كيفن وارش رئيسا للاحتياطي الفيدرالي.. هل تشهد السياسة النقدية الأميركية تغيرا جذريا؟

"تعكس مسيرة وارش دعما لتخفيف القيود المالية وتحفيز الاقتصاد"
في خطوة قد تمهد لتحولات عميقة في السياسة النقدية الأميركية، صادق مجلس الشيوخ الأميركي على تعيين كيفن وارش رئيسا جديدا للاحتياطي الفيدرالي خلفا لجيروم باول.
وفي 13 مايو/أيار 2026 صادق مجلس الشيوخ الأميركي بنتيجة 54 صوتا مؤيدا مقابل 45 صوتا معارضا على تعيين وارش رئيسا جديدا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفا لجيروم باول، وذلك لمدة أربع سنوات.
وينتمي وارش، المولود عام 1970 إلى خلفية مهنية مركبة، إذ تتنوع خبراته بين الأوساط الأكاديمية، والعمل المالي في قطاع وول ستريت، فضلا عن أروقة صنع السياسات والمنظومة المصرفية المركزية.
وعلى صعيد توجهاته الاقتصادية، يركز وارش في رؤيته على خفض أسعار الفائدة، وتقليص الميزانية العمومية للبنك، وتخفيف القيود التنظيمية إلى جانب إدخال إصلاحات هيكلية على المؤسسة،
وهو ما يرى موقع "الصين اليوم" أنه "قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي نحو تحولات جوهرية وعميقة في إدارة السياسة النقدية وحوكمة البنك المركزي".

تقديرات خاطئة
فيما يتعلق بالسياسة النقدية، رجح الموقع أن "يدفع وارش، نحو بدء عملية خفض أسعار الفائدة بشكل مباشر".
وبحسب الموقع، "يرى وارش أن الاحتياطي الفيدرالي يفرط في الانشغال بالتفاصيل الدقيقة للبيانات الاقتصادية قصيرة الأجل".
"وهو سلوك يراه مسببا أساسيا للوقوع في فخ التقديرات الخاطئة، مؤكدا أن الاتجاه الحالي للتضخم يبدو في الواقع أكثر اعتدالا مما يعتقده البنك، وهو ما يعكس توجهه الواضح نحو تيسير السياسة النقدية"، وفق التقرير.
وتيسير السياسة النقدية هو توجه تتخذه البنوك المركزية عبر خفض أسعار الفائدة وزيادة السيولة في السوق بهدف تحفيز النمو الاقتصادي وتشجيع الاقتراض والاستثمار.
وهنا تبرز المفارقة، ففي حين يفضل مجلس الاحتياطي الفيدرالي تاريخيا الاعتماد على مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي الذي يستبعد أسعار المواد الغذائية والطاقة، أشار الموقع إلى أن وارش "يميل إلى استخدام ما يعرف بـ"المتوسط المقتطع" لقياس التضخم".
وهو أسلوب يستبعد القيم المتطرفة في حركة الأسعار بهدف تقديم صورة أدق للتغيرات العامة في مستويات الأسعار وتأثيرها على الاقتصاد.
ووفقا لبيانات "بنك أوف أميركا"، بلغ متوسط التضخم المقاس بهذا الأسلوب على مدى 12 شهرا حتى فبراير/ شباط 2.3 بالمئة، بينما سجلت القيمة الوسيطة 2.8 بالمئة، وذلك في وقت استقر فيه مؤشر الإنفاق الاستهلاك الشخصي الأساسي عند 3 بالمئة".
الأمر الذي عده التقرير، "يدعم النظرة المتفائلة التي يحملها وارش إزاء ملف التضخم".
"وإلى جانب ذلك، يشير وارش إلى أن الطفرة الكبيرة في الإنتاجية وتحسن الكفاءة الاقتصادية المدفوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي تشكل قوة رئيسة ومقاومة لارتفاع الأسعار، وهو أمر أخفق الاحتياطي الفيدرالي في رصده وتقييمه بشكل كاف"، وفق التقرير.
سياسة حذرة
وفي الوقت نفسه، يوجه وارش انتقادات مستمرة لتحول سياسة التيسير الكمي إلى أداة دائمة، لذا توقع الموقع أن "يدفع باتجاه تقليص إضافي في حجم الميزانية العمومية للبنك المركزي، وذلك بهدف تجنب حدوث فائض كبير في السيولة داخل النظام المالي نتيجة السياسات النقدية غير التقليدية".
