اختراق الحظر الجوي.. الطائرة الإيرانية تعيد رسم قواعد الصراع في اليمن

مصطفى كمال | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

شهدت الأزمة الناجمة عن اختراق الطائرة الإيرانية الثانية للحظر الجوي المفروض على مناطق سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) تصعيداً متنامياً، تجاوز حدود الخلاف حول إدارة المجال الجوي والسيادة اليمنية، ليتحول إلى واحدة من أخطر محطات الصراع منذ بدء التهدئة عام 2022. 

فبعد نجاح الطائرة الإيرانية الأولى في الوصول إلى اليمن، واصلت طهران تحدي القيود الجوية عبر تسيير رحلة ثانية، دفعت القوات المسلحة اليمنية إلى استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوطها، غير أن الطائرة تمكنت في نهاية المطاف من كسر الحظر الجوي والهبوط في مطار الحديدة غربي اليمن، في تطور مثّل سابقة جديدة في مسار الأزمة.

ولم تتوقف تداعيات الحادثة عند حدود الملاحة الجوية، بل سرعان ما امتدت إلى البعد العسكري، بعدما ردت جماعة الحوثيين على استهداف مدرج مطار صنعاء بإطلاق صواريخ بالستية باتجاه الأراضي السعودية، في أول هجوم من نوعه منذ سريان التهدئة.

وبذلك، تجاوزت أزمة الطائرة الإيرانية إطار الخلاف حول تشغيل الرحلات المدنية وإدارة المجال الجوي، لتتحول إلى اختبار حقيقي لمستقبل التهدئة، ومؤشر على احتمال انزلاق الصراع اليمني مجدداً نحو مسار التصعيد الإقليمي.

تطورات الأزمة

لم تكن حادثة الطائرة الإيرانية تطوراً مفاجئاً، بل جاءت تتويجاً لمسار متسارع من التصعيد السياسي والدبلوماسي بدأ مع إصرار الحوثيين على تشغيل رحلات مباشرة من إيران إلى مطار صنعاء عبر شركة ماهان إير، في مقابل تمسك الحكومة اليمنية بأن تنظيم حركة الطيران المدني وإدارة المجال الجوي من صميم اختصاصاتها السيادية، وأن أي رحلات دولية يجب أن تتم عبر القنوات الرسمية وبموافقتها المسبقة. 

وفي هذا السياق، أكدت الحكومة أنها لم تعترض على استمرار الرحلات المدنية من حيث المبدأ، بل عرضت تشغيلها عبر شركة الخطوط الجوية اليمنية، بما في ذلك استئجار طائرة وطنية لنقل الركاب من طهران، إلا أن هذا المقترح لم يحظ بقبول الجانب الحوثي والإيراني.  

ومع استمرار إيران في تسيير الرحلة، كثفت الحكومة اليمنية تحركاتها السياسية والدبلوماسية، محذرة من أن السماح لطائرة إيرانية بالوصول إلى صنعاء خارج إطار الدولة يمثل انتهاكاً للسيادة اليمنية وخرقاً للإجراءات المنظمة للملاحة الجوية، فضلاً عن كونه سابقة تمس احتكار الدولة لسلطة إدارة مجالها الجوي. 

في المقابل، تمسكت جماعة الحوثيين وإيران بمواصلة الرحلة، مقدرين أنها تأتي في إطار كسر القيود المفروضة على مطار صنعاء واستئناف الرحلات المباشرة إليه. 

وأمام إصرار الطائرة الإيرانية على مواصلة رحلتها، أعلنت القوات المسلحة اليمنية استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوطها، موضحة أن القرار جاء بعد اتخاذ إجراءات احترازية لإخلاء المطار ومحيطه حفاظاً على سلامة المدنيين، وأن الهدف من العملية كان منع استخدام المطار في استقبال رحلة اعتبرتها الحكومة غير قانونية. 

ورغم ذلك، لم تنته الأزمة عند هذا الحد، إذ تمكنت الطائرة لاحقاً من الهبوط في مطار الحديدة، لتتحول الواقعة إلى أول اختراق عملي للحظر الجوي المفروض على مناطق سيطرة الحوثيين، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر السياسي والعسكري بين مختلف أطراف الأزمة اليمنية.

مواقف الأطراف

الحكومة الشرعية: تعاملت الحكومة اليمنية مع حادثة الطائرة الإيرانية بوصفها قضية سيادية في المقام الأول، مؤكدة أن جوهر الأزمة لا يتعلق بتسيير رحلة جوية بقدر ما يتعلق بحق الدولة الحصري في إدارة مجالها الجوي وتنظيم الرحلات الدولية. 

