"الكورفيت".. ما دلالات تصدير تركيا سفينة حربية لدولة في الاتحاد الأوروبي؟

منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

لأول مرة في تاريخها، صدرت تركيا سفينة حربية إلى دولة عضو في حلف شمال الأطلسي “ناتو” والاتحاد الأوروبي، وهي الكورفيت "كونترا أميرال أوغوست رومان" من فئة "هيسار"، التي تم بناؤها بالكامل في تركيا وتم تسليمها للبحرية الرومانية.

وتعليقا على هذا التطور، نشرت صحيفة "إندبندنت" بنسختها التركية مقالاً للكاتب التركي جُوكتوغ تشالشكان، تناول فيه الدلالات الإستراتيجية المهمة لمراسم تسليم السفينة في إسطنبول، وذلك ضمن زيارة الرئيس الروماني نيكوشور دان إلى تركيا ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان.

ويشير هذا التطور، بحسب الكاتب، إلى أنه يتجاوز كونه مجرد صفقة تجارية، ليعكس التحول العميق الذي شهدته الصناعات الدفاعية التركية خلال العقدين الأخيرين.

وأضاف أن حضور الرئيسين أردوغان ودان مراسم التسليم، ثم انتقالهما مباشرة إلى محادثات ثنائية، أضفى بعداً سياسياً واضحاً على هذا الحدث الصناعي والعسكري.

وتناولت أجندة اللقاء قضايا تتعلق بأمن البحر الأسود، وتعزيز الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، وحماية البنية التحتية الحيوية، إضافة إلى التحضيرات الخاصة بقمة الناتو في أنقرة.

ومع ذلك، يؤكد الكاتب أن فهم الدلالة الحقيقية لهذا الحدث يتطلب أولاً العودة إلى طبيعة السفينة نفسها وسياق إنتاجها. 

قرار إستراتيجي 

وذكر الكاتب التركي أن سفينة "كونترا أميرال رومان" هي نِتاج عملية اختيار معقدة، كانت قد قامت فيها رومانيا بمراجعة عشرات العروض المقدمة من شركات أوروبية وأميركية قبل أن تستقر على العرض التركي.

وهنا يطرح السؤال نفسه؛ هل كان القرار سياسياً؟ الإجابة تكمن وفق المعطيات المطروحة، وهي أنّ القرار كان سياسياً بشكلٍ جزئيّ، لكنه في جوهره كان قراراً اقتصادياً وتقنياً بالدرجة الأولى. 

فقد قدمت تركيا عرضاً تنافسياً من حيث التكلفة، إلى جانب سرعة في التنفيذ والتسليم، فضلاً عن ملاءمة التصميم لظروف البحر الأسود، وهذه الميزات هي ما منحها أفضلية واضحة في عملية الاختيار.

وتأتي هذه الصفقة في سياق أمني بالغ الحساسية بالنسبة لرومانيا، التي تُعد دولة مطلة على البحر الأسود وعضواً في الناتو، حيث واجهت منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا ضغوطاً متزايدة لتحديث قدراتها البحرية بشكل عاجل. 

فقد أصبحت الأَساطيل القديمة المتبقية من الحقبة السوفيتية غير قادرة على تلبية المتطلبات الدفاعية الحالية، ما خلق فجوة إستراتيجية احتاجت بوخارست إلى سدها بسرعة، وقد نجحت السفينة التركية في تقديم حل عملي لهذه الحاجة الملحة.

وقد شددت رومانيا في تصريحاتها الرسمية على أن السفينة جاءت من "شريك إستراتيجي قوي" هو تركيا، وهو توصيف يحمل دلالة سياسية مهمة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية، ليعكس اعترافاً بموقع تركيا المتقدم في معادلات أمن البحر الأسود.

وأردف الكاتب أنه لا يمكن فهم هذه الصفقة بمعزل عن التحول التاريخي الذي شهدته الصناعة الدفاعية التركية. ففي مطلع الألفية، كانت تركيا تعتمد بنسبة تقارب 80 بالمئة على الاستيراد في مجال التسليح، ما جعلها في موقع المستهلك التكنولوجي وليس المنتج.

لكنّ هذا الواقع بدأ يتغير جذرياً مع إنشاء رئاسة الصناعات الدفاعية، وإطلاق برامج تطوير المنصات المحلية، وإشراك القطاع الخاص في مشاريع الدفاع، إضافة إلى اعتماد سياسة ممنهجة تستهدف رفع نسب التوطين وتحقيق أهداف تصديرية.

مع مرور الوقت، تحولت تركيا من دولة تعتمد على الخارج في تلبية احتياجاتها الدفاعية إلى دولة قادرة على تصميم وإنتاج وتصدير الأنظمة العسكرية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والسفن الحربية. 

وتعد سفينة "كونترا أميرال رومان" أحد أبرز تجليات هذا التحول، خصوصاً في المجال البحري الذي يتطلب قدرات هندسية وتقنية عالية التعقيد.