وتعد سياسة التيسير الكمي سياسة نقدية غير تقليدية تلجأ إليها البنوك المركزية في حالات ضعف النمو الاقتصادي أو انخفاض أسعار الفائدة إلى مستويات متدنية.
وتقوم على ضخ سيولة إضافية في النظام المالي عبر شراء أصول مالية مثل السندات الحكومية، بهدف زيادة المعروض النقدي وتشجيع البنوك على الإقراض وتحفيز الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
ورغم وضوح توجهه نحو خفض الفائدة، إلا أن الموقع نوه إلى أن "توقيت هذه الخطوة وسرعتها لا يزالان غير محسومين، في ظل استمرار المخاوف داخل الأسواق وبين أعضاء آخرين في الاحتياطي الفيدرالي من احتمال عودة التضخم للارتفاع، وهو ما قد يحد من قدرة وارش على التحرك السريع".
وفي هذا الصدد، ذكر الموقع أن "بعض صناع السياسة النقدية في البنك يعربون عن قلقهم إزاء مستويات التضخم المرتفعة، وإشارات سوق العمل المتباينة، إلى جانب حالة عدم اليقين الكبيرة الناتجة عن العملية العسكرية في إيران، متبنين بذلك مواقف أكثر تشددا مقارنة برؤية وارش".
وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، إن البنك المركزي سيتجه عاجلا أم آجلا إلى خفض أسعار الفائدة شريطة تراجع التضخم نحو المستهدف البالغ 2 بالمئة، لكنه أشار إلى أن ارتفاع التضخم فوق التوقعات خلال عام 2026 أدى إلى تأجيل هذا المسار.
بدوره، حذر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستان غولسبي من أن التضخم لم ينجح في الاستقرار عند مستوى 2 بالمئة، بل عاد للارتفاع منذ دخول الولايات المتحدة في الحرب مع إيران، ما يفرض الحذر من مخاطر استمرار الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط.
وعلى مستوى الأسواق، أظهرت قراءة أداة "فيد ووتش" التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو التجارية أن توقعات المستثمرين لخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي خلال عام 2026 لا تتعدى نسبة 1 بالمئة.
وفي السياق نفسه، حذر مؤسس "صندوق بريدج ووتر أسوشيتس"، أكبر صندوق تحوط في العالمي، من أن الاقتصاد الأميركي دخل مرحلة "الركود التضخمي".
ورأى أن خفض الفائدة في هذه المرحلة سيكون قرارا خاطئا، وأن السياسة النقدية يجب أن تبقى شديدة الحذر.

دمية سياسية
من زاوية أخرى، تطرق الموقع الصيني إلى تدخلات البيت الأبيض في سياسة البنك الفيدرالي الأميركي. مشيرا إلى أن ذلك "يوجه ضربة قوية لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي".
وقال: "منذ بدء إجراءات التغيير في قيادة الاحتياطي الفيدرالي، تصاعدت التساؤلات حول قدرة كيفن وارش على الدفاع عن استقلالية البنك المركزي في ظل استمرار الضغوط الصادرة عن البيت الأبيض".
فقد قام الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ولايتيه المتتاليتين بممارسة ضغوط متكررة على الاحتياطي الفيدرالي، منتقدا بطء خفض أسعار الفائدة من جانب رئيسه السابق جيروم باول، بل وهدد بإقالته، كما سعى في بعض الحالات إلى إقالة أحد أعضاء مجلس المحافظين، ليزا كوك.
وبحسب التقرير، "تركت هذه التدخلات المتكررة من البيت الأبيض أثرا سلبيا واضحا على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وأضعفت من صورته كمؤسسة نقدية مستقلة".
وفي هذا السياق، أفاد الموقع بأن وارش "واجه انتقادات تتعلق بوضعه المالي الشخصي وعلاقاته السابقة مع ترامب، إذ وصفته السيناتورة الديمقراطية عن ولاية ماساتشوستس إليزابيث وارن وآخرون بأنه (دمية سياسية) بيد ترامب".
ووفق الموقع، "انعكست هذه الاتهامات على نتائج التصويت في مجلس الشيوخ، حيث كان وارش قد حصل عام 2006 عند ترشيحه لعضوية مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي على دعم بالإجماع، بينما لم يحصل في التصويت الأخير سوى على 54 صوتا مؤيدا".
وهو، بحسب الموقع، أدنى معدل تأييد لرئيس للاحتياطي الفيدرالي منذ عام 1977، ولم يكن من بين المؤيدين الديمقراطيين سوى السيناتور جون فيترمان من ولاية بنسلفانيا.