ورأى مجلس القيادة الرئاسي أن إصرار إيران على تسيير رحلة مباشرة إلى صنعاء دون موافقة الحكومة يمثل انتهاكا صريحاً لسيادة الجمهورية اليمنية، وتحدياً لقرارات مجلس الأمن والاتفاقات المنظمة لحركة الطيران، محملاً جماعة الحوثيين المسؤولية عن محاولة فرض واقع جديد خارج مؤسسات الدولة. 

كما شددت الحكومة على أنها لم تعارض تشغيل مطار صنعاء للأغراض المدنية، وإنما رفضت تجاوز المؤسسات الرسمية، مؤكدة أنها قدمت بدائل تضمن استمرار الرحلات عبر شركة الخطوط الجوية اليمنية وفق الإجراءات القانونية المعمول بها. 

فيما قال وزير الدفاع الفريق الركن الدكتور طاهر العقيلي:" سنقوم بالتصدي والتعامل مع الطيران المعادي المنتهك للأجواء والسيادة اليمنية وبجميع الوسائل المتاحة حتى نلقن العدو درسا يسمع به القاصي والداني وتعلم به الاجيال القادمة". مضيفاً، "نحن في هذه اللحظة نقول نفد الصبر وعليه سنقوم بالرد المناسب على هذا العمل الغاشم الغادر".

أنصار الله (الحوثيون): تعاملت الجماعة مع وصول الطائرة الإيرانية باعتباره تحولاً سياسياً ورمزياً يؤسس لكسر القيود المفروضة على مطار صنعاء، وعدّت استهداف مدرج المطار إنهاءً فعلياً لمعادلة خفض التصعيد. ولم تكتفِ بإدانة العملية أو التصعيد الخطابي، بل سارعت إلى نقل الأزمة من المجال السياسي إلى الميدان العسكري، عبر استهداف مطار أبها السعودي بصواريخ بالستية ومسيّرات، في رسالة مفادها أن أي محاولة لمنع الرحلات الإيرانية ستقابل بتوسيع دائرة الصراع. 

كما شددت على استمرار الرحلات الجوية إلى صنعاء ورفضها الاعتراف بالقيود التي تفرضها الحكومة اليمنية والتحالف، في محاولة لتكريس واقع جديد في إدارة المجال الجوي، مدعوم بمعادلة ردع عسكرية.

إيران: من جانبها، تعاملت إيران مع الرحلة بصفتها خطوة مشروعة لاستئناف الرحلات الجوية إلى صنعاء، وحرصت على إبراز نجاح الطائرة في الوصول إلى اليمن بوصفه دليلاً على كسر القيود الجوية المفروضة على حلفائها. 

كما عكس الإصرار الإيراني على تسيير الرحلة، رغم التحذيرات المسبقة، تمسك طهران بالحفاظ على حضورها المباشر في الملف اليمني، وإرسال رسالة مفادها أن ترتيبات المجال الجوي في مناطق سيطرة الحوثيين لم تعد حكراً على الحكومة اليمنية أو التحالف العربي. 

قوات التحالف: بررت السعودية والتحالف العربي استهداف مدرج مطار صنعاء بأنه إجراء يهدف إلى منع هبوط طائرة اعتُبرت مخالفة للإجراءات المنظمة لحركة الطيران، مؤكدة أن العملية جاءت استجابة لطلب الحكومة اليمنية وفي إطار حماية سيادة الدولة ومنع فرض أمر واقع جديد في المجال الجوي اليمني. 

من جهة ثانية، أكد التحالف بأن قوات الشرعية هي من استهدفت مدرج مطار صنعاء، وأن إيران هي من تدفع بالحوثيين إلى المواجهة. وسبق للتحالف أن وجّه تحذيرات واضحة بشأن الرحلة الإيرانية، وأن استهداف المدرج جاء بعد استنفاد المسارات السياسية والدبلوماسية، في محاولة لمنع تحويل مطار صنعاء إلى منفذ جوي خارج سلطة الدولة اليمنية.

الأمم المتحدة: أعربت الأمم المتحدة عن قلقها من التطورات المتسارعة، داعية جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تقويض حالة التهدئة. وأكد المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ أنه أجرى اتصالات مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، محذراً من أن التصعيد المرتبط بملف الطيران قد ينعكس سلباً على جهود السلام، ويهدد المكاسب التي تحققت منذ توقف العمليات العسكرية الواسعة عام 2022. 

