من الدعم المطلق إلى المساءلة.. هل ينقلب الديمقراطيون على إرث إسرائيل؟

"الأغلبية من الديمقراطيين باتت مقتنعة بأن إسرائيل ارتكبت بالفعل إبادة جماعية"
تصدرت ويندي شيرمان، التي شغلت منصب نائبة وزير الخارجية الأميركية في إدارة جو بايدن، عناوين الأخبار أواخر أبريل/نيسان 2026 عندما صرّحت لوكالة "بلومبيرغ" بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، "قاد" الولايات المتحدة نحو "إبادة جماعية" في غزة.
وتُعدّ شيرمان أرفع مسؤول سابق في إدارة بايدن يستخدم هذا المصطلح علنا، مع أنها سرعان ما قالت إنها لا تملك الأهلية القانونية لتوصيف ما إذا كان تدمير غزة يرقى إلى مرتبة الإبادة الجماعية قضائيا، مؤكدة في الوقت ذاته استمرارها كـ"مؤيدة قوية" لإسرائيل.

محاولة للتوازن
ووفقا لرصد مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية، فإن هذا الموقف يمثّل تجسيدا جليّا لإستراتيجية خطابية باتت شائعة في أوساط السياسيين الديمقراطيين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتقوم هذه المقاربة على توظيف لغة تتماهى مع انتقادات الجناح التقدمي لإسرائيل -بما يشمل استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" أخيرا- بالتوازي مع تحصين أنفسهم ضد أي اتهامات بالتخلي عن دعم إسرائيل.
وقال مدير الاتصالات في "مشروع السياسات بمعهد فهم الشرق الأوسط"، حامد بنداس: "لا يزال البعض يأمل في الحفاظ على موقف يوازن بين اعتبار إسرائيل حليفا، والاعتراف بأنها ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان".
وأضاف مستدركا: "بيد أنني لا أجد في استطلاعات الرأي ما يدل على أن هذا الموقف قابل للاستمرار".
ولعلّ الحاكم الديمقراطي لولاية كاليفورنيا، غافين نيوسوم -الذي يُطرح اسمه كأحد أبرز المرشحين المحتملين للسباق الرئاسي عام 2028- قد قدّم النسخة الأكثر تعبيرا عن هذا النمط الخطابي.
ففي مقابلة عبر "بودكاست" مطلع عام 2026، أشار نيوسوم إلى أن راديكالية السياسات الإسرائيلية دفعت الناس إلى وصفها "بحق" بأنها "أشبه بدولة فصل عنصري"، لكنه سرعان ما تراجع بعد أسابيع قليلة، مجددا تأكيد "احترامه العميق" لإسرائيل و"فخره بدعمها التاريخي".
وفي سياق متصل، حاولت مرشحة مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، مالوري ماكمورو، التموضع في منطقة وسطى؛ إذ بادرت أولا إلى وصف الحرب على غزة بأنها "فظاعة أخلاقية"، ثم ذهبت أبعد من ذلك لاحقا مقدرة أنها ترقى إلى مستوى "الإبادة الجماعية".
وذلك قبل أن تعود وتلتف على تصريحاتها بوصف الجدل الدائر حول القضية بأنه تحول إلى "اختبار للنقاء السياسي"، ممتنعة عن إعادة تأكيد موقفها المتقدم عند الضغط عليها من قِبل وسائل الإعلام.
وتجلّت هذه المفارقة بوضوح في منتدى عُقد في يناير/كانون الثاني 2026 لمرشحي الحزب الديمقراطي المتنافسين على خلافة النائبة نانسي بيلوسي؛ حيث وجّه مدير الجلسة سؤالا مباشرا حول ما إذا كانت إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة.
وحينها، عكس سلوك المرشح، سكوت واينر، حالة الارتباك، إذ ظل يقلّب لافتة التصويت التي تحمل إيجابتي "نعم" و"لا" بين يديه، في وقت حسم فيه منافساه موقفيهما بالإجابة بـ"نعم".
ورغم أن واينر عاد بعد أيام لينشر بيانا أكد فيه "عدم قدرته على التغاضي" عن استخدام هذا التوصيف، فإنه ظل المرشح الوحيد في السباق الذي يتبنى علانية استمرار التمويل العسكري الأميركي لإسرائيل، لا سيما لدعم منظومة "القبة الحديدية".
