ماهر يونس.. رحيل يطوي 40 سنة بسجون الاحتلال وحرية قصيرة مُطاردة

حسن عبود | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بعد ثلاث سنوات ونصف السنة على خروجه من سجون الاحتلال الإسرائيلي، رحل الأسير المحرر ماهر عبد اللطيف يونس فجر 5 يوليو/تموز 2026، حاملًا خلفه سيرة استثنائية في الذاكرة الفلسطينية.

فقد أمضى هذا الرجل من فلسطينيي 1948، أربعين سنة خلف القضبان ثم عاش سنواته القليلة خارجها تحت الملاحقة والتحقيق ومصادرة المال والتهديد بسحب الجنسية الإسرائيلية.

ورغم خروجه من المعتقل، ظل يونس مثقلًا بمعاناة من بقي من رفاقه في الزنازين الإسرائيلية، وظل حتى رحيله صوتًا لقضية الأسرى وشاهدًا على مسار لم تنته فيه الملاحقة بانتهاء المحكومية.

ابن الداخل المحتل 

ولد ماهر يونس في 6 يناير/كانون الثاني 1958 في قرية عارة داخل أراضي عام 1948، في أسرة تضم خمس شقيقات وشقيقًا واحدًا. 

تلقى تعليمه في مدارس قريته، ثم في المدرسة الصناعية بمدينة الخضيرة، قبل أن يعتقل في 18 يناير 1983، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، على خلفية انتمائه إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”.

واصل ماهر تعليمه خلال الأسر وحصل على بكالوريوس في العلوم السياسية، وشارك في محطات الحركة الأسيرة ومعاركها، وحُرم من وداع والده الذي توفي سنة 2008، وكان أيضًا أسيرًا سابقًا أمضى سنوات في سجون الاحتلال.

بدأت قضية ماهر من ملف جمعه بابن عمه كريم وقريبهما سامي يونس، فقد وجهت إليهم النيابة العسكرية الإسرائيلية اتهامات مرتبطة بالانتماء إلى "فتح" وحيازة سلاح وقتل جندي إسرائيلي عام 1980. 

وقد افترق مسار سامي لاحقًا عن كريم وماهر؛ إذ أُفرج عنه في صفقة “وفاء الأحرار” عام 2011، وكان حينها أكبر الأسرى سنًا، قبل أن يتوفى بعد أربع سنوات من تحرره. وبقي كريم وماهر بعده في السجون حتى أنهيا محكوميتهما كاملة في يناير 2023.

وحكمت محكمة عسكرية إسرائيلية على ماهر وكريم وسامي وقتها بالإعدام شنقًا بزعم “خيانة المواطنة”، ثم خففت الحكم إلى المؤبد، قبل أن تحدد إسرائيل عام 2012 مدة المؤبد بأربعين عامًا.

بهذه الخطوة، ظهرت خصوصية الأسرى الفلسطينيين من الداخل؛ إذ استخدمت إسرائيل جنسيتها المفروضة عليهم كباب لتشديد العقوبة، بينما ظلوا في الوعي الفلسطيني جزءًا من الحركة الوطنية الأسيرة.

في مقابلة عقب الإفراج عنه، عاد ماهر إلى الفترة الأولى لأسره، وقال “عندما صدر حكم الإعدام ضدي ضحكت”، وقال: إن تلك العقوبة كانت محاولة مبكرة لكسره.

ووصف يونس الحرية بعد أربعة عقود بأنها “شعور لا يوصف”، لكنه ألحقها مباشرة بغصّة بقاء كثير من الأسرى في السجون، متحدثا عن ضرورة استمرار العمل من أجل تحرير الوطن. 

كما روى أن أصعب لحظة عاشها خلف القضبان كانت وفاة والده بعد سنة ونصف السنة من آخر رؤية له، وأن إدارة السجون كانت تمنع حتى الأطفال الصغار من زيارة أعمامهم وأخوالهم، في محاولة لإبقاء الأسير غريبًا عن عائلته وعزله عن وطنه.

