العراق.. لماذا طالت حملة الزيدي شخصيات بعينها وغابت عنها أسماء كبرى؟

بعض قادة الإطار التنسيقي اعترضوا على حملة الزيدي ضد الفساد
أثارت الحملة التي يقودها رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، جدلاً واسعاً في العراق، بعدما أطاحت بشخصيات متهمة بالفساد دون غيرها، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل عن مدى جدية استهداف الفساد الذي استشرى في البلاد منذ عام 2003، وابتلع نحو تريليوني دولار أميركي.
الحملة التي أُطلق عليها اسم "صولة الفجر"، نفذتها القوات الأمنية العراقية في 28 يونيو/حزيران 2026، حيث شنت مداهمات فجراً في أنحاء المنطقة الخضراء شديدة التحصين في بغداد، إلى جانب مناطق خارج العاصمة، أسفرت عن اعتقال 47 نائباً ومسؤولاً حكومياً.
ومن بين الموقوفين علي معرج البهادلي، نائب وزير النفط لشؤون التوزيع، وزعيم تحالف العزم (السني) مثنى السامرائي، وعدد من النواب المرتبطين بصورة رئيسة برئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، كما ضُبطت ملايين الدولارات نقداً، فضلاً عن مصوغات ذهبية.
وبحسب السلطة القضائية العراقية، فإن أوامر التوقيف بحق هؤلاء صدرت استناداً إلى شهادة عدنان الجميلي، نائب وزير النفط لشؤون التكرير ومدير مصافي الشمال، الذي اعتُقل في أواخر مايو/أيار، ويواجه اتهامات بالفساد والرشا والاختلاس في عقود بوزارة النفط.

"مسرحية الفجر"
رغم أن السلطة القضائية العراقية ربطت الشخصيات التي أطاحت بها "صولة الفجر" باعترافات عدنان الجميلي، فإن مصادر سياسية عراقية أكدت أن العملية كانت أقرب إلى "مسرحية"، مشيرة إلى أن معظم من جرى اعتقالهم كانوا على علم مسبق بموعد وصول القوات الأمنية، وهو ما سهّل هروب بعضهم.
وأكدت المصادر لـ"الاستقلال"، طالبة عدم الكشف عن هويتها، أن "مثنى السامرائي وصلته رسالة من جهات حكومية تفيد بأنه سيتم اعتقاله مع مجموعة من النواب بتهم تتعلق بالفساد، لكنه رفض الهروب، وأكد أنه ليس لديه ما يخشاه، وبقي في جلسة مع عدد من نواب تحالفه".
وأوضحت أن "السامرائي كان يجلس في منزله بالمنطقة الخضراء مع النائبين محمد الكربولي ومحمود القيسي، إضافة إلى القيادي في تحالفه حيدر الملا، حيث جرى اعتقال الأول معه، فيما احتُجز الآخران قبل أن يُفرج عنهما بعد ساعة، لعدم ورود اسميهما ضمن قوائم التوقيف".
ولفتت إلى أن "الاعتقال كان يشمل رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، لكنه دفع نحو 500 مليون دولار، بعدما ساومته الحكومة، كون عدنان الجميلي اعترف على النائب سنان الجميلي، المنتمي إلى حزب (تقدم) الذي يرأسه الحلبوسي، بصفته حلقة الارتباط والمسؤول المالي للحزب".
وتوقعت المصادر أن "يتم الإفراج عن السامرائي خلال الأيام المقبلة، وأنه يتواصل مع مقربين منه ويُعامل معاملة جيدة داخل المعتقل، إذ أُطيح به بصفته رئيس تحالف سني، يُعد الحلقة الأضعف، بهدف الاستعراض الإعلامي".
وتساءلت المصادر عن أسباب عدم اعتقال أي زعيم شيعي، رغم أن السلطة بيد القوى الشيعية منذ عام 2003 وحتى اليوم، وعلى رأسها رئيسا الوزراء السابقان نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، إلى جانب عدد من قادة المليشيات المسلحة.
