"صولة الفجر".. هل تنجح في الإطاحة بأكبر رؤوس الفساد في العراق؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

استحضر تحليل نشرته مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية المشهد الختامي الشهير لفيلم "العراب" (The Godfather)، حين صفّى مايكل كورليوني خصومه واحدا تلو الآخر في اللحظة نفسها التي كان فيها ابنه يُعمَّد، مقدرا أنه من أبلغ المشاهد السينمائية لتوطيد السلطة وبناء نظام جديد على أنقاض القديم.

جاء ذلك في تحليل مشترك لتانيا غودسوزيان، الصحفية الكندية التي غطت أفغانستان والشرق الأوسط لأكثر من عقدين وتولت مناصب تحريرية بارزة من بينها رئاسة قسم الرأي في "الجزيرة" الإنجليزية، وإبراهيم المرعشي، الأستاذ المشارك في تاريخ الشرق الأوسط بجامعة كاليفورنيا الحكومية ومؤلف عدة كتب عن العراق والمنطقة.

حملة غير مسبوقة

وذكر الكاتبان أن العراق يبدو اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على ذلك الفيلم، يعيش "لحظة عرّاب" خاصة به.

فمنذ توليه رئاسة الحكومة في مايو/أيار 2026، أطلق، علي الزيدي، حملة غير مسبوقة استهدفت شخصيات في المؤسستين السياسية والإدارية، شملت تحقيقات في مليارات الدولارات المشتبه بسوء إدارتها، وامتدت إلى شبكات المسؤولين والبيروقراطيين والفاعلين السياسيين المستفيدين من نظام المحسوبية العراقي.

وأوضح الكاتبان أن القوى الخارجية رحّبت إلى حد كبير بهذه العملية التي أطلقت عليها القيادة العراقية اسم "صولة الفجر".

وأشارا إلى أن مسؤولين أميركيين وقطاعات من المجتمع الدولي ينظرون إليها بوصفها إشارة إلى أن بغداد ربما تواجه أخيرا الفساد الذي قوّض الحوكمة على مدى عقدين، وأن الصين، أحد أكبر شركاء العراق الاقتصاديين، لديها هي الأخرى أسباب للترحيب باستقرار مؤسسي أوسع.

ولفتا إلى أن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، المرتبط منذ زمن طويل بالنظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003، أشاد هو الآخر بحملة الزيدي على من وصفهم بـ"عبثوا بأموال الشعب العراقي"، وأن الزعيم الشيعي مقتدى الصدر أعلن دعمه لما سماه "حملة إصلاحية بطولية".

ورأى الكاتبان أن هذا يمثل انتصارا سياسيا كبيرا للزيدي؛ إذ صوّر أنصاره الحملة بوصفها المعركة الوطنية الكبرى المقبلة، ورسموا توازيا مع حرب العراق ضد "تنظيم الدولة".

ونقلا عن شبل الزيدي، رئيس "تحالف خدمات"، قوله إن "الحرب على الفساد لا تقل أهمية أو خطورة عن الحرب على الإرهاب".

وأوضح الكاتبان أنه منذ أطاح الغزو الأميركي بنظام صدام حسين البعثي عام 2003، تطور النظام السياسي العراقي إلى شبكة محسوبية معقدة غذّتها مليارات الدولارات المخصصة لإعادة الإعمار.

وأضافا أنه حين عُيّن سياسيون في مناصب وزارية، تحولت الوزارات في كثير من الأحيان إلى امتداد لأحزابهم، مليئة بالموالين لا بالتكنوقراط، فيما بنى من هم أدنى في الهرم الإداري شبكات محسوبية خاصة بهم استخدموها لفرض إتاوات ومنح عقود للحلفاء وابتكار أنظمة استخلاص غير رسمية.

ونقلا عن المحلل المغربي البارز المتخصص في شؤون الفساد، أبو بكر الجامعي، قوله: إن "الفساد ينبع من دفع أموال مقابل عدم إنفاذ القانون"، بمعنى أن الفساد يُموِّل تآكل سيادة القانون.

وأشار الكاتبان إلى أن أشكال الفساد في العراق ومناطق أخرى من الشرق الأوسط تشمل ممارسات استخلاص غير رسمية مربحة، وأن العراقيين العاديين عانوا من هذه التبعات لسنوات؛ إذ واجه المواطنون طلبات رشا لإنجاز معاملات إدارية بسيطة، بينما فرضت قوات أمنية وجماعات مسلحة أحيانا إتاوات عند نقاط التفتيش.

وأضافا أن مليارات الدولارات المخصصة لإعادة الإعمار والبنية التحتية والخدمات العامة تبخّرت داخل شبكات غامضة، وأبرز مثال على ذلك ما عُرف بـ"سرقة القرن".

وأوضحا أنه بين عامي 2021 و2022، جرى تحويل نحو 2.5 تريليون دينار عراقي (حوالي 1.9 مليار دولار) من هيئة الضرائب العراقية عبر سحوبات احتيالية شارك فيها ائتلاف من الشركات والمسؤولين، في فضيحة كشفت مدى تغلغل الفساد داخل مؤسسات الدولة.

عقد من الغضب

وذكر الكاتبان أنه قبل أكثر من عقد، اجتاحت احتجاجات مناهضة للحكومة معاقل الأحزاب المهيمنة في العراق، بما فيها العاصمة بغداد والبصرة والنجف وكربلاء والحلة، مدفوعة بالإحباط من الفساد وانقطاع الكهرباء والبطالة وتردي الخدمات العامة.