قبل الإفراج عنه بيومين، بعث ماهر رسالة نقلتها محامية هيئة شؤون الأسرى والمحررين غيد قاسم، ونشرها موقع عرب 48، في 17 يناير 2023، قال فيها: إنه ينتظر لحظة يكون فيها حرًا بعد أن “ملّت الأيام والسنوات” وجوده خلف القضبان.

ووصف خروجه بأنه “ولادة من جديد”، ثم وضع الفرح في مكانه الحقيقي حين قال إنه ينتظر حريته “بكل حزن وألم”؛ لأنه سيترك خلفه رفاقه وإخوته الذين عاش معهم الصعاب والأفراح والأحزان. وكانت تلك الرسالة مفتاحًا لمواقفه اللاحقة؛ إذ خرج من السجن وهو يرى نفسه امتدادًا لمن بقي فيه.

قصة ماهر وكريم

ارتبط اسم ماهر باسم كريم يونس حتى صار ذكر أحدهما يستدعي الآخر، إذ اعتُقل الراحل بعد ابن عمه بأيام قليلة وعاشا تجربة واحدة تقريبًا في السجن والحكم والحرمان وحتى الإفراج.

لم تكن العلاقة بينهما عائلية فقط، بل صارت مع السنوات قرابة قيد وذاكرة، حتى تحولا إلى اسمين ثابتين في ملف “عمداء الأسرى” الفلسطينيين، خاصة من الداخل المحتل. 

فقد دخلا السجن شابين من عارة وخرجا منه بعد تبدل أجيال كاملة خارجهما، بينما بقي اسماهما حاضرين في الوعي الفلسطيني بوصفهما شاهدين على أطول أحكام الأسر في سجون الاحتلال.

أُفرج عن الرجلين في يناير 2023، كريم أولًا ثم ماهر بعده بأسبوعين تقريبًا، وبعدما تشاركا طبقًا واحدًا داخل الزنزانة، جمعتهما مائدة واحدة في بيت عائلة الأخير عقب أربعة عقود.

وبعد وفاة ماهر، رثاه كريم بوصفه “رفيق العمر” و“رفيق القيد”، وهي عبارة تلخص قرابة الدم وتجربة الأسر معًا. وتكمن أهمية قصة الرجلين في موقعهما داخل ملف أسرى ما قبل اتفاق أوسلو للسلام 1993.

وأشارت مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في سبتمبر/أيلول 2023 إلى أن 104 أسرى كانوا معتقلين منذ ما قبل أوسلو عند استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في يوليو/تموز 2013، وأن اتفاقًا برعاية أميركية قضى بالإفراج عنهم على أربع دفعات.

نفذت إسرائيل ثلاث دفعات وعلقت الرابعة التي كان مقررًا تنفيذها في 29 مارس/آذار 2014، فبقي بعض الأسرى حتى أنهوا أحكامهم كاملة، ومنهم كريم وماهر يونس.

وكان معظم من بقي في الدفعة الرابعة من أسرى الداخل والقدس، وهو ما جعل الملف شاهدًا على هشاشة التفاهمات السياسية حين تصل إلى الأسرى الذين تحاول إسرائيل فصلهم عن بقية الحالة الفلسطينية. 

ولذلك فإن سيرة ماهر أوسع من قصة أسير طويل الحكم، فهو من فلسطينيي الداخل الذين بقيت قضيتهم في فجوة سياسية وقانونية متكررة، بين تصنيفات إسرائيلية تميز بين أسرى الضفة وغزة والقدس والداخل، وتفاهمات تفاوضية أخفقت في إطلاق الدفعة الرابعة. 

وهو ما يفسر نبرة ماهر بعد خروجه؛ إذ لم يكن خطابه منصرفًا إلى استعادة حياة فردية فقط، رغم أن السجن حرمه الزواج والعائلة، بل إلى ملف الأسرى بوصفه معيارًا لوحدة الفلسطينيين أو تشتتهم.