من جهته، "رد وارش على هذه الانتقادات بالتأكيد في عدة مناسبات على أهمية استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. مشيرا إلى أن ترامب لم يطلب منه قط الالتزام بخفض أسعار الفائدة".
"لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تعبير المسؤولين الحكوميين عن آرائهم بشأن أسعار الفائدة لا يشكل تهديدا مباشرا للاستقلالية التشغيلية للسياسة النقدية"، وفق التقرير.
في المقابل، ذكر الموقع أن وارش "انتقد توسع نطاق تدخل الاحتياطي الفيدرالي في ملفات مثل تغير المناخ وعدم المساواة الاجتماعية، معتبرا أن هذه القضايا تقع خارج اختصاصه ولا يملك البنك المركزي الخبرة الكافية للتعامل معها".
وعليه، أكد أنه "سيعمل على إعادة تركيز البنك على وظائفه الأساسية وتجنب توسع صلاحياته".
على مستوى الحوكمة، أوضح الموقع أن وراش "يسعى إلى تنفيذ إصلاحات مؤسسية تهدف إلى إعادة بناء ثقة الأسواق في الاحتياطي الفيدرالي".
وتابع: "تشمل هذه الإصلاحات، التوقف عن استخدام ما يعرف بـ(التوجيه المستقبلي) بشأن مسار أسعار الفائدة، وإصلاح آليات التواصل بما يجعل المؤسسة تتحدث بصوت موحد وأكثر اتساقا، وتحديث مصادر البيانات الاقتصادية التي تعتمد عليها".
إضافة إلى "إعادة تحديد العلاقة مع وزارة الخزانة عبر اتفاقات واضحة لتوزيع المسؤوليات في إدارة الاقتصاد، إلى جانب تقليص المهام غير الأساسية وخفض عدد الموظفين داخل المؤسسة".
وعقّب التقرير: "تعكس مسيرة وارش ومواقفه دعما واضحا لنهج يقوم على تخفيف القيود المالية لتحفيز النشاط الاقتصادي، مع الإبقاء على إطار تنظيمي ضروري يوازن بين النمو والاستقرار المالي".
وهو ما نوه الموقع إلى أنه "يتقاطع بدرجة كبيرة مع أجندة تخفيف القيود التي تبنتها إدارة ترامب".
متابعة دقيقة
وبحكم كونها أكبر اقتصاد في العالم، تتأثر المنظومة المالية العالمية بسياسات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
في هذا الإطار، ذكر الموقع أن وارش شغل خلال فترة عضويته الأولى في الاحتياطي الفيدرالي بين عامي 2006 و2011 منصب ممثل البنك لدى مجموعة العشرين، ما منحه خبرة في قضايا الحوكمة المالية العالمية.
ومن ثم، ومع تولي الولايات المتحدة رئاسة مجموعة العشرين في عام 2026، توقع التقرير أن "تحظى مواقف وارش بشأن تنظيم النظام المالي الدولي وتنسيق السياسات الاقتصادية وإدارة الأزمات بمتابعة دقيقة من دوائر صنع القرار العالمية".
وبشكل عام، يمكن القول إن "توجهات وارش تقوم على خفض أسعار الفائدة وتقليص الميزانية العمومية وتخفيف القيود التنظيمية وإصلاح هيكل المؤسسة، بهدف إعادة هيكلة الاحتياطي الفيدرالي وتحسين كفاءة انتقال السياسة النقدية، بما يدعم النمو الاقتصادي الأميركي ويعزز مكانة الدولار عالميا".
ومن منظور أوسع، أشار الموقع إلى أن "تداعيات هذه السياسات لا تقتصر على الداخل الأميركي، بل قد تمتد عبر أسعار الصرف وحركة رؤوس الأموال وأسواق الديون لتؤثر بشكل مباشر في الاستقرار المالي العالمي".
وبناء على ذلك، يرى التقرير أن "بيئة فائض السيولة الدولارية التي استمرت لسنوات طويلة قد تشهد تحولا جذريا؛ إذ سيعمل وراش على جذب رؤوس الأموال للاستثمار في الاقتصاد الأميركي، مما يضع الاقتصادات غير الأميركية، لا سيما الاقتصادات الناشئة، أمام ضغوط أكبر".
تتمثل -حسب التقرير- في "انخفاض قيمة عملاتها المحلية، والاضطرار إلى تشديد الأوضاع المالية، وتسارع خروج رؤوس الأموال، فضلا عن تصاعد ضغوط سداد الديون الخارجية وغيرها من التحديات المتعددة".














