أزمة هيكلية أم إعادة توزيع؟.. مستقبل الوجود العسكري الأميركي في السعودية

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مايو/ أيار 2026 مبادرة بحرية عسكرية حملت اسم "مبادرة الحرية"، هدفت إلى تأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز ومرافقة السفن التجارية وإخراج العالقة منها، وذلك عبر نشر قوات أميركية إضافية في القواعد العسكرية داخل السعودية.

إلا أنه بحسب صحيفة "إزفستيا" الروسية، فقد "عارضت المملكة الخطوة بشكل مفاجئ، بعدما ساورت الرياض مخاوف جدية من تحول تلك القواعد إلى أهداف مباشرة للصواريخ الإيرانية، وهو ما دفعها إلى رفض السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها لتنفيذ المهمة".

وترى الصحيفة أن هذا "الموقف ترك أثرا واضحا في واشنطن"، مشيرة إلى أن "وسائل الإعلام الأميركية تتحدث منذ فترة عن تدهور العلاقات بين البيت الأبيض وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، إلى حد الحديث عن إعادة الولايات المتحدة تقييم وجودها العسكري في المملكة".

خيبة أمل

في هذا السياق، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلا عن مسؤولين أميركيين مطلعين على تطورات الملف، أن الولايات المتحدة تدرس حاليا تقليص وجودها العسكري في السعودية، الذي يبلغ نحو 2700 جندي، مع إعادة تركيز قواتها في دول قدمت دعما أكبر خلال الحرب، وفي مقدمتها إسرائيل والأردن.

وتابعت: "يأتي ذلك بعدما كانت الولايات المتحدة قد عززت وجودها العسكري في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية خلال الولاية الرئاسية الأولى لترامب بهدف ردع إيران، إلا أن المشهد تغير خلال ولايته الثانية".

وبحسب الصحيفة الأميركية، فإن "إدارة ترامب تراجع حاليا حجم قواتها في المملكة في ظل الخلافات التي برزت مع الرياض على خلفية الصراع مع إيران".

بدروها، أشارت "إزفستيا" إلى أن "جانبا من هذا الخلاف يتمحور حول استياء واشنطن من الموقف السعودي أثناء عملية (الغضب الملحمي) التي أطلقتها الولايات المتحدة ضد طهران في فبراير/ شباط 2026".

وعزت ذلك الخلاف إلى "تبني المملكة ودول خليجية أخرى نهجا يدعو إلى حل دبلوماسي للصراع، محذرة من أن محاولة إسقاط النظام في إيران قد تؤثر سلبا على سوق النفط والاقتصاد الأميركي واستقرار المنطقة".

"وهو ما دفع الرياض للإصرار على رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وعودة واشنطن إلى طاولة المفاوضات"، وفق التقرير.

علاوة على ذلك، "أعربت السعودية عن استيائها من الإمارات، متهمة إياها بشن هجمات سرية على إيران خلال الأيام الأولى من الحرب".

"كما طالبت الرياض الإدارة الأميركية بممارسة ضغوط على أبوظبي لدفعها إلى الانضمام للجهود الدبلوماسية، وهو ما أثار خيبة أمل لدى المسؤولين الأميركيين". بحسب تعبير الصحيفة.

إلا أن الأمور لم تقف عند هذا الحد، فبحسب التقرير، "تصاعد التوتر مجددا بين واشنطن والرياض بسبب العملية الأميركية المسماة (مشروع الحرية)، التي استهدفت إخراج السفن من مضيق هرمز ، بعدما أغلقته إيران في بداية الصراع".

وقالت: "تعهد ترامب في مايو/ أيار بتأمين عبور ناقلات النفط والسفن التجارية عبر الممرات المائية المقيدة، إلا أن هذه الخطوة أثارت دهشة حلفائه في الشرق الأوسط".

إشارة غير ودية

وأوضحت الصحيفة الروسية  أنه "خشية التعرض لهجمات إيرانية، منعت الرياض القوات الأميركية من استخدام قواعدها ومجالها الجوي، اللذين كانا ضروريين لتنفيذ المهمة".