ففي 20 يناير 2023، قال ماهر: إن أربعين سنة في الأسر كانت “مهرًا للعروس فلسطين”، وإن مهر حريتها غالٍ، متحدثًا عن تعطشه للعائلة والأطفال بعد سنوات منعته من الزواج وتأسيس بيت، قائلًا: إن المرأة هي المجتمع والأولاد هم المستقبل. 

ملاحقة ومصادرة

عقب الإفراج عنه، خرج ماهر وكانت والدته وداد في استقباله بعد أن زارته طوال عقود في 36 معتقلًا إسرائيليًا، لكنه توجه قبل وصوله إلى البيت إلى قبر والده الذي توفي في 2008.

بالتزامن، عقد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، اجتماعات مع قادة الشرطة لمنع مظاهر الاحتفال، وهددت الأخيرة عائلته باقتحام منزله إذا نصبت خيمة استقبال أو رُفع العلم الفلسطيني أو سُمعت الأهازيج الوطنية، ووصلت القيود إلى منع توزيع الحلوى وشواء اللحوم.

في ذلك اليوم، قال ماهر: إن السلطات الإسرائيلية حاولت تنغيص الفرحة، لكنه أوضح أن “العلم الفلسطيني موجود في قلوبنا والوطن في عقولنا”، مضيفًا أن الإجراءات الإسرائيلية لن تمنع الفرح. 

ووجه ماهر وقتها نداءه الأوضح للفصائل والقيادة الفلسطينية، قائلًا: إن “الأسرى يتذمرون من خلافاتكم”، داعيًا إلى وقف الانقسام الداخلي وحماية الشعب الفلسطيني. مؤكدا أن القضية تواجه تحديات مفصلية تفرض تجاوز الخلافات وتعزيز المصالحة.

وحذر المحرر الراحل من أن الحركة الأسيرة كانت تعيش حالة ترقب بسبب إجراءات سلطات السجون الجديدة ضد الأسرى، والتي قال: إنها قد تقود إلى انفجار وتمرد داخل السجون. 

لم تتركه أجهزة أمن الاحتلال طويلًا بعد الإفراج، فقد حققت الشرطة الإسرائيلية معه عقب ثلاثة أيام فقط من خروجه بدعوى “التحريض”، مستندة إلى وقوفه خلف منشور على فيسبوك، وفق ما نشرت هيئة البث العبرية “كان”.

وبعد أيام من الإفراج عنه، نشر موقع عرب 48 في 26 يناير 2023 أن وزير الجيش الإسرائيلي وقتها يوآف غالانت وقع أمرًا بالاستيلاء على 500 ألف شيكل (نحو 170 ألف دولار) ومركبة تعود لعائلتي كريم وماهر.

وداهمت شركة الاحتلال منزليهما وصادرت الأموال والمركبة، وذلك بزعم تلقيهما مخصصات مالية من السلطة الفلسطينية.

اتخذت الملاحقة لاحقًا بعدًا قانونيًا أخطر، فقد أوضح مركز عدالة القانوني الفلسطيني في حيفا، في 10 فبراير/شباط 2026 أن قانون سحب المواطنة والإقامة لعام 2023 يسمح بإبعاد فلسطينيين إلى الضفة الغربية أو قطاع غزة إذا تلقوا دعمًا ماليًا خلال فترة الأسر.

وعدّ المركز ذلك معيارًا عقابيًا يستهدف الفلسطينيين ويفتح الباب أمام سحب الجنسية الإسرائيلية منهم ومقدمة من أجل التهجير الدائم.

وقال موقع عرب 48: إن ماهر يونس كان أحد المستهدفين بالقانون وإنه تلقى قبل وفاته بأسابيع إخطارًا رسميًا بقرار سحب الجنسية الإسرائيلية منه بموجب قرار صادر عن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وأن المحامي خالد محاجنة كُلف بتقديم طعن قانوني.