الدبيبة وحفتر.. هل تنهي واشنطن الانقسام في ليبيا عبر شرعنة حكم العائلتين؟

"لا شيء في سجل صدام حفتر أو والده يوحي باستعداد لتقاسم السلطة"
عبر صفقة دبلوماسية، تسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء الانقسام الليبي، غير أن هذه الصفقة في جوهرها تُشرعن حكم عائلتين تتقاسمان مؤسسات الدولة.
وأوضحت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية أن ليبيا لا تزال غارقة في اختلال مؤسسي، ففي الشرق، تهيمن عائلة خليفة حفتر على مؤسسات الدولة، فيما تسعى عائلة الدبيبة في الغرب إلى ترسيخ نفوذها.
جاء ذلك في تحليل للباحث تيم إيتون؛ الزميل الأول في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد "تشاتام هاوس".
انخراط أميركي
وأشار إيتون إلى أن صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ووريثه المرتقب، التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، وأفاد بيان وزارة الخارجية بأن الرجلين ناقشا "الجهود الليبية الجارية لتوحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية".
ولم يُعلن عن صفقة، لكن استقبال حفتر في واشنطن شكّل خطوة ذات دلالة، وفق المقال.
ومع ذلك، حرصت إدارة دونالد ترامب على التأكيد أن خططها لا تقتصر على الجمع بين عائلتي حفتر والدبيبة.
وقال مسعد بولس، المستشار الأول للرئيس ترامب لشؤون إفريقيا، لصحيفة "فاينانشال تايمز": إن الخطة تقوم على "إقامة حكومة موحدة واحدة وتوحيد جميع المؤسسات".
غير أن إيتون رأى أن التوحيد وفق الشروط التي طرحها بولس يُشرعن عمليا حكم العائلتين.
وأضاف أنه رغم تقديم الخطة بوصفها مرحلة انتقالية تدعم خريطة طريق أممية تتضمن انتخابات، فإن الأرجح أن تسعى العائلتان إلى تأبيد مواقعهما، متجاهلتين تطلعات الليبيين إلى التغيير السياسي.
ورأى أن صفقة كهذه ستعني نهاية أي جهود انتقالية وتصعيدا للصراع بين العائلتين الحاكمتين.
ونقل المقال عن مصدر مطلع أن الصفقة المطروحة تقضي بأن يحتفظ الدبيبة بمنصب رئاسة الوزراء، فيما يتولى حفتر رئاسة المجلس الرئاسي.
ورغم أن التشكيلة ستشمل أطرافا أخرى، منها عضو عن الغرب وآخر عن الجنوب في المجلس الرئاسي الثلاثي، فإن القوة الفعلية ستبقى في يد العائلتين.
ولفت إيتون إلى أن رئاسة المجلس الرئاسي تمنح صاحبها صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ما يوفر لصدام حفتر منصة لتوسيع نفوذ قواته نحو غرب ليبيا.
وقد أخفقت هذه القوات في السيطرة على طرابلس خلال الفترة من 2019 إلى 2020، حين تكاتفت الفصائل المسلحة الغربية بدعم تركي لصد هجومها.
وأوضح أن لا شيء في سجل صدام حفتر أو والده يوحي باستعداد لتقاسم السلطة أو رغبة فيه، مرجحا أن يستخدم حفتر هذا المنصب نقطة انطلاق لفرض سيطرة شاملة.
وفي المقابل، سعت عائلة الدبيبة منذ توليها السلطة عام 2021 إلى تركيز الصلاحيات في مكتب رئاسة الوزراء. فتحت إشراف إبراهيم الدبيبة، ابن شقيق رئيس الوزراء ومستشاره للأمن القومي، توسع المكتب بشكل كبير ووُضعت تحت مظلته 94 مؤسسة حكومية تدير موارد مالية ضخمة.
وإن كان الاستمرار في السلطة التنفيذية مكسبا كبيرا، فإن حل الحكومة الشرقية المنافسة التي تعمل في ظل حفتر سيحرمه ورقة ضغط أساسية.
غير أن إيتون استدرك بأن الاحتفاظ بمنصب رئاسة الوزراء لن يكون كافيا في حد ذاته لعائلة الدبيبة، فهم يحتاجون ضمانات بأن قوات حفتر ستبقى في ثكناتها، وهو ما لم يُبدِ حفتر أي اهتمام به.
وتساءل المقال عما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم هذه الضمانات، وعما إذا كان حفتر سيقبل بها لو قُدمت، مقدرا أن كلا الاحتمالين مستبعد.
ويزيد من تعقيد المشهد أن عائلة الدبيبة تنحدر من مصراتة، المدينة القوية في غرب ليبيا التي تتبنى موقفا متشددا ضد حفتر.
وذكر إيتون أن هذا المشهد بعيد كل البعد عن وعود عام 2011، حين أطاح الليبيون بالزعيم معمر القذافي بدعم جوي من حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودول خليجية، وأجروا انتخابات عام 2012.
لكن الخلاف حول المشاركة في النظام السياسي الجديد تصاعد وأفضى إلى اندلاع حرب ثانية عام 2014، أفرزت حكومتين متنافستين في الشرق والغرب.
وفي الشرق، بدأت عائلة حفتر بناء قواتها عبر حملة دامية في بنغازي اتخذت بعدا عرقيا جزئيا، فيما غرق الغرب في صراعات فصائلية أتاحت لتنظيم الدولة السيطرة على مدينة سرت.
وكانت حكومة الوحدة الوطنية حين تولت السلطة عام 2021 أول حكومة وطنية موحدة منذ سبع سنوات، لكنها لم تدم طويلا؛ فقد أدى انهيار الانتخابات المقررة في ديسمبر/كانون الأول 2021 إلى ظهور حكومة منافسة أخرى، ولا تزال ليبيا حتى اليوم بحكومتين.