وأوضحا أن هذه الاحتجاجات تحدّت افتراض أن الغالبية الشيعية ستدعم تلقائيا النخب السياسية الشيعية، وأن الهوية الدينية المشتركة لم تكن كافية أمام مواطنين يواجهون حرارة تفوق 48 درجة مئوية من دون كهرباء موثوقة أو خدمات أساسية.

ولفتا إلى أن رئيس الوزراء آنذاك، حيدر العبادي، وجد في هذه الاحتجاجات إحراجا كبيرا، خصوصا أن "تنظيم الدولة" كان يتباهى بتقديم خدمات كالكهرباء المستقرة في مدينة الموصل، في توبيخ ضمني للدولة العراقية.

وأضافا أن العبادي ردّ بإطلاق سلسلة مبادرات لمكافحة الفساد، من بينها إنشاء هيئة عليا لمكافحته، لكن هذه الإجراءات عُدّت على نطاق واسع إصلاحات تجميلية أضافت طبقة بيروقراطية أخرى دون معالجة المشكلات البنيوية المتجذرة.

وأوضح الكاتبان أن نهج الزيدي مختلف بشكل واضح؛ إذ يبدو مستعدا لمواجهة تحدّي إصلاح نظام سياسي يقوم على مكافأة السياسيين العراقيين بالمناصب لمجرد انتمائهم العرقي والطائفي.

وأشارا إلى أن إدارة الزيدي، رغم استهدافها منافسين سياسيين، واجهت أيضا ضغطا من "مصرفي بغداد"، المبعوث الأميركي الخاص للعراق توم باراك، الذي اتهمته إدارة جو بايدن نفسها بقضايا مرتبطة بالفساد، ويمثل نمط الوسيط الأميركي الذي يدرك أين يكمن النفوذ المالي.

ونقلا عن الصحفي العراقي، جاسم العزاوي، وصفه لباراك بأنه "مفتاح التحكم الرئيس في الاقتصاد السياسي العراقي، يُدار من جنوب مانهاتن".

ورأى الكاتبان أن الاستخبارات الدولية وآليات المراقبة المالية أدّت على الأرجح دورا في كشف الشبكات المالية غير المشروعة؛ إذ يصعب نقل أكوام من العملة الأميركية دون ترك أثر، وأنه من المحتمل تماما أن تكون آليات الخزانة الأميركية وأنظمة التتبع المالي قد أسهمت في رصد معاملات مشبوهة.

وأوضحا أن "التحدي الأكبر أمام الزيدي هو أن الفساد جزء من بنية الدولة نفسها".

ونقلا عن المستشار السابق لرئيس وزراء العراق، علي مأمون، ما كتبه عام 2024 من أن الفساد في العراق ليس مجرد مسألة أفراد غير نزيهين، بل نظام مؤسسي متجذر داخل الأحزاب ومؤسسات الدولة وشبكات المحسوبية وتوزيع الموارد العامة، وأن اقتلاعه يتطلب إعادة النظر في الصفقة السياسية التي تحكم العراق منذ 2003.

جذر الفساد

وشبّه الكاتبان النظام العراقي بترتيب المحاصصة الطائفية اللبناني، موضحين أنّ هذا النموذج صُمم لمنع تجدد النزاع عبر ضمان التمثيل، لكنه أخفق إلى حد كبير في إنتاج حوكمة فعالة.

ونقلا عن كاوا حسن، من "مركز ستيمسون"، وصفه هذا النظام السياسي بأنه "الجذر الحقيقي للفساد" في العراق. 

وشدَّد على أن هذا النظام "أسس لاختطاف الدولة والنهب المنظم للموارد العامة"، وأنّه منذ 2003 مكّن الأحزاب من التعامل مع مؤسسات الدولة مصدرا للمحسوبية والإثراء.

ويخشى حسن أن تكون الحملة الحالية تستهدف "أعراض الفساد لا أسبابه". 

وقال: إنه لا يزال من المبكر الحكم على نجاح الحملة، لكن ما شوهد حتى الآن يُظهر أنها استهدفت إلى حدّ كبير سياسيين من الصف الثاني والثالث ونوابا برلمانيين ومسؤولين حكوميين، وتحديدا مجموعتين سياسيتين رئيسيتين: شخصيات مرتبطة بحكومة محمد شياع السوداني السابقة، وأعضاء حزب "العزم" بزعامة مثنى السامرائي.

وختم الكاتبان بأن الإجماع، حتى بين المتفائلين بالحملة، هو أن الزيدي لا يمكنه الاكتفاء باستئصال شخصيات فردية، بل عليه أن يحسم ما إذا كانت هذه الحملة تهدف إلى حماية نفوذه السياسي الخاص أم أنها محاولة حقيقية لتفكيك البنى التي سمحت للفساد بالازدهار.

وخلصا إلى أن السؤال المطروح أمام العراق هو ما إذا كان الزيدي سيتحوّل إلى مايكل كورليوني، زعيم يُوطّد سلطته بإقصاء خصومه مع ترك حلفائه بمنأى عن المساءلة، أم إلى قائد مستعد لتحدي النظام بأكمله، بمن فيهم من هم في القمة.