسه استمرار إغلاق مطار صنعاء والقيود المفروضة على الواردات.

وأضاف أبو راس أن الحفاظ على ما تحقق من تفاهمات يتطلب معالجة القضايا الإنسانية العالقة وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تجدد التوترات.

كما رأى أن القراءة الخاطئة للتطورات الإقليمية أسهمت في تعطيل مسار السلام، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تفجير الأوضاع مجدداً، ومؤكداً أن المنطقة ليست بحاجة إلى مزيد من الصراعات والحروب.

من جانبه، أكد المستشار العسكري للمبعوث الأممي التزام الأمم المتحدة بمواصلة دعم الجهود الرامية إلى تحقيق سلام مستدام في اليمن.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن التطورات الإقليمية الأخيرة، خصوصاً بعد توقيع تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران في 18 يونيو، والتي قد تدفع مختلف الأطراف المرتبطة بالصراع اليمني إلى إعادة ترتيب أوراقها السياسية والعسكرية.

ومنذ أبريل/نيسان 2022، يشهد اليمن حالة من الهدوء النسبي مقارنة بالسنوات السابقة، رغم استمرار الاشتباكات المحدودة في بعض الجبهات. إلا أن تعثر المسار السياسي وعدم تنفيذ خريطة الطريق التي رعتها الأمم المتحدة أبقيا جذور الأزمة قائمة دون حلول نهائية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ توصل الحكومة اليمنية والحوثيين إلى تفاهمات أولية شملت وقفاً شاملاً لإطلاق النار وتحسين الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، إلا أن هذه التفاهمات لم تدخل حيز التنفيذ الكامل بسبب استمرار الخلافات بين الأطراف.