عودة العائلات
ولفت إيتون إلى أنه "لا يبدو أن أيا من الأطراف الليبية، بما في ذلك العائلتان نفساهما، مقتنع بهذه الصفقة حتى الآن".
وأفاد بأن مبادرة بولس أثارت موجة غضب لدى كثير من الليبيين الذين يرون فيها تمهيدا لعودة حكم العائلات، من دون اقتناع بأن تقاسم السلطة سيمتد فعليا إلى ما وراء شبكتي العائلتين. ونقل عن قائد مؤسسي بارز وصفه الصفقة بأنها "نهاية الآمال الديمقراطية لليبيا".
وبخصوص صفقة الميزانية، أوضح إيتون أن جهود بولس في تشكيل حكومة موحدة أعقبت اتفاقا أميركيا بشأن ميزانية موحدة جديدة.
وبلغت قيمة الميزانية المُعلنة في 11 أبريل/نيسان 30.1 مليار دولار، وهي أول اتفاق ميزانية موحدة رسمي منذ عام 2014.
ومثّل الاتفاق إنجازا دبلوماسيا مهما، لأنه تجاوز المؤسسات الليبية المتنافسة وارتكز على صفقة مباشرة بين إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر.
وأوضح الباحث أنه قبل عام 2021، كان الشرق والجنوب ينتجان النفط والغاز، وتتولى المؤسسة الوطنية للنفط بيعه في الأسواق الدولية، ثم تحوّل العائدات إلى مصرف ليبيا المركزي؛ حيث تتفاوض الأطراف كلها على حصصها من الإيرادات.
لكن بدءا من عام 2022، تحوّل هذا الوضع حين وسّعت المؤسسة الوطنية للنفط عمليات مقايضة النفط الخام مقابل الوقود لتمويل دعم الوقود، فضلا عن تسوية ديون مع شركاء عبر مقايضات نفطية مباشرة.
وأشار إلى أن بيانات مصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة تدل على أن هذه الآليات "خارج الدفاتر" أخفت ارتفاعا هائلا في الإنفاق الحكومي، من 18.5 مليار دولار عام 2021 إلى أكثر من 50 مليار عام 2024، ما سهّل موجة غير مسبوقة من تحويل أموال الدولة.
وأضاف أن صفقة الميزانية ليست هبة مجانية، إذ يتعين على النخب الليبية خفض نحو 40 بالمئة من نفقات عام 2024 للالتزام بشروطها، وهو مطلب ثقيل من المرجح أن يفاقم التوترات بين العائلتين.
وعلى صعيد المصالح الأميركية، لفت إيتون إلى أن بولس سهّل بالفعل عودة شركة "شيفرون" وروّج لفرص استثمارية في ليبيا، غير أنه أوضح أن تحسين الحوكمة الاقتصادية شرط لازم لدخول شركات أميركية في عقود طويلة الأمد تتطلب استثمارات ضخمة.
وبدلا من استخدام صفقة الميزانية جسرا فوريا لتشكيل حكومة جديدة، أوصى إيتون الولايات المتحدة بتوظيف أوراقها الضاغطة لإلزام الأطراف الليبية بتعهداتها.

الأوراق الرابحة
في هذا السياق، أشار إلى أن واشنطن تملك أوراقا رابحة تشمل فرض قيود مستهدفة على السيولة لتقييد الوصول إلى الدولار، وصولا إلى عقوبات فردية إن لم تلتزم النخب بنصيبها من الاتفاق.
وأقرّ بأن الانغماس في العمل الفني لتطبيق الميزانية لن يوفر لبولس عناوين كبرى يقدمها للبيت الأبيض، لكنه سيُقلّص هيمنة العائلتين عبر تضييق وصولهما إلى الإيرادات واختراقهما مؤسسات الدولة، ما يعزز موقف واشنطن التفاوضي.
وأضاف أنه لو شُكلت حكومة حفتر-الدبيبة، فإنها ستُفرغ صفقة الميزانية من مضمونها وتسمح للحكومة الجديدة بوضع ميزانيتها الخاصة، ما يعني القضاء على أي استقلالية مؤسسية متبقية خارج دائرة العائلتين، كما سينقل الصراع بينهما إلى داخل الحكومة بدلا من حله.
وأكد الباحث أن عدم وجود صفقة مطلقا هو أفضل من عقد صفقة سيئة.
ومن بين المبادرات الممكنة، أشار إيتون إلى تفعيل المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي، التي تتيح للأمم المتحدة قيادة عملية تشكيل حكومة موحدة جديدة.
وختم إيتون بأن على الولايات المتحدة أن تتعظ من سجلها في المراهنة على أفراد في دول تعاني من النزاعات، مستشهدا بتجربتي حامد كرزاي في أفغانستان ونوري المالكي في العراق اللتين تؤكدان أن إقامة حكم فردي على حساب تقوية المؤسسات مآلها الفشل.
وقال: إن التجربة الليبية تُظهر أن "النخب الليبية تأكل الجزرة، أما العصا فلا تُشهر في وجهها أبدا"، مؤكدا أن تغيير هذه المعادلة شرط لنجاح الدبلوماسية الأميركية ولبقاء أي نظام يتجاوز حكم العائلات.

















