نفوذ المال.. لماذا تمتنع واشنطن عن معاقبة الإمارات لتسليحها "الدعم السريع"؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تكشف الأزمة السودانية أن أوراق الضغط التي تمتلكها واشنطن لا تُستخدم دائما وفق التقديرات الإنسانية، بل تحكمها شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والإستراتيجية.

وشفهيا، حذّر مسعد بولس، كبير مستشاري إدارة ترامب لشؤون إفريقيا والمسؤول الأول عن ملف السودان، أمام مجلس الأمن الدولي من أن المجتمع الدولي "لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي" بينما تتحول مدينة الأُبَيِّض التي يقطنها نحو نصف مليون نسمة، إلى مدينة الفاشر أخرى.

وبحسب مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية، فإن الفاشر كانت آخر مدينة كبرى في إقليم دارفور لا تزال خارج سيطرة مليشيا الدعم السريع.

وأشارت المجلة، في تقرير لها، إلى أن الحرب تحولت إلى صراع إقليمي بالوكالة، إذ تدعم الإمارات مليشيا الدعم السريع، بينما برزت القاهرة وأنقرة بوصفهما الداعمين الرئيسين للجيش.

وحين سقطت الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قُتل أكثر من 6 آلاف مدني خلال ثلاثة أيام، ووصفت الأمم المتحدة الحملة بأنها تحمل "سمات الإبادة الجماعية".

انخراط أميركي

وكانت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، قد خلصت هي الأخرى إلى أن مليشيا الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية في مناطق أخرى من دارفور عام 2024.

وفي اليوم نفسه الذي تحدث فيه بولس أمام مجلس الأمن، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بطرفي الحرب السودانية. 

وقبل ذلك بأيام، حذّر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، من أن "فظائع جماعية قد تكون وشيكة" في الأُبيّض.

كذلك، فإن وزير الخارجية ماركو روبيو كان، وقت صدور هذه التحذيرات من مسؤولي إدارة دونالد ترامب، قد أنهى للتو جولة خليجية لطمأنة الحلفاء الذين هزّتهم الحرب الأميركية-الإيرانية.

وخلال الجولة، قال روبيو للصحفيين في الكويت: إن واشنطن "تواصل الانخراط" في ملف السودان مع دول الخليج كلما سنحت الفرصة.

وفي جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ قبل أسابيع، أقرّ روبيو بأن حرب السودان "تحولت إلى حرب بالوكالة"، وأن "الخلافات بين الإمارات والسعودية عقّدت فعليا قدرتنا على إنهائها".

غير أن المجلة لفتت إلى أن روبيو، بدلا من أن يتصدر جهود حل هذه الخلافات، اقتصر حله المقترح على تحديد مناطق آمنة لتوزيع المساعدات.

وتدعم السعودية الجيش السوداني سياسيا، بينما تُعد الإمارات المورد الرئيس للسلاح والمرتزقة للدعم السريع، وهو استنتاج أقرّته واشنطن نفسها عمليا عبر عقوباتها، إذ صنّفت في يناير/كانون الثاني 2025 عدة شركات مقرها الإمارات لتزويدها الدعم السريع بالسلاح والغطاء المالي.

وذكرت المجلة أنه رغم تحذيرات واشنطن نفسها مما هو آت، فإن الجمود السياسي يجعل وضع سكان الأُبيّض قاتما. 

وأوضحت أن “الدعم السريع” تستهدف المدينة بسبب موقعها الإستراتيجي الذي يربط دارفور بوادي النيل والعاصمة الخرطوم، إذ إن من يسيطر على المدينة يسيطر على المحور المركزي للتنقل عبر السودان.

وأضافت أن الدعم السريع تقصف المدينة بالمسيّرات منذ أسابيع، ودمّرت محولة الكهرباء الرئيسة ومحطات الوقود والجسور وطرق الإمداد المؤدية إليها، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الغذاء والمياه ولوح بمجاعة في الأفق.

بدورها، أصدرت بريطانيا وست حكومات أوروبية نداء مشتركا لوقف فوري، مقدرة أن "هذه لحظة حاسمة، ويجب على المجتمع الدولي أن يتحرك".

واتصل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، مباشرة بقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي أكد له عدم استهداف المدنيين، وهو الكلام نفسه الذي كرره أمام دبلوماسيين قبل مجزرتي الفاشر والجنينة.

عقوبات منتقاة

في المقابل، أشارت المجلة إلى أن عقوبات وزارة الخزانة الأخيرة تعكس مدى ما تعرفه واشنطن، ومدى ضآلة ما تختار فعله حياله.

فمن جانب الدعم السريع، فرضت الخزانة عقوبات على الوسطاء الذين يجندون مرتزقة كولومبيين للقتال لصالحها، لكن هذه العقوبات تجاهلت الشركة الأمنية التي تتخذ من أبو ظبي مقرا، والتي جندتهم ودرّبتهم ونقلتهم من المطارات الإماراتية إلى ساحات المعارك في دارفور.

ونقلت المجلة عن تحقيق أجرته منظمة "ذا سنتري" أن أحمد الحميري، وهو مسؤول إماراتي رفيع، أسّس هذه الشبكة وكان يمتلك الشركة بالكامل في وقت من الأوقات.

وأوضحت أنه تخلى منذ ذلك الحين عن حصصه، لكنه لا يزال مرتبطا ارتباطا وثيقا بالرئيس التنفيذي الحالي للشركة، رجل الأعمال الإماراتي محمد حمدان الزعابي.

وأضافت المجلة أن الإمارات تنفي كل ذلك، لكن أعضاء الكونغرس ووزير الخارجية روبيو أقرّوا علنا بدور الإمارات في تسليح الدعم السريع. 

