"قوانين مفصلة".. تشريعات حكومة أخنوش لإرضاء المواطنين أم المحتكرين؟

"قوانين الاستثمار والصفقات العمومية تُسهّل التمركز والاحتكار"
اتهم سياسيون وأكاديميون حكومة عزيز أخنوش باستغلال أغلبيتها العددية في البرلمان لتمرير قوانين مفصّلة على المقاس، بما يخدم مصالح أشخاص ولوبيات معينة، على حساب المصلحة العامة والقدرة الشرائية للمواطنين في كثير من الأحيان.
وتتكون الأغلبية الحكومية من أحزاب التجمع الوطني للأحرار، قائد التحالف، الذي يتوفر على 102 مقعد في البرلمان، والأصالة والمعاصرة بـ86 مقعداً، والاستقلال بـ81 مقعداً.
وبذلك، يمتلك التحالف الحكومي 269 مقعداً في مجلس النواب المغربي من أصل 395 مقعداً، وهي أغلبية مريحة تتيح لحكومة أخنوش تمرير القوانين بسهولة داخل المجلس، رغم اعتراض المعارضة التي تظل مشتتة، على الرغم من امتلاكها 126 مقعداً في الغرفة الأولى للبرلمان.

استبداد الأغلبية
وفي تعليقه على هذا الإشكال، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش عبد الرحيم العلام، إن المفروض في التشريع من حيث المبدأ الديمقراطي، أن يكون قاعدة عامة ومجردة لا تخدم أي جهة معينة وإنما غايتها هي المصلحة العامة.
وأضاف العلام، في حديث لـ"الاستقلال"، أن الديمقراطية لا تخلو من عيوب وأكبر عيبها هو ما يسمى "استبداد الأغلبية" أو "ديكتاتورية الأغلبية" أو ما يمكن أن نطلق عليه "الاستبداد الديمقراطي".
وتابع أنه عندما تكون الحكومة منبثقة عن أغلبية نيابية، فإن الفصل بين السلط يُفرغ من محتواه بسبب أن الحكومة والبرلمان ينتميان لنفس الأغلبية، وهذا يكون بشكل كبير في الديمقراطيات البرلمانية التي تنبثق فيها الحكومة عن البرلمان.
ورأى العلام، أن هذا الأمر يمكن وصفه بأنه أحد عيوب الديمقراطيات البرلمانية، مستدركا: لكنه يزداد وطأة وحِدة في الدول التي تعيش انتقالات ديمقراطية، وفي الحكومات التي تكون منبثقة عن نتيجة تصويت ضئيلة في ظل عزوف انتخابي وضعف المجتمع المدني وترهل الأحزاب والنقابات ومحدودية رقابة الإعلام.
وسجل أنه في بريطانيا مثلا فإن الأغلبية يمكن أن تُشرع بعض القوانين التي يمكن وصفها بأنها “غير شعبية”.
واستدرك بالقول: لكن وجود مجتمع مدني قوي وحركة نقابية قوية ومنظمات حزبية حية وإعلام فاعل، يجعل الحكومة البريطانية تُفكر ألف مرة قبل أن تشرع قانونا على مقاس معين؛ لأنها تخاف أن تُفضح، على حد تعبير العلام.
في المقابل، يرى العلام، أن المغرب يشهد ضعفا للمجتمع المدني والأحزاب السياسية والنقابات ومحدودية تأثير الإعلام، لذا فهذا العيب الذي كان أصلا في المبدأ الديمقراطي، يصبح ليس فقط عيبا بسيطا، وإنما "عيبا أكبر" في الدول التي لا تمتلك المقومات التي تحُول دون "أزمة الديمقراطية".
وأكد أنه تم تمرير العديد من مشاريع القوانين التي تأتي من مجلس حكومة أخنوش عبر البرلمان الذي تحول إلى "غرفة للتسجيل"؛ حيث تستغل الحكومة أغلبيتها البرلمانية لتبني العديد من مشاريع القوانين بالأغلبية العددية.
ولفت العلام إلى أن العديد من مشاريع القوانين تُصاغ في مقرات أحزاب الأغلبية الحكومية أولا ويتم الاتفاق عليها ثم تأتي إلى البرلمان، ولذا لا يمكن للأغلبية البرلمانية أن تخالف ما جاءت به الأغلبية الحكومية لأنهما في نهاية المطاف، نفس الشيء.
ورأى أن ضعف البرلمان والمجتمع المدني والإعلام والأحزاب السياسية والنقابات هو ما يؤدي إلى المصادقة على قوانين فيها رائحة إرضاء لوبيات معينة.
وأردف بالقول: "صحيح أن العالم كله فيه لوبيات من قبيل الولايات المتحدة الأميركية وسويسرا، لكنها لوبيات معلنة في الغالب، إضافة إلى أن هذه الدول تشهد وجود برلمان قوي ومجتمع مدني حي وانتخابات حرة ونزيهة ومجالس مؤسساتية تقوم بدورها وجميع المسؤولين يخضعون للمساءلة البرلمانية".

