رغم مؤشرات الانفتاح بين البلدين.. لماذا تتحفظ مصر على سفير سوريا الجديد؟

"هناك موقف مصري مرتبط أساسا من الثورة السورية ونجاحها"
رغم المؤشرات المتزايدة على انفتاح مصري–سوري منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، لا تزال القاهرة تتعامل بحذر مع مسار إعادة بناء العلاقات مع دمشق.
خلال الأشهر الماضية، شهدت العلاقة بين البلدين حراكا سياسيا واقتصاديا متناميا، تمثل في تبادل الزيارات واللقاءات الرسمية، وفتح قنوات للتعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار، في ظل سعي الحكومة السورية الجديدة إلى كسر عزلتها الإقليمية وإعادة تموضعها عربيا.
ورغم هذه التطورات، فإن الانتقال من مرحلة التقارب السياسي إلى بناء علاقات دبلوماسية ومؤسساتية كاملة ما يزال يواجه تحديات وحسابات معقدة.
فمصر تراقب عن كثب مسار التحولات الداخلية في سوريا، وتتعامل مع الملفات المرتبطة بالأمن والاستقرار وإعادة الإعمار وفق مقاربة تقوم على التدرج وعدم التسرع في اتخاذ خطوات قد يصعب التراجع عنها لاحقا.
وفي هذا السياق، برز ملف تعيين سفير سوري في القاهرة بوصفه اختبارا مهما لمستوى الثقة المتبادلة بين الجانبين، ومدى استعدادهما للانتقال بالعلاقات إلى مرحلة أكثر رسوخا.
كما عكس هذا الملف حجم التوازنات السياسية والدبلوماسية التي تحكم العلاقة بين البلدين في مرحلة إقليمية تشهد تحولات متسارعة وإعادة رسم لخريطة التحالفات والاصطفافات العربية.

حذر سياسي
ويبدو أن مسار عودة العلاقات المصرية–السورية إلى طبيعتها بعد سقوط نظام بشار الأسد ما يزال محكوماً بحسابات سياسية وأمنية تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، رغم المؤشرات المتزايدة على رغبة الطرفين في تعزيز التعاون وفتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية مطلع يونيو/حزيران 2026 عن وجود تحفظات مصرية على عدد من أعضاء البعثة الدبلوماسية السورية المرشحين للعمل في القاهرة، الأمر الذي أدى إلى تأخير استكمال إجراءات مباشرتهم لمهامهم، وفي مقدمتهم السفير السوري المرشح محمد طه الأحمد.
ويشغل الأحمد منصب مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، كما سبق أن ترأس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري التي شكّلها الرئيس أحمد الشرع في يونيو/حزيران 2025.
ويحمل مؤهلات أكاديمية من جامعات سورية ومصرية، من بينها درجة الماجستير من جامعة القاهرة، كما شغل سابقاً مناصب وزارية في حكومة "الإنقاذ" التي أدارت مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" في إدلب قبل سقوط النظام السابق.
وبحسب مصدر مطلع على ملف العلاقات المصرية–السورية نقلت عنه الصحيفة، فإن دمشق رشحت الأحمد لمنصب سفيرها لدى القاهرة في ظل مرحلة من الاستقرار السياسي النسبي، غير أن السلطات المصرية أبدت عبر قنوات غير رسمية تحفظات على الاسم المطروح بسبب خلفياته السياسية، من دون إصدار رفض رسمي لترشيحه.
وأوضح المصدر أن تمسك الجانب السوري بالمرشح أدى إلى تعقيد بعض الإجراءات المرتبطة بتنظيم عمل البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة، رغم مشاركة الأحمد ضمن الوفد الرسمي الذي رافق وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال زيارته إلى مصر مطلع مايو/أيار 2026، وتوليه متابعة عدد من الملفات المشتركة بين البلدين.
وتعكس هذه التطورات طبيعة العلاقة الحالية بين القاهرة ودمشق، والتي تجمع بين الانفتاح التدريجي والحذر السياسي. فعلى خلاف عدد من الدول العربية التي سارعت إلى بناء شراكات سياسية واقتصادية واسعة مع الإدارة السورية الجديدة، تبدو مصر أكثر ميلاً إلى التدرج واختبار مواقف دمشق قبل الانتقال إلى مستويات أعلى من التنسيق السياسي والدبلوماسي.