واستبعدت المصادر أن يُعتقل أي زعيم شيعي، مقدرة أن الحملة الحالية "مسرحية" تهدف إلى إيهام الولايات المتحدة بأن الزيدي يكافح الفساد، وذلك قبيل زيارته المرتقبة إلى واشنطن في منتصف يوليو/تموز الجاري، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سعياً للحصول على دعم سياسي.
وفي السياق، قال عمر الكروي، شقيق النائب السني المعتقل مضر الكروي، إن شقيقه تلقى، قبل ساعات من المداهمة، اتصالاً من جهة سياسية نافذة حذرته من إدراج اسمه ضمن قوائم الاعتقال، إلا أن موقفه كان واضحاً ولا لبس فيه: "لن أهرب، ولن أغادر، وأنا مستعد لأي لجنة تحقيقية تطرق بابي".
وأضاف الكروي، في تدوينة على "فيسبوك" بتاريخ 29 يونيو/حزيران، أن "ما أثار علامات استفهام كبيرة هو اعتقاله مع اثنين من أبنائه القُصّر (دون سن 18 عاماً)، في إجراء يثير تساؤلات جدية حول ملابساته ودوافعه، خصوصاً مع التأكيد على عدم العثور على أي أموال أو مستندات تدينه أو تشير بشكل مباشر إلى اتهام واضح بحقه".
وما يعزز فرضية وجود علم مسبق لدى بعض النواب بصدور أوامر قبض بحقهم، هو فرار حسين مؤنس، النائب عن كتلة "حقوق" التابعة لمليشيا "كتائب حزب الله"، قبل وصول القوات الأمنية لاعتقاله.
وفي هذا السياق، علّق الإعلامي العراقي يوسف التميمي قائلاً: "يبدو أن حسين مؤنس كان من بين الأسماء المطلوب اعتقالها في حملة يوم أمس، وبحسب ما يتردد، فإن الطلب جاء بضغط أميركي، لكن القوة المنفذة لم تعثر عليه".
ورجح التميمي، في تدوينة نشرها عبر منصة "إكس" بتاريخ 28 يونيو/حزيران، أن موعد العملية وطبيعتها تسرّبا إليه مسبقاً، وربما من داخل حكومة الزيدي نفسها، ما أتاح له فرصة الاختفاء قبل وصول القوة الأمنية.
وأضاف أن "اعتقال من تم اعتقالهم يوم أمس قد يكون إنجازاً ثانوياً لا أساسياً؛ فالهدف الأكثر أهمية، على ما يبدو، أفلت من العملية، بينما جرى تسويق ما حدث بوصفه ضربة أمنية كبيرة".
"ضياع الفرصة"
وفي السياق، نقلت صحيفة "ذي ناشيونال"، في تقرير لها، عن مصادر (لم تسمها) قولها: إن "الدراما" التي أحاطت بهذه الحملة، ومشاهد العربات المدرعة في شوارع بغداد، تستهدف تصوير الزيدي كشريك موثوق، لا سيما بالنسبة للولايات المتحدة.
ونقل تقرير الصحيفة، المنشور في 30 يونيو/حزيران، عن الباحث في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، حارث حسن، قوله: إنه "ليس من المستغرب أن تطلق الحكومات العراقية الجديدة حملات لمكافحة الفساد في مستهل ولايتها، إلا أن هذه الجهود سرعان ما تفقد زخمها مع مرور الوقت".
ورأى حسن أن "ما يميز هذه الحملة هو أنها تتمتع، على ما يبدو، بدعم قوي من المستويات العليا في السلطة القضائية، وتأتي في ظل ضغوط خارجية متزايدة وتحديات اقتصادية متفاقمة".
وبحسب الصحيفة، فإن حملة "مكافحة الفساد" توجه "رسالة إلى واشنطن وشركاء دوليين آخرين مفادها أن الدولة العراقية، بدلاً من الدخول في منافسة مع أطراف سياسية أو مسلحة، تتولى زمام المبادرة في فرض المحاسبة".