ورغم أن هذا بات معروفا للجميع، فإن مبيعات السلاح للإمارات لم تُقيّد بشروط، ولم تواجه أبو ظبي أي عواقب فعلية من واشنطن.

وأوضحت المجلة أن السبب ليس خافيا، إذ تعهدت الإمارات باستثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة، وأعادت تأكيد هذا الالتزام رغم أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران كشفت هشاشة بنيتها التحتية أمام الضربات الإيرانية.

وأشارت إلى أنه في قمة مجموعة السبع منتصف يونيو/حزيران، التقى ترامب الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، ووصفه بـ"المحارب"، وأبدى إعجابه بثروته قائلا: "حين تكون بهذا الثراء، يمكنك أن تتحدث بهذا الهدوء".

وذكرت المجلة أن المملكة المتحدة تُجري الحسابات نفسها التي تجريها واشنطن، ما حال دون اتخاذ أي إجراء جاد في مجلس الأمن، حيث تتولى لندن الدور الأكثر تأثيرا بوصفها الجهة المسؤولة رسميا عن قيادة ملف السودان داخل المجلس وصياغة قراراته.

ونقلت المجلة عن الباحث في حقوق الإنسان بجامعة ييل، ناثانيال ريموند، قوله في شهادة أدلى بها أخيرا أمام لجنة برلمانية بريطانية إن وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية أخفت أدلة تربط الإمارات بمليشيا الدعم السريع.

وأضاف أن الوزارة فعلت ذلك لأنها قدّمت، بحسب تعبيره، "العلاقات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع الإمارات على منع تجويع متعمد وتهجير قسري ومذبحة جماعية طالت عشرات الآلاف من المدنيين في الفاشر والمناطق المحيطة بها".

غير أن المجلة أوضحت أن شهادة ريموند تورّط واشنطن بالقدر نفسه، إذ شارك معلومات تربط منشآت إماراتية بالدعم السريع مباشرة مع وزارتي الخزانة والخارجية الأميركيتين، اللتين استخدمتا بدورهما هذه البيانات لفرض عقوبات على شركات مرتبطة بالدعم السريع عام 2025.

وأضافت أن صحيفة "الغارديان" البريطانية ذكرت، في تقرير منفصل، أن وزارة الخارجية الأميركية أوقفت تقييماتها الاستخباراتية الخاصة بمدينة الفاشر، والتي كانت ستفضي إلى تصنيف رسمي للإبادة الجماعية.

وكان من شأن هذا التصنيف أن يفرض استجابة إلزامية على مستوى الحكومة الأميركية بأكملها بموجب قانون "إيلي فيزل لمنع الإبادة الجماعية والفظائع"، الذي وقّعه ترامب نفسه عام 2019.

ونقلت الصحيفة عن مصدر قوله: إن وقف التقييمات جاء حفاظا على العلاقة الإستراتيجية مع الإمارات.

كونغرس بلا أنياب

أوضحت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" أنه مع استمرار جمود السلطة التنفيذية، أصبح الكونغرس الجهة المعنية بمحاولة فرض المساءلة، لكنه لم ينجح في ذلك.

ففي مجلس النواب، ينص "قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني"، الذي قاده النائب الديمقراطي، غريغوري ميكس، عن ولاية نيويورك مع 32 نائبا ديمقراطيا مشاركا في تقديمه، على إلزام الإدارة الأميركية بتسمية الدول التي تسلّح الدعم السريع ووقف بيعها الأسلحة، إضافة إلى مطالبتها بتقرير يتتبع كيف وصلت أسلحة أميركية إلى السودان.

لكن المجلة استدركت بأن القانون نفسه يتضمن استثناء رئاسيا؛ إذ يكفي أن يُخطر الرئيس الكونغرس خلال خمسة عشر يوما بأن فرض عقوبات على دولة ما يتعارض مع المصلحة الوطنية لينسحب من الالتزام.

ورأت أن مشروع القانون صُمم، على ما يبدو، لمحاصرة الإمارات، لكن هذا الاستثناء يتيح لها الإفلات من العواقب الفعلية.

وأضافت المجلة أن مشروع قانون مجلس الشيوخ لعام 2026، المعروف بـ"قانون السلام في السودان"، أكثر ليونة تجاه موردي السلاح الأجانب.

فحيث يفرض قانون مجلس النواب عقوبات إلزامية، يمنح مشروع مجلس الشيوخ الرئيس صلاحية تقديرية؛ إذ ينص على أنه "يجوز" له فرض عقوبات، مع الإبقاء على استثناء المصلحة الوطنية هنا أيضا.

وذكرت المجلة أنه في جلسة لتعديل مشروع القانون أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ منتصف يونيو، حاول السيناتور الديمقراطي، كريس فان هولين، تشديد التزامات الحكومة، فقدّم تعديلا يحظر صراحة نقل الأسلحة إلى الإمارات ما دامت تواصل تزويد الدعم السريع بها. غير أن التعديل سقط بتصويت 15 مقابل 7.

ونقلت عن فان هولين قوله، فيما وصفته بأدق تلخيص للسياسة الأميركية تجاه السودان صادر عن مسؤول حكومي: "ينبغي ألا تكتفي الولايات المتحدة بالحديث عن إنهاء المذبحة في السودان، بل يجب أن نستخدم فعليا أوراق الضغط التي نملكها".

وختمت المجلة بأن تنامي الزخم داخل الكونغرس لم يغيّر من أولويات الإدارة الأميركية التي أظهرت في كل منعطف أن علاقاتها مع دول الخليج تأتي أولا، أما سكان الأُبيّض، فلا ينتظرون من ذلك شيئا، بل يترقبون أزيز المسيّرات، آملين ألا تلقى مدينتهم مصير الفاشر.