عسكر بوركينافاسو يقطعون العلاقات مع فرنسا ويمدون أيديهم لإسرائيل.. ما القصة؟

"تسعى إسرائيل لاستقطاب أصوات الساحل الإفريقي لصالحها في الأمم المتحدة"
بالتزامن مع قطع علاقاتها مع مستعمرها السابق فرنسا، بدأت بوركينافاسو تتجه نحو تعزيز التعاون مع الكيان الإسرائيلي، في خطوة أثارت جدلا بشأن خلفياتها وأهدافها السياسية.
وفي 26 يونيو/حزيران 2026، تسلّم رئيس بوركينافاسو، النقيب إبراهيم تراوري، أوراق اعتماد سيمون سيروسي سفيرًا فوق العادة ومفوضًا للكيان الإسرائيلي لدى بلاده، في وقت تشهد فيه منطقة الساحل الإفريقي إعادة تشكيل واسعة لتحالفاتها وعلاقاتها الخارجية.
حضور جدلي
وقالت رئاسة بوركينافاسو، في منشور عبر فيسبوك: إن العلاقات بين الطرفين تستند إلى اتفاقية عامة للتعاون الاقتصادي والعلمي والفني والثقافي، إلى جانب إطار مؤسسي للتعاون لم يدخل حيّز التنفيذ حتى الآن.
وسيتولى سيروسي، المقيم في ساحل العاج، مهامه سفيرًا غير مقيم لدى بوركينافاسو، إلى جانب توغو وبنين، ضمن تحرك إسرائيلي يهدف إلى توسيع الحضور الدبلوماسي في غرب إفريقيا.
ويأتي اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد في توقيت حساس؛ إذ تزامن مع إعلان واغادوغو إنهاء تعاونها العسكري مع فرنسا، في خطوة تعكس التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل منذ وصول مجالس عسكرية إلى الحكم في عدد من دولها.
ومنذ توليه السلطة، سعى تراوري إلى إعادة صياغة السياسة الخارجية لبلاده، والابتعاد تدريجيًا عن النفوذ الفرنسي التقليدي، بالتوازي مع البحث عن شركاء جدد في مجالات الأمن والتنمية والاقتصاد.
وفي هذا الإطار، يندرج استمرار العلاقات مع إسرائيل ضمن سياسة تنويع الشراكات التي تتبعها بوركينافاسو، رغم أن مستوى التعاون بين الطرفين لا يزال محدودًا مقارنة بعلاقات إسرائيل مع دول إفريقية أخرى.
وكان النقيب إبراهيم تراوري قد برز على الساحة السياسية في بوركينافاسو خلال عام 2022، وسط أزمة أمنية وسياسية حادة، نتيجة تصاعد هجمات الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمات متطرفة في مناطق واسعة من البلاد، إلى جانب تنامي الانتقادات الشعبية للحكومة بسبب عجزها عن وقف التدهور الأمني.
وقبل وصوله إلى السلطة، كان تراوري ضابطًا في الجيش البوركيني، قبل أن يقود في سبتمبر/أيلول 2022 تحركًا عسكريًا أطاح برئيس المجلس العسكري آنذاك بول هنري داميبا الذي كان قد تولى الحكم قبل أشهر قليلة إثر انقلاب أطاح بالرئيس المنتخب روك مارك كريستيان كابوري في يناير/كانون الثاني من العام نفسه.
وفي اليوم نفسه لاستقبال السفير الإسرائيلي، قرر نظام إبراهيم تراوري قطع العلاقات الدبلوماسية مع باريس.
وجاء في بيان تم بثه على التلفزيون الوطني يوم الجمعة في 26 يونيو 2026، "أبلغت حكومة بوركينا فاسو الرأي العام الوطني والدولي أنها اتخذت قرارا بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الفرنسية بدءا من 26 يونيو 2026".
وأدان المجلس العسكري "النشاط المتواصل للنظام القائم في فرنسا ضد مصالح بوركينا فاسو، والطموحات الاستعمارية الجديدة المعلنة بدعم نشط من الشبكات التخريبية والإرهابيين الذين يسببون الحزن للبلاد ومنطقة الساحل.
ومنذ توليه السلطة، عمل تراوري على إعادة صياغة علاقات بلاده الخارجية، والابتعاد تدريجيا عن النفوذ الفرنسي التقليدي، مع البحث عن شركاء جدد في مجالات الأمن والتنمية والاقتصاد.
وفي هذا السياق، يمثل استمرار العلاقات مع إسرائيل جزءا من سياسة تنويع الشراكات التي تنتهجها بوركينافاسو، رغم أن طبيعة التعاون بين الطرفين ما تزال محدودة مقارنة بعلاقات إسرائيل مع دول إفريقية أخرى.

فوضى إقليمية
على الجانب العبري، ذكر موقع "i24news" في تحليل في 29 يونيو 2026، أن تعيين سفير إسرائيل لدى بوركينافاسو، يأتي في وقت تسعى فيه تل أبيب إلى تعميق علاقاتها مع عدة دول إفريقية ومنطقة الساحل.