تحول جوهري
ويرى خبراء أن هذا التردد اللافت في مقاربة الملف الإسرائيلي يعكس، في جانب منه، الوتيرة المتسارعة لتحولات الرأي العام، وتحديدا داخل الحزب الديمقراطي الذي لطالما شكّل الدعم المطلق لإسرائيل عقيدته الراسخة لعقود.
وفي السياق ذاته، أكد المدير التنفيذي لمنظمة "بيانات من أجل التقدم"، رايان أودونيل، رصد "تحول جوهري في مقاربة الديمقراطيين وتقييمهم لإسرائيل".
وحول أبعاد هذا التحول، كشف استطلاع للرأي أجرته المنظمة بالتعاون مع شركة "زيتيو"، أن ما يتجاوز 70 بالمئة من ناخبي الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية يتبنون ضرورة تقييد المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، إلى أن توقف استهداف المدنيين في غزة، وتدعم حقوق الفلسطينيين، وتلتزم بعملية سلام طويلة الأمد.
من جهته، أشار رئيس برنامج فلسطين وإسرائيل في المركز العربي بواشنطن، يوسف مناير، إلى أن الحزب الديمقراطي يسلك هذا المسار التحولي منذ فترة، غير أن وتيرته شهدت تسارعا قياسيا منذ اندلاع الحرب على غزة عام 2023.
وتابع مناير قائلا: "عندما يعصف تحول بهذا الحجم بالمشهد السياسي في غضون فترة وجيزة -كما شهدنا في العامين الماضيين- فإن الخطوط الفاصلة في المواقف التقليدية تتلاشى؛ لذا أرجّح أننا سنشهد تزايدا في وتيرة التساؤلات والضغوط لمعرفة مدى استعداد السياسيين لتبني هذه المقاربات الجديدة علنا".
وتنعكس ديناميكية هذا التحول المتسارع بوضوح في سجالات الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.
فبينما تكتَّل الجناح التقدمي في عام 2024 للضغط على المرشحين لتبني خيار "وقف إطلاق النار" في غزة، لم يلبث السقف الخطابي والسياسي أن ارتفع سريعا في السباقات الانتخابية اللاحقة.
ولم تعد المساءلة مقتصرة على الموقف من الحرب، بل باتت تتمحور حول مدى استعداد المرشحين لمقاطعة أموال جماعات الضغط (اللوبي) المؤيدة لإسرائيل -وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك"- ودعم حظر المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، وصولا إلى قياس شجاعتهم السياسية عبر استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" علانية.
إلا أنه مع اتساع نطاق هذه الاتهامات -سواء بالإبادة الجماعية أو التطهير العرقي- يظل السؤال حول كيفية ترجمتها إلى سياسات عملية بلا إجابات حاسمة في الأروقة السياسية، إذ يرى ناشطون أن إطلاق هذه الأوصاف يمثل بداية النقاش لا نهايته.
وبموجب القانونين الأميركي والدولي، تلتزم واشنطن بمنع الإبادة الجماعية وفرض عقوبات على مرتكبيها في حال ثبوتها، علما بأن الكونغرس قد سنّ بالفعل تشريعات تُجرّم الإبادة الجماعية في ست مناسبات على الأقل منذ عام 1990.
ورغم التحقيقات المستمرة، لم تُصدر بعد المحكمة الجنائية الدولية ولا محكمة العدل الدولية حكما نهائيا يصنّف الممارسات الإسرائيلية كإبادة جماعية.
ومع ذلك، فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين بارزين بتهم تتعلق بجرائم حرب، في حين خلص تقرير منفصل صادر عن لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة عام 2025 إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة.

انزياح التيار
وبحسب المجلة، يقدّم رئيس بلدية شيكاغو السابق، رام إيمانويل، نموذجا جليا لهذه الفجوة الآخذة في الاتساع بين التصريحات والسياسات العملية؛ إذ يُصنّف هذا المرشح الرئاسي المحتمل لعام 2028، منذ فترة طويلة، كأحد أشرس المدافعين عن إسرائيل داخل أروقة الحزب الديمقراطي.
وفي الأشهر الأخيرة، فاجأ إيمانويل الأوساط السياسية بالدعوة إلى إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية الممولة من دافعي الضرائب بالكامل، مستندا في حُجّته إلى أن إسرائيل، بصفتها دولة غنية، يتعين عليها شراء الأسلحة الأميركية وفق شروط تجارية بحتة، أسوة بأي حليف مستقر آخر.