من جهةٍ أخرى، فإنّ بيع دولة عضو في الناتو معدات عسكرية لدولة عضو أخرى لا يُعَدّ أمراً جديداً من الناحية الشكلية. فقد سبق لفرنسا أن باعت فرقاطات لليونان، كما قامت ألمانيا ببناء غواصات لصالح النرويج، وتمتلك إسبانيا سجلاً طويلاً في تصدير الأنظمة البحرية داخل الحِلف.

لكنّ دخول تركيا هذا المجال يحمل خصوصيته، وذلك ليس فقط بسبب حداثة تجربتها التصديرية، بل أيضاً بسبب السياق السياسي الذي أحاط بتطور صناعتها الدفاعية.

فقد تزامن هذا التحول مع توترات داخل الناتو، ومع أزمة شراء تركيا لمنظومة S-400 الروسية عام 2019، وما تبعها من استبعاد أنقرة من برنامج المقاتلات F-35. وقد أدى ذلك إلى دفع تركيا نحو تسريع تطوير قدراتها الذاتية في الصناعات الدفاعية.

ورغم الجدل السياسي حول هذه التطورات، فإن النتيجة العملية واضحة؛ لقد باتت تركيا قادرة على إنتاج منصات عسكرية متقدمة وتصديرها إلى دول داخل الحلف نفسه.

من هذا المنظور، تحمل الصفقة رسالة متعددة الأبعاد؛ قُدرة على الاستقلال التكنولوجي، وإثبات الكفاءة الصناعية، وفي الوقت ذاته محاولة لإعادة تثبيت موقع تركيا كشريك موثوق داخل المنظومة الغربية.

تأثير مباشر

وأوضح الكاتب التركي أنّ اللقاء بين الرئيسين أردوغان ودان لم يكُن محصوراً في إطار مراسم التسليم، بل امتد ليشمل ملفات إستراتيجية أوسع؛ من أبرزها أمن البحر الأسود، وحماية البنى التحتية الحيوية، وإدارة ملف الهجرة، إلى جانب التحضيرات لقمة الناتو في أنقرة.

ونجد أنّ ملف البحر الأسود يكتسب أهمية خاصة، ذلك نظراً لدور تركيا المنظم لحركة العبور عبر مضيق البوسفور والدردنيل بموجب اتفاقية مونترو، وهو ما يمنحها تأثيراً مباشراً على التوازنات البحرية في المنطقة.

في المقابل، تمثل رومانيا أحد أهم أركان الناتو على الضفة الغربية للبحر الأسود، ما يجعل التنسيق بين البلدين عنصراً أساسياً في إدارة الأمن الإقليمي، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.

وإنّ إدراج هذه القضايا ضمن إطار مراسم تسليم "سفينة حربية" يعكس تحولاً في طريقة توظيف تركيا لِأدواتها الدفاعية، حيث لم تعد الصناعات العسكرية مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبحت جزءاً من أدوات السياسة الخارجية.

وأضاف الكاتب أنّ هذا الحدث يأتي في توقيت بالغ الأهمية، إذ تقترب قمة الناتو في أنقرة، حيث ستلعب تركيا دور الدولة المضيفة إلى جانب كونها لاعباً فاعلاً في قطاع الصناعات الدفاعية داخل الحِلف.

في هذا السياق، يصبح تسليم سفينة إلى دولة عضو في الناتو حدثاً ذا دلالة سياسية محسوبة، حيث يهدف إلى تعزيز صورة تركيا داخل الحلف، وإعادة بناء الثقة التي تأثرت خلال السنوات الماضية بسبب خلافات سياسية وتقنية. 

كما يعكس هذا الحدث توجهاً واضحاً لدى أنقرة نحو استخدام الصناعات الدفاعية كأداة دبلوماسية، وليس فقط كقطاع إنتاجي أو اقتصادي.

وتابع: يمكن القول إنّ تركيا تتعامل اليوم مع صناعاتها الدفاعية بصفتها أداة إستراتيجية لإعادة التموضع في النظام الدولي، وليس فقط كمجال صناعي مستقل. 

فالمسيّرات في ساحات القتال، والغواصات المصنوعة محلياً، وتصدير السفن الحربية إلى دول حليفة، كلها تمثل أجزاءً مترابطةً من إستراتيجية واحدة تهدف إلى تعزيز النفوذ الإقليمي والدولي.

في هذا السياق، تمثل سفينة "كونترا أميرال رومان" نقطة رمزية بارزة في هذا المسار، إذ لا تعكس فقط قدرة إنتاجية، بل تعكس أيضاً انتقال تركيا إلى مرحلة متقدمة من النضج في مجال تصدير الصناعات الدفاعية.

مع ذلك، فإن هذا المسار لا يزال في طور التوسع، حيث تشير المؤشرات إلى احتمالية توقيع عقود إضافية مع رومانيا، وتطوير شراكات طويلة الأمد في مجالات الصيانة والتشغيل والتدريب، فضلاً عن احتمال تطور تعاون أوسع في إطار الأمن البحري في البحر الأسود.