وأوضح المصدر ذاته أن التحرك الإسرائيلي يأتي في سياق إقليمي يتسم بعدم الاستقرار الأمني ومكافحة الجماعات المسلحة.
وذكر الموقع أن "هذه الزيارة في إطار ديناميكية أوسع للتقارب بين إسرائيل وبعض الدول الساحلية". مشيرا إلى أن مالي دخلت منذ عدة أشهر في مناقشات سرية مع إسرائيل، بدعم من الإمارات العربية المتحدة والمغرب، وفق تعبيره.
ونبه إلى أنه لم يصدر حتى الآن أي إعلان رسمي في هذه المرحلة بشأن الطبيعة الدقيقة للتبادلات بين واغادوغو وإسرائيل، ولا بشأن أي اتفاقات دبلوماسية أو أمنية محتملة.
وبالنسبة لإسرائيل، يقول الموقع، "قد يحقق تعزيز وجودها في منطقة الساحل عدة أهداف: تطوير شراكات إستراتيجية جديدة، تعزيز التعاون الأمني، وترسيخ نفوذها في القارة الإفريقية".
وأردف، ومن الجانب البوركيني، قد تندرج هذه اللقاءات أيضا في إطار الرغبة في تنويع التحالفات الدولية، في وقت يواجه فيه البلد تهديدا إرهابيا مستمرا ويبحث عن شركاء جدد في المجالات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، يرى المختص في العلاقات الدولية آدم مقراني، أن إسرائيل تتوفر على حضور في المنطقة؛ حيث أعادت علاقاتها مع التشاد، وتعمل بدعم إماراتي وأميركي لتعزيز حضورها في منطقة الساحل.
وأوضح مقراني في تحليل لإذاعة "EXPRESSFM" التونسية في 4 يوليو/تموز 2026، أن إسرائيل كانت في بوركينافاسو منذ 1960 ثم تم قطع العلاقات معها إبان حرب 1973.
وذكر أن المجموعة العسكرية الحاكمة تنتهج البرغماتية؛ حيث تسعى للتقارب الدبلوماسي مع تركيا وإيران، وفي نفس الوقت تحاول الاقتراب من إسرائيل بغية الاستفادة منها في الجانب التقني، وخاصة في موضوع الفلاحة والمياه وأيضا الاستعلامات والأمن.
ونبَّه مقران إلى أن بوركينافاسو تتخذ من علاقاتها مع إسرائيل مدخلا للاستفادة من الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما ما تعلق بالخبرة الأمريكية في الجانب الاستخباراتي والمعلومات المتوفرة عن المجموعات والقوى المسلحة.
وأشار إلى أن بوركينافاسو تعيش وضعية اقتصادية صعبة، ولذلك تحاول تطمين الجانب الأميركي بالاقتراب من إسرائيل، في الوقت الذي تعزز فيه علاقاتها مع روسيا.
تطبيع إفريقي
في السياق، يرى الكاتب والصحفي فاضل كي، أن خطوة بوركينافاسو تأتي في ظلّ سعي بعض الدول الإفريقية إلى التعامل مع إسرائيل، خاصة في المجالات الدبلوماسية والأمنية والزراعية.
ونبَّه كي لـ "الاستقلال" إلى مسؤولية الدول العربية والإسلامية في هذا النهج، نظرا لكون عدد منها يقيم علاقات تطبيع مع تل أبيب.
ويعتقد الناشط المدني والإعلامي أن جل الحكومات في القارة الإفريقية تبرر الوجود الإسرائيلي في دولها بأن معظم الدول العربية قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
ومما يؤكد هذا الترابط بين الأمرين، يردف كي، أن الدول الإفريقية التي سبق أن قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني قطعتها دعما للدول العربية الصديقة، واستنكارا لجرائم إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
من جانبه، قال الخبير في الشأن الإفريقي، محمد لمين سوادغو: إن علاقة النقيب إبراهيم تراوري بالكيان الصهيوني تتسم بما يمكن وصفه بـ"البراغماتية الصارمة وتحول التحالفات الجيوسياسية".
وذكر سوادغو في منشور عبر حسابه على فيسبوك في 30 يونيو 2026، أنه في الوقت الذي يتبنى تراوري خطابا سياسيا وطنيا مناهضا للاستعمار الغربي التقليدي، خاصة النفوذ الفرنسي، ويتجه بقوة نحو تعزيز علاقاته مع روسيا وغيرها من الشركاء الدوليين، فإنه يعتمد في الوقت نفسه سياسة تنويع الشركاء في الملفات الأمنية والتقنية الحساسة.
وأشار إلى أن تراوري استقبل السفير سيمون سيروسي في القصر الرئاسي بكولوبا في واغادوغو ضمن مراسم دبلوماسية جماعية شملت تسلم أوراق اعتماد ثمانية سفراء لدول مختلفة، من بينها المملكة العربية السعودية، وإندونيسيا، ومنظمة فرسان مالطا السيادية، وغيرها.