"وردا على ذلك، هددت واشنطن بتأخير تسليم منظومات الاعتراض التي تعتمد عليها السعودية في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، إضافة إلى استبعاد المملكة من قائمة الدول ذات الأولوية في الحصول على الأسلحة الأميركية"، وفق ما أوردته الصحيفة.

وتابعت: "وأمام هذا الضغط، اضطرت الرياض إلى رفع القيود المفروضة على استخدام قواعدها ومجالها الجوي، غير أن واشنطن لم تستأنف عملية (مشروع الحرية)".

واستطردت: " لجأ الجيش الأميركي، بدلا من ذلك، إلى تنسيق خروج السفن التجارية من المنطقة سرا خلال ساعات الليل مع إيقاف أجهزة الإرسال والتعريف الخاصة بها".

“في ظل هذا المناخ، بدأت مظاهر الاستياء الدبلوماسي تظهر من الجانبين”. قالت الصحيفة.

وأردفت: "ففي نهاية مارس/ آذار، وخلال مشاركته في منتدى (مبادرة مستقبل الاستثمار) بمدينة ميامي، وصف ترامب ولي العهد السعودي بأنه صديقه وشخص رائع ومحارب، مؤكدا أن المملكة (يحق لها أن تفخر) بقيادته".

واستدركت: "لكنه أضاف لاحقا: (كان يعتقد أنني سأكون رئيسا أميركيا فاشلا آخر. ولم يكن يتوقع أنه سيضطر إلى التودد إلي. أما الآن، فعليه أن يكون لطيفا معي)".

من جانبه، أشارت الصحيفة إلى أن "ولي العهد السعودي امتنع عن لقاء ترامب، واعتذر عن عدم حضور قمة مجموعة السبع في فرنسا، التي دعي إليها بصفة ضيف"، مبررا ذلك بازدحام جدول أعماله، كما عمد الجانب الأميركي بدوره إلى تقليص مستوى التواصل مع الرياض".

وبحسبها، "ظهر ذلك بوضوح خلال جولة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الشرق الأوسط؛ حيث زار الإمارات والكويت والبحرين، لكنه لم يزر السعودية، وهو ما عدته الرياض إشارة غير ودية".

في المقابل، ذكرت إدارة ترامب أن العلاقات بين واشنطن والرياض “ما تزال قوية”، مشيرة إلى أن روبيو أجرى في البحرين محادثات وصفتها بالمثمرة مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، غير أن هذه التطمينات لم تنجح في تبديد الشكوك بشأن عمق الخلاف بين الجانبين"، وفق الصحيفة.

اختبار حقيقي

في الخلفية التاريخية، ذكر التقرير أن "العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية، ظلت على مدى ثمانية عقود، من أكثر العلاقات تعقيدا وفي الوقت نفسه من أكثرها استقرارا في الشرق الأوسط".

وتابعت: "ورغم غياب القيم المشتركة بين الطرفين، فإنهما حافظا دائما على مصالح مشتركة، اتخذت في معظم الأحيان طابعا ماليا وعسكريا وإستراتيجيا".

وأردفت: "وضع آنذاك الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز بن عبد الرحمن أسس هذه الشراكة عام 1945، خلال لقائهما على متن الطراد الأميركي (كوينسي) في قناة السويس".

ووفقا لها، "دخل هذا اللقاء التاريخ بوصفه اتفاقا رسم ملامح النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ تعهدت واشنطن بضمان أمن السعودية، مقابل ضمان الرياض تدفق إمدادات النفط دون انقطاع".

واستطردت: "استمر هذا التفاهم الشفهي، الذي جرى التوصل إليه خلال ساعات قليلة، عبر عشرات الإدارات الأميركية".

واسترسلت: "اكتمل الأساس الاقتصادي لهذه الشراكة في سبعينيات القرن العشرين، فبعد الحظر النفطي عام 1973، عندما أظهرت السعودية حجم نفوذها في الاقتصاد العالمي، اتفق الطرفان على آلية غير مسبوقة، تقضي بربط مبيعات النفط السعودي بالدولار، مع استثمار العائدات في سندات الخزانة الأميركية".