من أزمة الطائرة إلى حرب معلنة

لم يقتصر التصعيد على السجال السياسي عقب استهداف مدرج مطار صنعاء، بل سرعان ما انتقل إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين جماعة الحوثيين والتحالف السعودي. ففي أول رد حوثي، أعلن المتحدث العسكري للجماعة العميد يحيى سريع أن استهداف مطار صنعاء "لن يمر دون رد وعقاب"، متوعداً بأن "تتحمل الرياض عواقب عدوانها"، في أول إعلان صريح من الجماعة بربط استهداف المطار بالرد العسكري ضد السعودية. 

ولم تمضِ سوى ساعات حتى أعلن الحوثيون تنفيذ عملية عسكرية استهدفت مطار أبها الدولي بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مؤكدين أن العملية جاءت رداً على ما وصفوه بـ"الهجوم الظالم على مطار صنعاء الدولي". وقالوا إن "العدو السعودي بقراره الأرعن بالهجوم على مطار صنعاء الدولي يتحمل كامل المسؤولية والعواقب الوخيمة"، مؤكدين استمرار عملياتهم حتى "رفع الحصار عن مطار صنعاء الدولي"، موجهين تحذيراً إلى جميع شركات الطيران من عبور الأجواء السعودية، وأن عليها أخذ هذه التحذيرات "على محمل الجد". 

وفيما أعلنت السعودية عبر تحالف دعم الشرعية أن دفاعاتها الجوية تعاملت مع "تهديد باليستي" أطلقته الجماعة باتجاه المنطقة الجنوبية، اعتبرت أن الهجوم يمثل خرقاً جديداً لاتفاقات وقف إطلاق النار وتصعيداً يهدد الأمن الإقليمي. وقال المتحدث باسم التحالف اللواء تركي المالكي إن الدفاعات الجوية تعاملت مع الصواريخ الحوثية، محذراً من أن المملكة ستتعامل "بكل حزم وقوة غير مسبوقة" مع أي محاولات لاستهداف أراضيها أو مقدراتها الوطنية.

فيما حملت التصريحات الحوثية بعد الهجوم مؤشرات على إمكانية توسيع نطاق المواجهة، إذ تحدثت قيادات سياسية في الجماعة عن ربط جبهة البحر الأحمر بمضيق هرمز، في إشارة إلى استعدادها للانخراط في تصعيد إقليمي أوسع بالتنسيق مع إيران.

وتشير التطورات إلى أن ملف الملاحة الجوية اليمنية تحول من قضية إنسانية وسيادية إلى ورقة صراع عسكري وسياسي بين الأطراف المتنافسة، فبالنسبة للحوثيين، فإن السماح بالرحلات الإيرانية يمثل اختباراً لقدرتهم على كسر القيود المفروضة عليهم وفرض أمر واقع جديد، بينما ترى الشرعية والتحالف أن أي محاولة لفتح المجال الجوي خارج الترتيبات القائمة تمثل تهديداً أمنياً يمكن أن يعيد المواجهة إلى مسار التصعيد المفتوح. 

وبذلك باتت أزمة مطار صنعاء والطائرة الإيرانية نقطة اشتباك جديدة قد تؤثر على مسار التهدئة الهشة بين الرياض والحوثيين، وتعيد الصواريخ الباليستية إلى واجهة الصراع اليمني الإقليمي.

مأزق جماعة الحوثيين

تواجه جماعة أنصار الله (الحوثيون) واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ سنوات، بعدما وجدت نفسها أمام ضغوط داخلية وخارجية متزامنة تضعها فعلياً بين فكي كماشة. فعلى الصعيد الداخلي، يبرز الحشد القبلي غير المسبوق في مطرح الريان بمحافظة الجوف بقيادة الشيخ حمد بن فدغم، حيث تشير المعلومات إلى احتشاد نحو 128 قبيلة من مختلف المحافظات اليمنية، بمشاركة أكثر من 300 شيخ قبلي، في مؤشر على اتساع نطاق النكف القبلي وتحوله إلى تحدٍ يتجاوز البعد المحلي. 

كما لوّحت القبائل، المدعومة من الجيش الوطني، بأن أي مواجهة مقبلة لن تظل محصورة في الجوف، بل قد تمتد إلى مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما يرفع كلفة أي صدام محتمل على الجماعة.

