السعودية تقلص استثماراتها في عالم الرياضة.. أسباب اقتصادية أم سياسية؟

"الأسباب الكامنة تحمل شقين، اقتصادي وسياسي على حد سواء"
تكاد لا توجد رياضة كبرى في العالم لم تستثمر فيها السعودية خلال السنوات الأخيرة، غير أنها بدأت تتراجع فجأة عن بعض التزاماتها، وعلى رأسها قطاع الغولف، فيما جرى إلغاء فعاليات رياضية أخرى كانت مقررة.
في هذا السياق، تناول موقع "دويتشه فيله" الألماني أبرز الرياضات التي تنسحب منها الرياض. موضحا أسباب توقف المملكة عن ضخ استثماراتها في قطاع الرياضة.

نضوب مفاجئ
وضخت السعودية خلال السنوات الماضية استثمارات هائلة في عالم الرياضة الاحترافية، شملت كرة القدم والتنس والغولف وسباقات السيارات، وصولا إلى رياضات مثل التزلج على الثلج.
وهو ما ترك، وفق الموقع، "أثرا واسعا على المشهد الرياضي العالمي".
ولفت إلى أن الأمر "لم يقتصر على تقديم الدولة الخليجية الغنية بالنفط رواتب فلكية للاعبي كرة القدم الذين اقتربت مسيرتهم الرياضية من النهاية، بل قامت أيضا بشراء أحد أندية الدوري الإنجليزي الممتاز (نادي نيوكاسل يونايتد)".
وأضاف أنه "بفضل العلاقات الوثيقة التي تطورت مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ستستضيف السعودية كأس العالم 2034".
أما في رياضة الغولف، فأشار التقرير إلى أن "المليارات السعودية أدت إلى انقسام في عالم الغولف".
في الوقت ذاته، سعت المملكة إلى استضافة فعاليات متنوعة تشمل السنوكر وتنس السيدات والمصارعة الحرة.
ويرى الموقع أن "هذه السياسة الاستثمارية ارتبطت ارتباطا وثيقا بـ"رؤية 2030"، التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وتنويع الاقتصاد".
واستدرك: "غير أن هذه الإستراتيجية تعرضت لانتقادات في الغرب؛ حيث وُصفت بأنها شكل من (تلميع الرياضة)، أي استخدام الرياضة لتحسين الصورة الدولية وتخفيف الانتقادات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان".
وأردف: "والآن، يبدو أن ينبوع الأموال الذي كان يظن يوما أنه لا ينضب قد بدأ يجف فجأة".
أما عن أبرز مجالات الانسحاب، فيأتي الغولف في المقدمة؛ إذ تم إيقاف سلسلة "ليف غولف"، وهي بطولة ممولة من صندوق الاستثمارات العامة السعودي.
مستقبل غامض
وبحسب الموقع، "برر الصندوق قراره بأن (الاستثمارات الكبيرة التي تحتاجها ليف غولف لم تعد تتماشى مع المرحلة الحالية من إستراتيجية الاستثمار)".
والجدير بالذكر، أن "هذه البطولة التي أُطلقت عام 2021 كانت أحدثت انقساما كبيرا في جولة رابطة لاعبي الغولف المحترفين، بعدما جذبت عددا من أبرز نجوم اللعبة بعروض مالية ضخمة".
وتابع الموقع: "ومع توقف التمويل الجديد، بات مستقبلها مهددا، فيما يبقى مصير اللاعبين الذين انضموا إليها غير واضح فيما إذا كانوا سيتمكنون من العودة إلى الجولة التقليدية".
وفي قطاع كرة القدم، قام صندوق الاستثمارات العامة ببيع حصة تبلغ 70 بالمئة من نادي الهلال، أحد أندية الدوري السعودي للمحترفين، وبرر ذلك بأنه جزء من "إستراتيجية لتعظيم العائدات وإعادة توجيه رأس المال داخل الاقتصاد المحلي".
ومع ذلك، أشار التقرير إلى أنه "لا توجد مؤشرات حتى الآن على نية الصندوق التخارج من نادي نيوكاسل يونايتد في إنجلترا، خاصة مع اقتراب كأس العالم 2034".
“كما تبدو الرياضات الشعبية الأخرى مثل الفنون القتالية المختلطة آمنة في الوقت الحالي”. بحسب التقرير.
في المقابل، بدأت فعاليات أخرى بالتراجع أو الإلغاء؛ حيث أُلغيت بطولة "السعودية ماسترز" للسنوكر بعد نسختين فقط رغم عقد كان يمتد لأكثر من عشر سنوات.
كما تم تقليص التمويل المخصص لرابطة لاعبات التنس المحترفات، وإلغاء بطولة ختامية كانت مقررة للموسم.
كذلك أُلغيت خطط استضافة كأس العالم للرجبي 2035 والألعاب الآسيوية الشتوية 2029.
وعلق التقرير: "بينما تعيد السعودية تقييم أولوياتها الاستثمارية، يظل السؤال مفتوحا حول ما إذا كان هذا التراجع مجرد إعادة هيكلة مؤقتة، أم بداية تحول أوسع في إستراتيجية المملكة الرياضية التي شكلت خلال السنوات الماضية أحد أبرز أدوات حضورها الدولي".