"ومن هنا نشأت آلية إعادة تدوير عائدات البترودولار، التي أسهمت لعقود في ترسيخ مكانة الدولار بصفته عملة الاحتياط العالمية"، تقول الصحيفة.

وأكملت: "وفي المقابل، أصبحت السعودية أكبر مشتر للسلاح الأميركي؛ إذ تجاوزت قيمة العقود العسكرية بين الجانبين، وفقا لبيانات وزارة الدفاع الأميركية، 140 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من عام 1950 إلى عام 2023".

أول اختبار

وفي السنوات الأخيرة، العلاقات أصبحت أكثر توترا بين الطرفين، فوفق التقرير "ظهر شرخ  في العلاقات بين الجانبين خلال إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بين 2009 و2017".

وعزت الصحيفة ذلك إلى أن "الرياض نظرت إلى الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 بوصفه خيانة إستراتيجية؛ إذ كانت ترى في طهران تهديدا وجوديا، وعدت الاتفاق إضفاء لشرعية البرنامج النووي الإيراني".

واستدركت: "لكن ترامب، بعد وصوله إلى البيت الأبيض، قلب المشهد تماما، فاختار السعودية لتكون أول محطة في أول زيارة خارجية له، وأبرم معها صفقات أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار، كما انسحب من الاتفاق النووي مع إيران".

فضلا عن ذلك، "نسقت إدارة ترامب مع الرياض بشأن (صفقة القرن) التي اقترحها جاريد كوشنر، صهر ترامب، لتسوية القضية الفلسطينية، والتي كانت تقوم عمليا على ضخ استثمارات سعودية واسعة مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل".

أما جو بايدن، فذكرت أنه بدأ ولايته الرئاسية متعهدا بجعل السعودية "دولة منبوذة"، على خلفية مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، وهي القضية التي حملت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مسؤوليتها الشخصية إلى محمد بن سلمان".

إلا أنها أشارت إلى أن "أزمة الطاقة التي اندلعت عام 2022 دفعت الإدارة الأميركية إلى تعديل خطابها، ليزور بايدن السعودية ويلتقي بولي العهد".

واليوم، قدر التقرير أن "هذا التحالف يمر بمرحلة تحول عميقة؛ فالمملكة تعمل على تنويع شراكاتها؛ إذ استعادت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران في مارس/ آذار 2023 بوساطة صينية، وانضمت إلى مجموعة بريكس، كما تجري حاليا مفاوضات لإجراء تسويات تجارة النفط باليوان الصيني".

"وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة زيادة إنتاجها من النفط والغاز، وأصبحت أقل اهتماما بمراعاة المصالح السعودية"، وفق قولها.

وهكذا، خلص التقرير الروسي إلى أن "الاتفاق الذي أبرم على متن الطراد (كوينسي) قبل نحو 80 عاما بدأ يتعرض لأول اختبار حقيقي".

إعادة توزيع

وفي تعقيبه على التطورات الأخيرة، يرى الباحث في قسم الشرق الأوسط وما بعد الاتحاد السوفيتي بمعهد المعلومات العلمية للعلوم الاجتماعية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، دانيلا كريلوف، أن ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال "يشبه إلى حد كبير جولة جديدة من الدعاية الإعلامية أو محاولة لإثارة الضجة".

وقال: "ملف المواجهة الأميركية الإيرانية أصبح مستهلكا، كما أن الملف الإسرائيلي لم يعد يثير الاهتمام نفسه، لذلك لا بد من البحث عن موضوع جديد".

وتابع: "لا توجد أي تصريحات رسمية، لا من جانب الرياض ولا من جانب البنتاغون".

واستطرد: "ثم إن الحديث عن تقليص الوجود العسكري يثير تساؤلات، إذ ليس من الواضح لماذا يفترض أن يمثل ذلك تطورا سلبيا في ظل الواقع الجيوسياسي الحالي".

وأوضح كريلوف وجهة نظره: "إن تقليص الولايات المتحدة وجودها العسكري، باستثناء ما حدث في أفغانستان خلال أغسطس/ آب 2021، يعني في الواقع إعادة توزيع الموارد وليس الانسحاب الفعلي".