ورغم ذلك، شهدت الأشهر الماضية مؤشرات واضحة على رغبة الجانبين في كسر حالة الجمود؛ ففي مايو/أيار 2026، أجرى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني زيارة رسمية إلى القاهرة على رأس وفد حكومي رفيع المستوى، في خطوة عُدت محاولة لدفع العلاقات الثنائية نحو مرحلة أكثر تقدماً.
كما سبق تلك الزيارة لقاء جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش القمة العربية–الأوروبية التشاورية في قبرص أواخر أبريل/نيسان 2026، حيث تحدثت وسائل إعلام في البلدين عن أجواء إيجابية وحديث ودي بين الجانبين، ما عزز التكهنات بإمكانية حدوث انفراجة سياسية أكبر في العلاقات.
ومع ذلك، فإن هذا التقارب السياسي لم ينعكس بصورة كاملة على مستوى التمثيل الدبلوماسي، ما يطرح تساؤلات بشأن مدى استعداد القاهرة للانتقال من سياسة الترقب إلى شراكة أكثر انخراطاً مع الإدارة السورية الجديدة.
في المقابل، تبدو وتيرة التعاون الاقتصادي أسرع نسبياً من المسار السياسي؛ فقد شارك وفد مصري برئاسة أحمد الوكيل، رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية، في أعمال الملتقى الاقتصادي السوري–المصري المشترك الذي استضافته دمشق في يناير/كانون الثاني 2026، في مؤشر على تنامي الاهتمام بإعادة تنشيط العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين.
كما شهد قطاع الطاقة خطوات عملية مهمة، أبرزها التوصل إلى اتفاق لتوريد الغاز الطبيعي المصري إلى سوريا، إضافة إلى توقيع مذكرتي تفاهم بين وزارتي الطاقة في البلدين شملتا التعاون في مجالات الغاز والمنتجات البترولية وإعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة، ما يعكس وجود مصالح اقتصادية متبادلة تدفع نحو تعزيز التعاون رغم استمرار التحفظات السياسية.

التحفظ المصري
ورغم الزخم السياسي والاقتصادي الذي شهدته العلاقات المصرية–السورية خلال الأشهر الماضية، يرى مراقبون أن التحفظ المصري على اعتماد السفير السوري الجديد لا يمكن قراءته بصفته خلافا بروتوكوليا أو اعتراضا على شخص المرشح فحسب، بل يرتبط برؤية أوسع لدى القاهرة تجاه التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما قد يترتب عليها من انعكاسات سياسية وإقليمية.
وفي هذا السياق، قال الأكاديمي والكاتب والمحلل السياسي أحمد الهواس لـ"الاستقلال": إن "الموقف المصري لا يتعلق بالسفير نفسه أو بتبديله أو عدم قبوله، بل يرتبط أساسا بالموقف من الثورة السورية بشكل عام ومن سقوط نظام بشار الأسد".
وأضاف أن النظام المصري الحالي جاء، وفق هذا الطرح، في سياق مناهض لمسارات التغيير الديمقراطي التي شهدتها المنطقة، وهو ما يفسر جانباً من تحفظه تجاه التحولات السياسية التي أفرزتها الثورة السورية.
وأوضح الهواس أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دأب خلال السنوات الماضية على مخاطبة الرأي العام المصري عبر التحذير من تكرار نماذج الفوضى والانهيار التي شهدتها دول مثل سوريا والعراق، مقدرا أن هذا الخطاب استخدم سوريا كنموذج سلبي لتبرير سياسات الاستقرار ومواجهة دعوات التغيير الداخلي.
وأضاف أن ظهور مؤشرات على تحسن الأوضاع في سوريا الجديدة، سواء عبر خطط إعادة الإعمار أو الإصلاحات الاقتصادية أو محاولات استعادة دور الدولة ومؤسساتها، قد يضعف من فاعلية هذا الخطاب؛ إذ يقدم نموذجاً مغايراً لما جرى الترويج له خلال السنوات الماضية.
وبحسب الهواس، فإن نجاح أي تجربة سياسية ناتجة عن إرادة شعبية قد يعزز القناعة بأن الشعوب قادرة على إعادة بناء دولها وتحقيق الاستقرار دون الحاجة إلى أنظمة سلطوية.