وضمن هذا السياق، صرّح لموقع "سيمفور" قائلا: "لقد تغيّر الوضع الآن، ولن يُطلب من دافعي الضرائب الأميركيين تحمل هذه التكلفة بعد اليوم.. هذا لن يحدث".
وقد حظيت هذه المواقف -إلى جانب تصريحات أخرى له أكد فيها ضرورة ألا "تُريق واشنطن دماءها" في سبيل أمن إسرائيل- باهتمام إعلامي واسع.
ونظرا لثقل إيمانويل السياسي وتاريخه، فقد فُسّرت طروحاته على نطاق واسع كدليل قاطع على مدى انزياح التيار الوسطي (التقليدي) في الحزب الديمقراطي عن ثوابته القديمة حيال إسرائيل.
بيد أن آخرين يرون في هذا التوجه مجرد محاولة للالتفاف على نقاش أكثر حساسية وإلحاحا يتعلق بجوهر العلاقة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي هذا السياق، يواجه طرح إيمانويل -الذي حظي بترحيب واسع من قِبل أجنحة في المؤسسة الديمقراطية، بما في ذلك جماعة "جيه ستريت" (J Street) التي تُعرّف نفسها بأنها "مؤيدة لإسرائيل والسلام"- انتقادات لاذعة من معارضيه.
فقد رأوا أن هذه المقاربة لا تختلف في جوهرها عن أطروحة سبق أن تبناها نتنياهو نفسه وبعض غلاة مؤيديه في واشنطن.
ويعقب مناير على هذا الجدل بالقول: "لا ينبغي أن يتركز النقاش حول ما إذا كان يتعين تزويد إسرائيل بالأسلحة مجانا أم بيعها لها بحسابات تجارية، بل يجب أن يتمحور حول آليات محاسبة إسرائيل على سلوكها".
ومع ذلك، فقد أقرّ إيمانويل نفسه بأنه بات من الضروري للمتمسكين بـ"العلاقة الخاصة" بين واشنطن والكيان الإسرائيلي، إعادة النظر في صياغة هذه الشراكة وهندستها، في ظل مشهد سياسي داخلي يمر بتحولات متسارعة الجذور.
تحول شعبي
وختاما، ترى مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" أن السؤال المركزي الذي سيتحتم على النخبة السياسية الأميركية مواجهته في المرحلة المقبلة هو: كيف يمكن إعادة صياغة طبيعة هذه العلاقة؟
فبينما يواصل الرأي العام داخل الحزب الديمقراطي حراكه في اتجاه أحادي متصاعد، أدى تورط واشنطن في الحرب مع إيران -إلى جانب ما يُنظر إليه كدور إسرائيلي في تأجيج الصراع- إلى جعل التكلفة الباهظة لهذا التحالف أكثر جلاء وعمقا لدى شريحة متزايدة من الأميركيين بمختلف انتماءاتهم الحزبية.
وخلال أقل من ثلاث سنوات، شهدت المواقف الرسمية والشعبية من الشراكة الأميركية-الإسرائيلية تحولات متسارعة، لدرجة دفع ببعض الأوساط إلى طرح هذا التحول بصفته إشكالية سياسية مركزية لا يمكن القفز فوقها.
وفي هذا الصدد، أشارت استطلاعات الرأي المستمرة لمؤسسة "بيانات من أجل التقدم" إلى أن أغلبية ساحقة من الديمقراطيين باتت مقتنعة بأن إسرائيل ارتكبت بالفعل "إبادة جماعية"، في حين تؤيد غالبية ناخبي الحزب في ولايات عدة خيارات حظر أو تقييد مبيعات الأسلحة لإسرائيل.
وعقب أودونيل على هذه الأرقام بالقول: "تثبت هذه المؤشرات أن انتقاد السياسة الخارجية الإسرائيلية داخل القاعدة الديمقراطية لم يعد مجرد رأي لأغلبية طفيفة، بل تحول إلى عقيدة راسخة لأغلبية واضحة وحاسمة خلال السنوات الأخيرة".
وزاد قائلا: "بلا شك، سيفرض هذا الملف نفسه كعامل حاسم في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 والسباق الرئاسي عام 2028؛ فقد ولى وبلا رجعة، الزمن الذي كان يخوض فيه المرشحون الديمقراطيون معاركهم الانتخابية على أرضية تقديم شيك على بياض لإسرائيل".

