وذكر أن هذا الاستقبال جاء في سياق سعي واغادوغو إلى إظهار انفتاحها الدبلوماسي وتفنيد سردية العزلة الدولية التي رافقت إنهاء الوجود والنفوذ الفرنسي في البلاد.
ومع ذلك، يقول سوادغو، "موقفي الشخصي من الكيان الصهيوني لم يتغيّر، نتبرأ منه، هو كيان مجرم محتل، مارس الاجرام على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الإسلامية، ونعارض التطبيع معه وتواجده في إفريقيا؛ لأنه يمثل قوة استعمارية ظالمة".
وأشار إلى أن "الكيان الصهيوني يمتلك علاقات دبلوماسية مع أكثر من 40 دولة إفريقية، ولكنه يدير هذه العلاقات عبر شبكة تمثيل محدودة جداً لتوفير النفقات، حيث يبلغ عدد سفاراته المقيمة وسفرائه الفعليين الموجودين داخل القارة الإفريقية 12 سفيرا، يتوزعون على 12 سفارة".
تنافس على المكاسب
في قراءته للحدث، ذكر "مركز الشرق الأدنى للدراسات الأكاديمية"، أن الدوافع الإسرائيلية لتطوير العلاقات مع القارة السمراء أعمق من مجرد المكاسب الاقتصادية، لا سيما مع الهزات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة في العقدين الماضيين.
وأبرز المركز في تقرير نشر في 05 يوليو 2026، أن انطلاق ثورات الربيع العربي مثل هزّة مفاجئة وعميقة للبيئة الأمنية الإسرائيلية، مشيرا إلى أن تداعيات الربيع العربي حملت خطرين رئيسين محدقين بإسرائيل: سقوط أنظمة عربية حليفة، وصعود الحركات الإسلامية إلى السلطة في عدد من بلدان الثورات.
وأبرز أن تنامي الحضور الإيراني في إفريقيا، مثل حافزا لتل أبيب لتطوير إستراتيجية إفريقية مضادة، تضمنت حملة دبلوماسية مكثفة استهدفت عددا من الدول في مناطق من القارة.
وذكر أن المساعدات التنموية تمثل إحدى أدوات الدبلوماسية الناعمة الإسرائيلية في إفريقيا؛ حيث كثفت وكالات التنمية الرسمية والجمعيات الخيرية الإسرائيلية أنشطتها في القارة، وعلى رأسها الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي (ماشاف).
وقال التقرير: إن إسرائيل استخدمت كذلك المعدات والتقنيات العسكرية والأمنية لتوثيق علاقاتها مع دول القارة الإفريقية التي تشهد العديد من التحديات في هذا المجال.
وأضاف، كما أسهمت أدوات التجسس الإسرائيلية في تقلص الحيز المدني وتعزيز الاستبداد في إفريقيا؛ حيث تربط تقارير استقصائية بين برنامج بيغاسوس سيئ السمعة واستهداف ناشطين وصحفيين وسياسيين في دول كرواندا وغانا وتوغو وكينيا، التي تدعم المطالب الإسرائيلية في الحصول على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي.

وبالنظر إلى الضرر العميق الذي أصاب صورة إسرائيل نتيجة حرب الإبادة على قطاع غزة، يقول المركز، فإن من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة تكثيفا لحملات تل أبيب الدبلوماسية في القارة السمراء، مستهدفة كسب الدعم لسياساتها وتوطيد نفوذها، ومحاصرة خصومها الأفارقة وعلى رأسهم جنوب إفريقيا التي قادتها إلى المحاكمة أمام محكمة العدل الدولية في سابقة تاريخية.
وبشأن اعتماد السلطة في بوركينافاسو لسفير إسرائيلي، يضيف التقرير، فتبدو الخطوة كبديل مرتقب للوصول إلى واشنطن وتخفيف عزلة بوركينافاسو بعد قطع العلاقة مع باريس وإخفاق الرهان على موسكو في مواجهة الحركات الإرهابية بالساحل.
واسترسل، كما يعكس رغبة من السلطة البوركنابية في المساعدات العسكرية الإسرائيلية، وتعزيز التعاون التكنولوجي، معتبرا أن هذه المساعي لا تعني بالضرورة نجاح بوركينافاسو في تحقيق أهدافها، فقد سبق للسلطة العسكرية الرهان على موسكو غير أن الوجود الروسي في الساحل لم يحقق أهدافه المرجوة.
ومن جهة أخرى، يقول التقرير، "تسعى إسرائيل لتعزيز نفوذها في الساحل بعد نفوذها في القرن الإفريقي من خلال صوملاند في ظل التنافس الدولي المحتدم على المنطقة لإيجاد موطأ قدم تعزز به حضورها في التفاعلات الجارية بالساحل".
وأردف، كما تسعى إسرائيل لاستقطاب أصوات الساحل الإفريقي لصالحها في الأمم المتحدة، وفك العزلة الدولية عنها التي فرضتها انتهاكاتها بغزة.


















