المخدرات والإخوان واليسار في خانة واحدة.. قراءة في إستراتيجية ترامب ضد "الإرهاب"

"الوثيقة تشكل قطيعة جذرية مع منطق الحرب على الإرهاب الذي ميز مرحلتي بوش وأوباما"
وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مايو/أيار 2026، إستراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب تحت اسم "إستراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب "، مازالت تثير الجدل بسبب ما تتضمنه من تضارب وتباين.
وتمدد هذه الوثيقة المفهوم التقليدي لكلمة "الإرهاب" ليشمل الآن كارتيلات المخدرات في أميركا اللاتينية والجماعات اليسارية الراديكالية، إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية.
وفي حين صُنفت إيران بوصفها التهديد الرئيس في الشرق الأوسط، وجهت الوثيقة انتقادات حادة إلى أوروبا بسبب ما وصفته بـ"الانحدار الطوعي" الناتج عن الهجرة غير المنضبطة.
وبحسب موقع "آر تي في آي" الروسي "لا تمثل الوثيقة مجرد تحديث للمقاربات السابقة، بل تشكل، قطيعة جذرية مع منطق "الحرب على الإرهاب" الذي ميز مرحلتي جورج بوش وباراك أوباما، كما تتضمن اتهامات مباشرة لإدارة جو بايدن بـ"تسييس" أجهزة الاستخبارات".

قطيعة جذرية
وأوضح الموقع أنه بينما كانت تركز الاستراتيجيات الأميركية السابقة بشكل أساسي على ما تسميه "الإرهاب الإسلامي"، فإن الوثيقة الجديدة تحدد ثلاث فئات رئيسة من التهديدات.
وتابع: "حيث تأتي كارتلات المخدرات والعصابات العابرة للحدود في مقدمة التهديدات، ووفقا لمنطق الوثيقة، فإن هذه الجماعات تسببت في مقتل عدد من الأميركيين يفوق حصيلة جميع الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة منذ عام 1945".
إضافة إلى ذلك، "تشير الإستراتيجية إلى أنه خلال فترة حكم جو بايدن، تجاوز عدد الأميركيين الذين لقوا حتفهم بسبب المخدرات التي تهربها الكارتلات، عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الحروب مجتمعة".
وهو ما يفسر "سبب وضع الإدارة الأميركية مكافحة الكارتلات في صدارة أولوياتها؛ حيث أعلنت بالفعل تنفيذ عشر ضربات ضد سفن تهريب المخدرات في البحر الكاريبي. مؤكدة أن هذه العمليات أدت إلى خفض التهريب البحري بنسبة 90 بالمئة".
في هذا السياق، ذكر الموقع أن "الإدارة الاميركية تنظر إلى عملية "الحل المطلق" التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتسليمه إلى الولايات المتحدة كأحد أحد أبرز إنجازاتها".
الجذر الرئيس
أما التهديد الثاني، فيتمثل فيما تصفه الوثيقة بـ"إرث الإرهاب الإسلامي"، وتركز الإستراتيجية هنا على تنظيم "القاعدة"، وخاصة فرعه اليمني "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، إلى جانب تنظيم الدولة، وبالأخص فرع "خراسان" في أفغانستان، على حد تعبيرها.
كما خصصت الوثيقة حيزا منفصلا لجماعة “الإخوان المسلمين” التي زعمت أنها "الجذر الرئيس للإرهاب الجهادي المعاصر"، مشيرة إلى أن عددا من فروعها قد تم تصنيفه بالفعل كمنظمات إرهابية.
وفي السياق ذاته، تصف الوثيقة إيران بأنها "الراعي الأول للإرهاب"، مدعية أن عدواني "مطرقة منتصف الليل" و"الغضب الملحمي" شكلا ضربات مباشرة لقدراتها النووية والعسكرية. على حد تعبيرها.
أما الفئة الثالثة، فتشمل ما وصفته الوثيقة بـ"مؤيدي الأعمال العنيفة من المتطرفين السياسيين اليساريين"، بمن فيهم الفوضويون وجماعات "أنتيفا".
ويرى الموقع الروسي أن "هذه النقطة تعد من أكثر جوانب الإستراتيجية إثارة للجدل؛ إذ تضع الوثيقة هذه الجماعات في مستوى واحد مع كارتلات المخدرات والتنظيمات الجهادية". على حد تعبيره.
وأوضح أن الوثيقة "استندت في ذلك إلى حادثة مقتل تشارلي كيرك على يد (متطرف يتبنى أيديولوجيات متشددة مرتبطة بالتحول الجنسي). بحسب وصفها".
وبناء عليه، أوصت أجهزة الاستخبارات بإعداد قواعد بيانات لهذه الجماعات، ومراقبة علاقاتها بالتنظيمات الدولية، وعلى رأسها "أنتيفا"، والعمل على "تحييدها" قبل تنفيذ أي هجمات.
أما القسم الخاص بأوروبا فجاء "بلغة حادة وغير معتادة تجاه الحلفاء الأوروبيين". وفق وصف الموقع الروسي.
وتابع: "فرغم وصف الدول الأوروبية بأنها "الشريك الرئيس والطويل الأمد"، إلا أن الوثيقة وجهت إليها حزمة من الانتقادات اللاذعة".
وبحسب رؤية البيت الأبيض، تحولت الدول الأوروبية الغنية في حلف شمال الأطلسي "الناتو" إلى "بيئة خصبة للتهديدات الإرهابية" بسبب سياسات الحدود المفتوحة وضعف الموارد المخصصة لمكافحة الإرهاب.
كما رأت الوثيقة أن "الهجرة الجماعية غير المقيدة" أصبحت "ممرا للإرهابيين".
ودعت الإستراتيجية الاتحاد الأوروبي إلى "العودة إلى المبادئ التقليدية لحرية التعبير، وإجراء نقاش صريح حول الإسلام السياسي"، إلى جانب تحمل جزء أكبر من أعباء أمنه الذاتي، بما في ذلك داخل القارة الإفريقية.
واختتمت الوثيقة موقفها تجاه أوروبا بتحذير شديد اللهجة، جاء فيه أن "أوروبا ما زالت تملك فرصة لتغيير مصيرها في مكافحة الإرهاب، إذا اعترفت بحجم التهديد الحقيقي واتخذت إجراءات فورية".

