ماذا بحث رئيس جهاز الاستخبارات التركي مع صدام حفتر في بنغازي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

ثمة تحول لافت في المقاربة التركية حيال الملف الليبي، لا سيما بعد زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن إلى مدينة بنغازي الأسبوع الماضي ولقائه صدام حفتر، وهي زيارة تحمل دلالات إستراتيجية عميقة.

وذكرت صحيفة “الإندبندنت” بنسختها التركية، في مقال للكاتب التركي جوكتوغ تشالشكان، أن هذه الزيارة لا تبدو مجرد اجتماع أمني عابر أو تواصل بروتوكولي بين مسؤولين، بل تعكس انتقال أنقرة إلى مرحلة جديدة في إدارة مصالحها داخل ليبيا.

ويمكن النظر إلى هذه المرحلة على أنها تقوم على إعادة صياغة العلاقات التركية مع مختلف الأطراف الليبية، بعد سنوات من الاصطفاف الواضح إلى جانب معسكر واحد.

ويبدو أن تركيا باتت تتحرك وفق رؤية أكثر براغماتية؛ إذ تدرك أن المشهد الليبي تغيّر بصورة جذرية، وأن الحفاظ على نفوذها لم يعد ممكنًا عبر التمسك بسياسات الأعوام السابقة، بل من خلال بناء شبكة علاقات أوسع تتيح لها التكيف مع أي متغيرات سياسية أو عسكرية قد تطرأ مستقبلًا.

توازنات جديدة

وذكر الكاتب التركي أنّ أنقرة، منذ التدخل التركي المباشر في ليبيا عام 2019، كانت تعتمد سياسة واضحة تقوم على دعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وذلك بصفتها الحليف السياسي والعسكري الأساسي لها. 

وقد شكلت اتفاقية التعاون العسكري ومذكرة ترسيم الحدود البحرية بين الطرفين الأساس القانوني والإستراتيجي لهذا التحالف، الذي مكّن تركيا من التدخل ميدانياً عبر الطائرات المسيرة والمستشارين العسكريين، وأسهم بشكل حاسم في وقف هجوم قوات خليفة حفتر على العاصمة الليبية. 

خلال تلك المرحلة كان الشرق الليبي يمثل بالنسبة لأنقرة معسكراً معادياً بشكل كامل، وكان حفتر يوصف داخل الخطاب السياسي التركي بصفته تهديداً مباشراً للمسار السياسي الليبي، فلم يكن هناك أي مجال للحديث عن فتح قنوات اتصال معه أو مع الدائرة المحيطة به. 

غير أن السنوات اللاحقة أظهرت أن استمرار الرهان الحصري على طرابلس لم يعد كافياً، خصوصاً مع تحول ليبيا من ساحة حرب مفتوحة إلى حالة انقسام سياسي ومؤسساتي أكثر تعقيداً. وهذا الأمر هو ما دفع أنقرة إلى مراجعة إستراتيجيتها، والانتقال تدريجياً من سياسة الانحياز الكامل إلى سياسة أكثر مرونة، والتي تقوم على إدارة التوازنات مع مختلف القوى الفاعلة.

وأردف الكاتب التركي أنّ زيارة إبراهيم قالن إلى بنغازي تحمل دلالات رمزية وسياسية كبيرة؛ لأن المدينة ظلت لسنوات طويلة تمثل مركز الثقل السياسي والعسكري المناهض للنفوذ التركي داخل ليبيا. 

وإنّ وصول رئيس جهاز الاستخبارات التركي شخصياً إلى هذه المدينة يعكس قراراً سياسياً واضحاً بكسر الخطوط الحمراء التي حكمت العلاقة التركية مع شرق ليبيا طوال سنوات الصراع. 

فقد اختارت أنقرة التواصل مع صدام حفتر تحديداً، وليس مع خليفة حفتر نفسه، وهو أمر يكشف إدراكاً تركياً متزايداً لطبيعة التحولات الداخلية داخل معسكر الشرق الليبي. 

فَخلال السنوات الأخيرة تصاعدت المؤشرات التي تتحدث عن انتقال تدريجي للنفوذ داخل منظومة حفتر من الأب إلى الأبناء، خصوصاً مع التقدم الكبير في عمر خليفة حفتر، وتزايد الدور العسكري والسياسي الذي بات يلعبه صدام حفتر داخل الجيش الوطني الليبي. 