وبينما أشار التقرير إلى أن الخبراء يرون أن مدى عد ذلك "جهداً حقيقياً لمكافحة الفساد" يعتمد على هوية الأشخاص المعتقلين والفصائل التي يمثلونها، نقل عن حارث حسن ترجيحه أن "العراق يشهد فصلاً آخر من صراعات النخبة على السلطة وسياسات التجاذبات الفئوية".
وكشف حسن أن "رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني يبدو الخاسر الأكبر ظاهرياً، رغم أنه لا يزال من المبكر استخلاص استنتاجات قاطعة".
واختتم حسن بالقول: إن التوقعات تشير إلى أن "هذه الحملة ستتوقف بمجرد أن تبدأ تكلفتها السياسية أو الأمنية أو المؤسسية في التزايد بشكل ملموس"، مضيفاً أن "المعطيات الراهنة تشير، مع ذلك، إلى احتمالية تنفيذ اعتقالات إضافية".
وفي المقابل، رأى الخبير الاقتصادي العراقي زياد الهاشمي، في تدوينة عبر منصة "إكس" بتاريخ 1 يوليو/تموز، أن "الحكومة العراقية فقدت زخم الهجوم على الفساد، ودخلت الآن مرحلة الدفاع بعد محاولتها اليتيمة لمكافحة شبكة السرقة والفساد".
ورأى الهاشمي أن "عنصر المفاجأة يُعد عاملاً حاسماً في نجاح أي خطة، وهو ما استغلته الحكومة في حملتها قبل أيام، لكنها ركزت على صغار الفاسدين، ما ضيّع فرصة الاستفادة من عنصر المفاجأة للإيقاع بكبار الفاسدين".
وتابع: "الآن أصبحت شبكة الفساد أكثر حذراً واستعداداً لأي حملات جديدة، وهو ما يصعّب مهمة الحكومة في استكمال عملها وتحقيق نتائج مهمة ضد هذه الشبكة ورعاتها".
وأضاف الهاشمي: "ليس هذا فحسب، بل يبدو أن الطبقة السياسية انتفضت لتعطيل جهود الحكومة في حملتها ضد الفساد، والضغط لوقفها، والاكتفاء بما تحقق، وعدم توسيع نطاق الاستهداف".
ورأى الخبير أن رئيس الحكومة "فقد فرصة ذهبية كان يمكن أن يحقق من خلالها نتائج باهرة، لكنه أضاعها وترك كبار السراق أحراراً يمارسون ضغوطهم على الحكومة، ويرسلون مُسيّراتهم إلى مواقعه لتعويق عمله، بحجة حماية النظام القائم وعدم إضعافه بحملات مكافحة الفساد".
وشكك الهاشمي في أن "تتكرر أو تتوسع حملات الحكومة المقبلة؛ إذ لو تكررت، فستواجه العديد من الصعوبات، وستكون فاقدة لعنصر المفاجأة، وستحقق نتائج شكلية دون مستوى الطموح، لتستمر شبكات الفساد حية، لكنها هذه المرة ستكون أكثر حيطة وحذراً".
"جندي الإصلاح"
وسط ردود الفعل الصاخبة، تدخل رجل الدين الشيعي المؤثر مقتدى الصدر، مؤيداً للزيدي، قائلاً: إن حملته تمثل "إصلاحاً بطولياً نأمل أن يستمر"، وذلك في تدوينة نشرها عبر منصة "إكس" في 29 يونيو/حزيران.
وجدد الصدر دعمه لجهود رئيس الوزراء من خلال رسالة قرأها مساعدوه خلال صلاة الجمعة، في 3 يوليو/تموز، واصفاً الحملة بأنها امتداد لنضال طويل من أجل الإصلاح، قائلاً: "لقد كنتم معي في السراء والضراء".
وأضاف المتحدث باسم الصدر، صلاح العبيدي، خلال خطبة الجمعة، نقلاً عن زعيمه: "دعونا نكمل مسيرتنا لدعم الإصلاح، وحملة الإصلاح الجديدة التي بدأ نورها يسطع في عراقنا الحبيب".