ويرى الهواس أن جوهر الإشكال لا يرتبط باسم السفير أو خلفيته السياسية بقدر ما يتعلق بطبيعة العلاقة التي ترغب القاهرة في بنائها مع سوريا الجديدة.
وقال: إن النظام المصري كان يفضل بقاء نظام الأسد واستمرار التوازنات السابقة، وبالتالي فإنه لا ينظر بارتياح كامل إلى نجاح التجربة السياسية الجديدة في دمشق أو إلى انفتاحها المتزايد على محيطها العربي والدولي.
وأشار كذلك إلى أن الموقف المصري انعكس، بحسب تقديره، على بعض الإجراءات المتعلقة بالسوريين المقيمين في مصر، لافتاً إلى أن السلطات المصرية شددت بعض الإجراءات عقب سقوط نظام الأسد، بعد مرحلة شهدت تسهيلات أوسع لدخول السوريين وإقامتهم خلال السنوات السابقة.
وبينما لا تزال القاهرة تحافظ على قنوات التواصل السياسي والاقتصادي مع دمشق، فإن هذه التحفظات تعكس استمرار حالة الترقب والحذر في التعامل مع المشهد السوري الجديد، وهو ما يجعل مسار التطبيع الكامل بين البلدين رهناً بتطورات المرحلة المقبلة ومدى قدرة الطرفين على تجاوز الاعتبارات السياسية التي ما زالت تلقي بظلالها على العلاقات الثنائية.

تحديات التقارب
ويرى مراقبون أن أي خطوة مصرية نحو رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع دمشق لن تستند إلى التقديرات البروتوكولية أو السياسية المباشرة فحسب، بل ستبقى مرتبطة بتقييم القاهرة لمسار التحولات الداخلية في سوريا وقدرة الإدارة الجديدة على ترسيخ الاستقرار وبناء مؤسسات دولة فاعلة وقادرة على بسط سلطتها على كامل الأراضي السورية.
وفي هذا السياق، لا تزال بعض الملفات الأمنية حاضرة في حسابات صانع القرار المصري، وفي مقدمتها تحديات فرض سلطة الدولة على مختلف المناطق السورية، والتعامل مع المجموعات المسلحة الخارجة عن إطار المؤسسات الرسمية، فضلاً عن التحديات المرتبطة بإعادة بناء المؤسسات الأمنية والإدارية والاقتصادية بعد سنوات من الصراع.
لذلك يعتقد خبراء أن الانتقال إلى مستوى أعلى من العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة ودمشق سيظل مرهوناً بإحراز تقدم ملموس في ملفات الأمن والاستقرار وبناء الدولة وتعزيز فعالية مؤسساتها الرسمية.
كما تتابع مصر عن كثب قدرة الإدارة السورية الجديدة على إدارة التحديات الاقتصادية والأمنية المعقدة التي خلفتها سنوات الحرب، ومدى نجاحها في تحقيق الاستقرار الداخلي وتهيئة بيئة تسمح بإعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو التحفظات المصرية الحالية تعبيراً عن رفض مبدأ الانفتاح على دمشق، بقدر ما تعكس رغبة في انتظار مزيد من الوضوح بشأن طبيعة النظام السياسي الجديد وقدرته على تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
وعليه، يرجح أن تظل العلاقات بين البلدين خلال المرحلة المقبلة خاضعة لمعادلة تقوم على التدرج والحذر، بحيث يتقدم مستوى الانخراط المصري بالتوازي مع ما تحققه سوريا من خطوات في مجال ترسيخ سلطة الدولة وتعزيز مؤسساتها السيادية والأمنية.
وتنسجم هذه المقاربة مع المواقف الرسمية التي أعلنتها القاهرة خلال الأشهر الماضية؛ ففي لقائه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بالقاهرة في 3 مايو/أيار 2026، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية السورية، ومكافحة الإرهاب والتطرف بجميع أشكاله، والتعامل مع ملف المقاتلين الأجانب، مع رفض أي تدخلات خارجية في الشؤون السورية.
كما جدد تأكيد دعم مصر لتطلعات الشعب السوري، واحترامها الكامل لسيادة سوريا ووحدتها واستقرارها وسلامة أراضيها، في موقف يعكس حرص القاهرة على الموازنة بين الانفتاح على دمشق والحفاظ على محدداتها الأمنية والسياسية التقليدية.

