واسترسل: "فعندما أعلنت واشنطن انسحابها من سوريا، كانت في الوقت نفسه تعزز وجودها العسكري في العراق".

وأضاف الخبير أن "التطور المتسارع للتكنولوجيا، وانتقال الحروب بصورة متزايدة إلى مجال الطائرات المسيرة، سواء الهجومية أو الدفاعية، يطرح تساؤلات حول مدى الحاجة إلى وجود قوات برية كبيرة في أي دولة".

وعليه، يعتقد أن "السعودية تتصرف بمنطق عملي؛ إذ لا تجد مصلحة في الانخراط في مشروع يرجح ألا يستمر طويلا، كما أثبتت الأحداث، فمن جهة، سيؤدي ذلك إلى زيادة التوتر مع إيران، ومن جهة أخرى، لن يحقق أي نتائج ملموسة".

وأردف: "لا أعتقد أن هناك خلافا خطيرا أو أن الرياض تواجه تهديدا مباشرا، وأرجح أن السعودية تطرح على واشنطن تساؤلات بشأن إنشاء منظومة مشتركة للدفاع الجوي والدفاع الصاروخي ومواجهة الطائرات المسيرة، وعلى الأميركيين إيجاد إجابات لذلك".

من جانب آخر، "هناك العامل المرتبط بشرق أوروبا وحلف شمال الأطلسي وأوكرانيا ومجموعة السبع، فالولايات المتحدة مضطرة للتحرك على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، لكنها لا تنجح في إنهاء أي من هذه الصراعات بطريقة تضمن لها البقاء في موقع المنتصر وجني ثمار النظام الذي تسعى إلى بنائه".

أزمة هيكلية 

على النقيض من ذلك، يرى المستشرق كيريل سيميونوف أن ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" "يكشف عن أزمة هيكلية عميقة في العلاقات الأميركية السعودية". 

وبحسب تقديره، فإن "الواقعة غير المسبوقة، التي تمثلت في إقدام الرياض فعليا على عرقلة عملية عسكرية واسعة للبنتاغون، أثبتت مجددا أن مرحلة خضوع المملكة غير المشروط لواشنطن قد انتهت".

وأعرب الخبير عن قناعته عبر قناته في "تيليجرام" قائلا: "يظهر التقرير الأميركي كيف تغلبت المصالح البراغماتية المرتبطة ببقاء النظام السعودي على التزاماته تجاه حليفه، وهو ما كشف هشاشة التصور القائل بسيطرة الولايات المتحدة على المنطقة".

"كما أن الخطاب العلني لدونالد ترامب، الذي تفاخر بأن محمد بن سلمان "يقاتل إلى جانبنا"، قد تباين كليا مع الواقع، حيث يلعب الأمير السعودي لعبته الخاصة، واضعا الأمن القومي في المقام الأول بدلا من الطموحات الجيوسياسية الأميركية"، وفق تحليله.

وأشار سيميونوف إلى أن "الإشارة الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لواشنطن هي التحول الجوهري في البنية الأمنية للمملكة العربية السعودية".

وتابع موضحا: "لم تعد الرياض تعد نفسها رهينة للمظلة العسكرية الأميركية، ففي عام 2025، وقعت المملكة اتفاقية دفاع متبادل مع باكستان، مما خلق مركز قوة بديلا".

"كما أن المشاورات الأخيرة بين الدبلوماسيين السعوديين والصينيين في بكين، والتي تركزت على أمن الملاحة في مضيق هرمز، تشير بوضوح إلى أن السعوديين حصلوا أيضا على دعم الصين، وهذا يطلق يدي الرياض ويسمح لها بفرض شروطها على واشنطن"، على حد قوله.

في المحصلة، يعتقد الخبير أن "المملكة قد تحولت من منفّذ للإرادة الأميركية إلى فاعل مستقل، مستعد لعرقلة المبادرات العسكرية لواشنطن إذا كانت تهدد توازنها".

واختتم المحلل قائلا: "في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب، بات من شبه المستحيل أن تنفذ الولايات المتحدة مغامرات عسكرية أحادية الجانب في الخليج العربي من دون موافقة مباشرة من الممالك المحلية".