ودعا الصدر إلى دعم شعبي لجهود الحكومة، واصفاً رئيس الوزراء بأنه "جندي الإصلاح".
وفي إشارة إلى الضغوط التي يواجهها الزيدي، قال الصدر لأنصاره: "دعونا نعزز عزيمته ونضعف عزيمة الفاسدين الذين يحاولون الضغط عليه وردعه عن المداهمات الشجاعة والمثمرة التي أرعبت وأزعجت الكثيرين".
كما حذر من أن مسؤولية أي ضرر يلحق بالمصلحين تقع على عاتق خصومهم، مختتماً رسالته بالقول: "أُحمّل الفاسدين المسؤولية الكاملة عن أرواح المصلحين، وجنود الإصلاح، وجميع دعاة الإصلاح الذين يسعون إلى استعادة هيبة الأمة والدين والمذهب".
وبالتوازي مع الإجراءات المتسارعة التي يقودها الزيدي، ذكرت تقارير صحفية محلية أنه يواجه اعتراضات متزايدة من الأحزاب السياسية الشيعية الرئيسة بسبب حملته لمكافحة الفساد.
وبلغ التوتر ذروته عندما عقد قادة "الإطار التنسيقي" اجتماعاً مغلقاً في بغداد، في 29 يونيو/حزيران، ركزت جلساته بشكل شبه كامل على حملة رئيس الوزراء، حيث تصاعد التوتر خلال الاجتماع بعدما انتقد بعض القادة الطريقة التي نفذت بها الحكومة الحملة.
ونقل موقع "مدل إيست أونلاين" العراقي، في تقرير نشره بتاريخ 7 يوليو/تموز، عن نائب (لم يسمه) قوله: إن "الاعتراض الرئيس يتمثل في أن الحكومة لم تكن بحاجة إلى الاعتماد على القوات الخاصة والمركبات المدرعة والدبابات، وإغلاق المنطقة الخضراء في مشاهد مثيرة، وتشويه سمعة هذه الأسماء".
وأشار إلى أن "السوداني عدّ العملية هجوماً شخصياً، لأنها أسفرت عن اعتقال عدد كبير من النواب المنتمين إلى ائتلاف التنمية والإعمار الذي يتزعمه، كما أبلغ آخرون رئيس الوزراء بضرورة إطلاع القادة السياسيين مسبقاً على الاعتقالات، وهو طلب رفضه الزيدي".
وبحسب الموقع، اشتكى القادة من أن الاعتقالات نُفذت "من دون تشاور مسبق"، وأن التسريبات الإعلامية المتعلقة بالقضايا تضر بسمعة المتهمين قبل صدور أحكام قضائية بحقهم، مشيرين إلى أن بعض أفراد القوات الأمنية التقطوا صوراً ومقاطع فيديو لمنازل المعتقلين، وعرض بعضهم أفراداً من عائلاتهم.
وأكدوا أنهم يدعمون مكافحة الفساد من حيث المبدأ، لكنهم حذروا من أن العمل "الأحادي" قد يؤدي إلى تفكك الائتلاف الحاكم (الإطار التنسيقي)، وفقاً للموقع العراقي.
وفي المقابل، دعا الزيدي جميع العراقيين إلى الإبلاغ عن الأصول والأموال العامة المتحصلة من جرائم الفساد، للإسهام في كشفها واستردادها وإعادتها إلى الدولة، انطلاقاً من المسؤولية الشرعية والأخلاقية والوطنية، وحرصاً على حماية المال العام، التزاماً بما ورد في البرنامج الوزاري، وفق بيان صدر في 4 يوليو/تموز.
وتأتي حملة مكافحة الفساد في وقت لا يزال فيه العراق يحتل مرتبة متدنية في مؤشرات الفساد العالمية، إذ جاء في المرتبة 136 من أصل 181 دولة، وفق تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2025.


















