أي دور ينتظر سوريا في مرحلة ما بعد التفاهم الأميركي الإيراني؟

"حكومة الشرع تسعى إلى جذب الاستثمارات وإنهاء العزلة"
بثغرات إستراتيجية، تركت مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية الموقعة في 17 يونيو/حزيران 2026، النزاعات الجوهرية في الشرق الأوسط بلا حل.
جاء ذلك في تحليل للباحث الأميركي-الإسرائيلي، خوسيه ليف ألفاريز، نشره "منتدى الشرق الأوسط"، وهو منصة أميركية متخصصة في شؤون المنطقة.
وألفاريز باحث متخصص في السياسات الأمنية بالشرق الأوسط، ومن قدامى المحاربين متعددي اللغات في القوات الخاصة الإسرائيلية والجيش الأميركي.

"شيك على بياض"
وذكر ألفاريز أن الاتفاق فتح نافذة دبلوماسية هشة مدتها 60 يوما، بينما بقي البرنامج النووي الإيراني ومستقبل لبنان دون حل.
وأضاف أن على واشنطن استغلال هذه الفرصة لتحقيق مكسب واحد لما وصفه بـ"أمن إسرائيل واحتواء إيران".
وحدد هذا المكسب بمنع سوريا من العودة طريقا لتهريب السلاح الإيراني إلى "حزب الله".
وأوضح ألفاريز أن المحادثات والاتفاقات مع دمشق أمر منطقي، لكنه حذّر من “تكرار الخطأ الأميركي القديم المتمثل في افتراض أن الانخراط مع دمشق يعني تغيّر سلوك النظام”.
وأضاف أن حكومة الرئيس أحمد الشرع، تسعى إلى جذب الاستثمارات واكتساب الشرعية وإنهاء العزلة، مقدرا أن “سوريا لا تزال دولة هشة وممزقة”، وفق وصفه.
ورأى ألفاريز أن تعهدات الحكومة بإبعاد إيران "خطوة مرحّب بها، لكنها لا تكفي لإثبات حدوث تحول فعلي".
وأفاد بأن “المنتقدين محقون حين يقولون إن واشنطن لا تستطيع أن تثق بحكومة شكّلها متمردون سابقون، لكنه استدرك بأن القضية ليست الثقة، بل امتلاك أدوات النفوذ”.
ولذلك، أوصى ألفاريز بأن “تحوّل الولايات المتحدة هذه الفجوة إلى شروط واضحة وقابلة للتطبيق”، بدلا من منح ما وصفه بـ"شيك على بياض".
ورأى أن هذا النهج هو الفارق بين الدبلوماسية الحقيقية وما أسماه "الخداع الذاتي الإستراتيجي المكلف".
وأشار ألفاريز إلى أن إيران أنفقت على مدى عشر سنوات نحو 50 مليار دولار لدعم نظام بشار الأسد، مضيفا أنه قبل سقوط هذا النظام "المتعطش للدماء" في ديسمبر/كانون الأول 2024، كانت طهران وأذرعها الإقليمية تسيطر على 131 موقعا عسكريا في أنحاء سوريا.
وأوضح أن هذه المواقع أبقت الممر البري عبر العراق وسوريا مفتوحا لنقل الأسلحة ومكونات الصواريخ والمخدرات، خصوصا حبوب الكبتاغون، والعناصر الإيرانية إلى لبنان.
ولفت إلى أن زعيم حزب الله نفسه أقرّ بأن سقوط الأسد كلّف الحزب خط إمداده، مؤكدا أن على واشنطن أن تضمن استمرار هذا الانقطاع إلى الأبد.

ورقة تفاوض
وأوضح ألفاريز أن "النفوذ الاقتصادي لا يكون فاعلا إلا إذا ارتبط بأداء فعلي على أرض الواقع".
وأشار إلى أنه بعد رفع واشنطن العقوبات عن سوريا في يوليو/تموز 2025، أُبرمت اتفاقات استثمارية تجاوزت قيمتها 35 مليار دولار، ونما الاقتصاد السوري بنسبة 5 بالمئة خلال ذلك العام، وعاد ثلاثة ملايين سوري إلى بلادهم.
ورأى أن هذه المؤشرات لا تثبت أن رفع العقوبات جلب الاستقرار، ولا تعفي دمشق من الوفاء بالتزاماتها الأمنية، لكنها تُظهر، بحسب تعبيره، أن لدى قادتها ما يخسرونه، "بما يمنح واشنطن ورقة يمكن استغلالها للضغط عليهم".
وفي هذا السياق، رأى ألفاريز أن روسيا تمثل عاملا رئيسيا، إذ لا تزال تحتفظ بحضور عسكري واسع في قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية.
وأضاف أنها استأنفت تزويد قواتها في سوريا بالإمدادات، وتسعى إلى ترسيخ دور أكثر حضورا مع دمشق، مشيرا إلى أن طرطوس توفر لها موطئ قدم مهما في البحر المتوسط، بينما تدعم حميميم عملياتها الجوية خارج سوريا أيضا.
وحذّر من أن أي اتفاق يُخرج الشبكات الإيرانية، لكنه يُبقي لروسيا وجودا عسكريا دائما، لن يكون سوى استبدال عبء إستراتيجي بآخر.
وانطلاقا من ذلك، أوصى ألفاريز بإنشاء مجموعة عمل أمنية أميركية-سورية مشتركة، تتضمن جدولا زمنيا واضحا لإخراج العناصر الإيرانية.
وشملت توصيته أيضا إخراج ما تبقى من بنية تحتية "إرهابية" أجنبية، ومستودعات الأسلحة، وطرق العبور.
وشدد ألفاريز على أن الامتثال يجب أن يُتحقق منه عبر صور الأقمار الصناعية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الشركاء، وعمليات تفتيش ميدانية حيثما أمكن، إلى جانب تقييمات علنية منتظمة.
كما دعا إلى ربط المساعدة التقنية الأميركية والتسهيلات الاقتصادية الإضافية بمراحل تنفيذ واضحة، بحيث لا تُمنح إلا بعد استيفاء المعايير المحددة.
وفي توصيته الثانية، أوصى ألفاريز بأن تُيسّر واشنطن محادثات أمنية تقنية بين ضباط سوريين وإسرائيليين لتحديث ترتيبات فض الاشتباك المنصوص عليها في اتفاق فصل القوات لعام 1974.
ورأى أن هذه المحادثات ينبغي أن تتناول أمن جنوب سوريا، واستئصال "الإرهابيين" الأجانب، وإنتاج الصواريخ، وآليات منع أي تصعيد عرضي، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام "التطبيع".
وأضاف أن من شأن هذه الإجراءات أيضا الحد من قدرة روسيا على توسيع حضورها العسكري في البحر المتوسط.
واختتم ألفاريز بالقول إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى مهمة مفتوحة الأمد في سوريا، بل إلى صفقة تبادلية تقوم على منح فرص إعادة الإعمار والاستثمار والشرعية مقابل تحقق مؤكد من منع عودة إيران وتقييد التغلغل الروسي.
ودعا واشنطن إلى المطالبة بـ"النتائج قبل تقديم المكافآت، وجعل كلفة عودة إيران إلى سوريا أعلى مما تستطيع دمشق تحمله".


