في المقابل، كشفت أزمة الطائرة الإيرانية عن خطأ في الحسابات الاستراتيجية للحوثيين، بعدما اختاروا التوقيت الخطأ في إعادة تفعيل جبهة الصراع مع التحالف العربي في وقت يواجهون فيه ضغوطاً داخلية (قبلية) متصاعدة. 

فقد أدى الإصرار على كسر الحظر الجوي عبر الحليف الإيراني إلى إنهاء معادلة التهدئة مع السعودية، وإعادة فتح مسار التصعيد العسكري، في وقت يتعرض فيه الحليف الإيراني نفسه لضغوط إقليمية ودولية متزايدة، بما قد ينعكس على مستوى الدعم الذي يقدمه للجماعة.

وبالتالي، وضع الحوثيون أنفسهم أمام معضلة استراتيجية تتمثل في احتمال إدارة أكثر من جبهة في آن واحد، فالتصعيد الخارجي يقلص قدرتهم على التعامل بحسم مع الحشد القبلي، بينما يمنح استمرار التعبئة القبلية خصومهم ورقة ضغط داخلية يمكن أن تستنزف قدراتهم وتحد من حرية مناورتهم العسكرية والسياسية. 

ومن ثم، قد تجد الجماعة نفسها مضطرة إلى احتواء الأزمة القبلية عبر الوساطات أو تقديم تنازلات محدودة، لتجنب الانخراط في مواجهة متزامنة على الجبهتين الداخلية والخارجية، وهي معادلة قد تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجهها منذ اندلاع الحرب.

خيارات أطراف الصراع 

تكشف أزمة الطائرة الإيرانية أن الصراع في اليمن دخل مرحلة جديدة لم تعد تدور حول إدارة مطار أو تشغيل رحلة جوية، وإنما حول إعادة رسم قواعد السيادة وتوازنات القوة بين الحكومة الشرعية والحوثيين، مع حضور إيراني مباشر واحتمال عودة التحالف إلى سياسة الردع العسكري. 

وبالنسبة للحكومة الشرعية، تبدو الأولوية في تثبيت احتكار الدولة لقرار إدارة المجال الجوي ومنع تكريس أي واقع موازٍ لسلطتها، عبر الجمع بين الردع العسكري والتحرك الدبلوماسي لتدويل القضية باعتبارها انتهاكاً للسيادة اليمنية ولقرارات مجلس الأمن، مع استثمار الأزمة لإعادة تعزيز شرعيتها داخلياً وخارجياً. 

أما التحالف العربي، فيجد نفسه أمام معادلة دقيقة تقوم على الحفاظ على سياسة الردع ومنع ترسيخ موطئ قدم جوي لإيران في اليمن، مع تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة قد تعيد إنتاج مشهد المواجهة المفتوحة الذي ساد قبل التهدئة. 

في المقابل، يواجه الحوثيون معضلة إستراتيجية أكثر تعقيداً، فمواصلة تحدي القيود الجوية والتصعيد ضد السعودية قد تمنحهم مكاسب سياسية رمزية على المدى القصير، لكنها ترفع في الوقت ذاته احتمالات استنزافهم على أكثر من جبهة، خصوصاً مع تصاعد الضغوط القبلية الداخلية وتزايد الضغوط الواقعة على حليفهم الإيراني، وهو ما قد يدفعهم في نهاية المطاف إلى إعادة حسابات التصعيد أو القبول بتسويات تكتيكية تمنع انتقال الأزمة إلى مواجهة شاملة. 

وإذا استمرت إيران في تحدي القيود الجوية، وأصر الحوثيون على تحويل هذا التحدي إلى معادلة ردع عسكري ضد السعودية، فإن احتمالات انهيار التهدئة ستزداد بصورة كبيرة. أما إذا نجحت الضغوط الإقليمية والدولية في احتواء التصعيد، فمن المرجح أن تستمر التهدئة، ولكن وفق توازنات أكثر هشاشة وقواعد سيادية أكثر تشدداً مما كانت عليه قبل حادثة الطائرة الإيرانية.  

لقد بات مستقبل الأزمة متوقفاً على قدرة الحوثيين على "إدارة التناقضات". فإذا فشلوا في احتواء الحشد القبلي الداخلي بينما يستمر التصعيد مع التحالف، فسوف يواجهون خطر التفكك من الداخل والضرب من الخارج بما يهدد استمرار بقائهم كسلطة. أما إذا نجحت الوساطات، فستتحول الحادثة إلى مجرد "أزمة عابرة" تعيد تأكيد آليات الرقابة على المجال الجوي دون انهيار كامل للتهدئة.