إعادة تقييم
وفي إجابته على هذا التساؤل، قال الموقع: "يبدو أن الأسباب الكامنة وراء هذا الانسحاب من عالم الرياضة تحمل شقين؛ اقتصادي وسياسي على حد سواء".
وتابع: "ففي مطلع مايو/ أيار 2026 قال رئيس صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ياسر الرميان: إن الصندوق سيقوم، في ظل تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران وضعف العائدات من الاستثمارات الرياضية، بـ(مراجعة الاستثمارات والعقود) و(إعادة تقييم الأولويات)".
وأضاف الصندوق في بيان صحفي أن "إستراتيجية 2026 إلى 2030 تمثل تطورا طبيعيا، ينتقل فيه صندوق الاستثمارات العامة من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة جديدة من خلق القيمة المستدامة".
وتابع البيان: "تهدف هذه المرحلة إلى تعظيم التأثير، ورفع كفاءة الاستثمارات، وتطبيق أعلى معايير الحوكمة والشفافية والتميز المؤسسي".
وفي هذا السياق، شدد الموقع على أن قرارات الصندوق لا تنفصل عن البنية القيادية التي تدير هذه الاستثمارات؛ حيث أشار إلى أنه "كما هو معتاد في المشهد السعودي، يشغل الرميان أيضا منصب رئيس مجلس إدارة نادي نيوكاسل، وشركة النفط السعودية الحكومية (أرامكو)".
بالإضافة إلى "أكبر شركة تعدين في البلاد (معادن)، فضلا عن كونه مقربا من ولي العهد محمد بن سلمان".
وبحسب التقرير، فإن "هذه الشبكة من المناصب والعلاقات تسهم في تمكين الحكومة من الإبقاء على سيطرتها على استثماراتها في المجال الرياضي، في وقت تظهر فيه شركة أرامكو كراع رئيسي لعدد من أبرز الفعاليات الرياضية العالمية".
وهو ما "يضفي نوعا من الغموض حول الدور الحقيقي الذي تلعبه السعودية في عالم الرياضة"، وفق تعبيره.
وفي معرض حديثه حول مواجهة رياضات أخرى خطر فقدان التمويل، قال الموقع: "حتى سباقات الفورمولا 1 قد تشعر بالقلق؛ إذ تم في أبريل/ نيسان 2026 إلغاء سباق جائزة السعودية الكبرى بسبب الحرب مع إيران".
وأضاف أنه "بجانب السباق نفسه، يمتلك صندوق الاستثمارات العامة حصصا في فريقين، بينما تعد شركة أرامكو راعيا رئيسا للفورمولا 1".
وأردف: "وبالمثل، تعتمد سباقات الخيول والشطرنج وكرة اليد، ورياضات أخرى كثيرة، بدرجة أو بأخرى، على علاقاتها مع السعودية".
وختاما، قدر الموقع أن "تصريحات صندوق الاستثمارات العامة تعني أن هذه الرياضات وغيرها من القطاعات الرياضية التي تعتمد على الاستثمارات السعودية قد تصبح مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإثبات جدواها وربحيتها، إذا أرادت تجنب مصير مماثل لما حدث مع (ليف غولف)".
