ونجد أنّ تركيا قد قرأت هذه المتغيرات مبكراً، وقررت بناء علاقة مباشرة مع الشخصية التي قد تمثل مركز القوة الأساسي في شرق ليبيا خلال السنوات المقبلة. 

وأشار الكاتب التركي إلى أن الرسالة هنا واضحة، فَأنقرة لا تريد أن تجد نفسها خارج أي ترتيبات مستقبلية في حال تغيرت موازين السلطة داخل الشرق الليبي، لذلك بدأت بفتح قناة تواصل مع القوى الصاعدة، وذلك لضمان استمرار حضورها السياسي والعسكري في كامل الجغرافيا الليبية.

إعادة تموضع

ولا يمكن فصل هذا التحرك التركي الجديد عن الصراع الإقليمي الأوسع في شرق البحر المتوسط؛ لأن ليبيا بالنسبة لأنقرة لم تعد مجرد ساحة نزاع داخلي، بل أصبحت جزءاً من معادلة جيوسياسية ترتبط مباشرة بأمنها القومي ومصالحها الإقليمية. 

وأوضح الكاتب التركي أنّ الاتفاق البحري الذي وقعته تركيا مع طرابلس عام 2019 منحها موقعاً إستراتيجياً بالغ الأهمية، وذلك في مواجهة الترتيبات الإقليمية التي تقودها اليونان وقبرص الجنوبية، لكنّ هذا الاتفاق ظل موضع رفض مستمر من جانب الشرق اللّيبي والقوى السياسية المقربة من معسكر حفتر. 

ومع تصاعد الأصوات المطالبة بمراجعة هذا الاتفاق خلال العامين الماضيين، بدأت أنقرة تدرك أن حماية مصالحها في شرق المتوسط تتطلّب عدم الاكتفاء بعلاقاتها التقليدية مع طرابلس، بل فتح قنوات تفاوض مع بنغازي أيضاً لمنع أي ترتيبات مستقبلية قد تهدد المكاسب التي حققتها. 

في الوقت نفسه تعكس زيارة قالن إلى بنغازي صعود إستراتيجية تركية تعتمد على "الدبلوماسية الاستخباراتيَّة"؛ حيث بات جهاز الاستخبارات، وهو من الأجهزة الأمنية، يلعب دوراً متقدماً في إدارة وفتح قنوات التواصل في الملفات الإقليمية الحساسة، بدلاً من تركها حصراً لوزارتي الخارجية والدفاع. 

وهذا يدل على أن ليبيا لم تعد ملفاً سياسياً فقط، بل ملفاً مرتبطاً بالأمن القومي التركي أيضاً. 

وأضاف الكاتب أنه إذا نظرنا إلى المشهد بشكل أوسع، يمكن القول إنّ تركيا بدأت تعيد ترتيب سياستها في ليبيا وفق ثلاثة أهداف واضحة:

أولاً: الحفاظ على علاقتِها التقليدية مع طرابلس، لكن دون أن تجعل مستقبلها مرتبطاً بالكامل بهذا الطرف.

ثانياً: فتح قنوات تواصل مع شرق ليبيا، خصوصاً مع القوى الصاعدة هناك مثل صدام حفتر، وذلك حتى تضمن وجودها في أي تسويات أو ترتيبات سياسية مستقبلية.

ثالثاً: حماية اتفاق ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، ومنع أي تغييرات قد تضر بمصالحها إذا تغيرت موازين القوى داخل ليبيا.

بناءً على ذلك، فإن زيارة إبراهيم قالن إلى بنغازي لا تعني أن تركيا تصالحت بالكامل مع معسكر حفتر، ولا تعني أنها تخلت عن طرابلس، بل تعكس فقط تغييراً في أسلوب التعامل.

بمعنى أبسط، يبدو أن أنقرة وصلت إلى قناعة جديدة مفادها أن المرحلة القادمة في ليبيا لن تُدار بالاعتماد على طرف واحد، بل عبر التعامل المتوازن مع جميع الأطراف.

وإذا استمر هذا النهج، فقد نشهد دوراً تركياً أكثر مرونة واتساعاً في ليبيا، بحيث يتجاوز الصراع الداخلي، ليصبح جزءاً من التنافس الأوسع على النفوذ في البحر المتوسط وشمال إفريقيا.