استنتاجات خطيرة
وفي شق آخر، أشار الموقع إلى أن الإستراتيجية "أفردت فصلا خاصا لتقييم أداء الإدارة الأميركية السابقة، وخلصت فيه إلى ما وصفته بـ(استنتاجات خطيرة)".
وبحسب التقرير، "زعمت الوثيقة أن أجهزة الاستخبارات استُخدمت خلال فترة حكم جو بايدن كأداة سياسية ضد المحافظين، من خلال مراقبة كاثوليك كانوا يحضرون قداسات دينية تقليدية، وأولياء أمور شاركوا في اجتماعات مجالس المدارس، إضافة إلى أعضاء في الكونغرس والرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه".
في هذا السياق، أوضح الموقع أن "واضعو الإستراتيجية تعهدوا بأن صلاحيات مكافحة الإرهاب في عهد الإدارة الجديدة (لن تستخدم ضد الأميركيين العاديين الذين يختلفون معنا فحسب). مؤكدين أن كل من أساء استخدام هذه الصلاحيات في السابق (سيدفع الثمن القضائي كاملا)".
فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، ذكر الموقع أن الإستراتيجية الأميركية الجديدة "وسعت هذا المفهوم، بحيث لم يعد يقتصر على التهديدات النووية والبيولوجية والكيميائية، بل بات يشمل أيضا مادة "الفنتانيل" المخدرة".
ووفقا للوثيقة، فإن مئات الآلاف من الأميركيين الذين توفوا نتيجة الجرعات الزائدة يُنظر إليهم بوصفهم ضحايا "هجوم بأسلحة دمار شامل" نفذته كارتلات المخدرات والدول الداعمة لها.
"ولهذا، أُدرجت مكافحة المواد الأولية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل، خاصة القادمة من الصين، ضمن قائمة الأولويات الاستراتيجية، إلى جانب منع الإرهاب النووي".
كما تضفي الإستراتيجية طابعا رسميا على ما تصفه بـ"ملحق ترامب"، وهو ما يصفه الموقع بـ"النسخة الحديثة من (عقيدة مونرو)".
وأشار إلى أنه "وفقا لهذا التوجه، تمنح الولايات المتحدة نفسها حق التحرك بشكل منفرد داخل نصف الكرة الغربي، دون الاكتراث بسيادة بعض الدول، إذا كانت "غير قادرة أو غير راغبة" في مواجهة كارتلات المخدرات أو متعاونة معها".
وهو ما عدّه الموقع "يوفر غطاء قانونيا لتنفيذ عمليات داخل أراضي المكسيك وفنزويلا وكولومبيا ودول أخرى في أميركا اللاتينية، حتى دون موافقة حكوماتها".
واختتمت الوثيقة بالعبارة التي قالها ترامب عقب أول عملية لمكافحة الإرهاب خلال ولايته الثانية، والتي وُضعت أيضا في مقدمة الإستراتيجية الرئاسية: "إذا ألحقتم الأذى بالأميركيين، أو خططتم لذلك، فسنعثر عليكم ونقتلكم".
