ظاهرة خطيرة
من جهتها، قالت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي فاطمة الزهراء التامني: “نحن فعلا، أمام ظاهرة خطيرة، عبر قوانين تُفصّل على المقاس، ومقتضيات تُمرّر بطريقة انتقائية، وتخدم فئات بعينها ولذلك نسائل الحكومة، لمن تشرع؟”
وأضافت لـ"الاستقلال"، أن “الحكومة تُمرر قوانين بسرعة دون إشراك حقيقي للفاعلين، وفي تجاهل للملاحظات الدستورية والمؤسساتية من قبيل مجلس المنافسة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وجمعيات المجتمع المدني..”
وأوضحت التامني أنه يتم الخروج بنصوص تبدو وكأنها مفصلة لخدمة مصالح اقتصادية محددة أكثر مما هي موجهة لخدمة المصلحة العامة.
وتابعت: "للأسف، أصبحنا أمام تشريع لا يخدم المواطن، بل يخدم من يملك النفوذ والقدرة على التأثير وكأن الحكومة لا تشرّع باسم الأمة، بل تشرّع باسم لوبيات تتحكم في القطاعات الحيوية".
وشددت التامني على أن الحكومة “لم تعد تشرّع بمنطق المصلحة العامة، بل بمنطق تفصيل القوانين”.
وأردفت: "نرى ذلك في قوانين تهم العقار والتعمير؛ حيث يستفيد كبار المنعشين، وفي قوانين الاستثمار والصفقات العمومية التي تُسهّل التمركز والاحتكار، وفي قوانين الصحة والأدوية التي تُبقي الأسعار مرتفعة، وفي قوانين التعليم والقطاع الخاص التي تدفع نحو مزيد من الخوصصة".

خصم وحكم
وإذا كانت البرلمانية التامني، ترى أن "الريع التشريعي" في عهد حكومة أخنوش، تحول إلى ظاهرة بمعنى أنها عرفت تكرارا طيلة ولايتها الحكومية، فإن الباحث في التواصل السياسي حسن حمورو، رأى أن "حكومة عزيز أخنوش باتت عنوانا لمرحلة سياسية يطغى عليها منطق تضارب المصالح وتغليب الحسابات الخاصة على متطلبات المصلحة العامة".
وأضاف حمورو لـ"الاستقلال"، أنه بدل أن تنصرف الحكومة إلى تعزيز المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص، اختارت نهجا يثير الكثير من التساؤلات حول تشريعات وقرارات تبدو وكأنها صِيغت لخدمة مصالح فئات محددة تتمتع بالقرب من دوائر السلطة والنفوذ.
وأكد أن "التشريع على المقاس لا يهدد فقط مبدأ المساواة أمام القانون، بل يضرب في العمق ثقة المستثمرين والمواطنين في المؤسسات"، مبينا أنه "عندما يشعر الفاعل الاقتصادي أن تحقيق الربح مرتبط بالقرب من السلطة أكثر من ارتباطه بالكفاءة والابتكار، فإن المؤسسات تصبح طاردة للاستثمار ومشجعة للاحتكار والريع".
وأوضح أنه خلال الولاية الحكومية الحالية أثير نقاش واسع حول تضارب المصالح، سواء تعلق الأمر بقطاع المحروقات وما رافقه من جدل حول هوامش الأرباح والأسعار، أو بالصفقات الكبرى والاستثمارات العمومية التي لم يظهر من خلالها احترام قواعد المنافسة والحياد.
وتابع أنه في هذا السياق، برزت حالات من هذا القبيل حيث استفادت شركات مرتبطة بوزراء أو شخصيات من الأغلبية الحكومية من قرارات أو سياسات عمومية.
وأشار حمورو، إلى استفادة شركة تابعة لرئيس الحكومة من صفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، واستفادة شركة تابعة لوزير التربية الوطنية من صفقات وترخيصات أقرها وزير الصحة في قطاع الصيدلة والأدوية.
“إلى جانب استفادة فلاحين كبار لهم صلة بأحزاب الأغلبية من الدعم المخصص لاستيراد الأغنام والمواشي، ناهيك عن استفادة مقربين من حزب رئيس الحكومة من تخفيضات جمركية تم إقرارها في قوانين المالية”.
ويرى حمورو، أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود خرق قانوني من عدمه، بل في الإصرار على إنتاج وضعيات تضع الحكومة في موقع الخصم والحكم في الوقت نفسه.
وشدّد على أن استمرار منطق التشريع على المقاس، يؤثر على ثقة المغاربة في السياسة وفي جدوى المؤسسات والقانون، وهذا ثمن لا يمكن لأي بلد يسعى إلى التنمية والاستقرار أن يتحمله.
وسجل حمورو، أنه في ظل هذه الشبهات من حق المغاربة أن يتساءلوا: كيف يمكن الحديث عن المنافسة الشريفة في ظل ما أثير حول تضارب المصالح والتشريع للريع والتشريع على المقاس؟ وكيف يمكن إقناع المقاولات الصغرى والمتوسطة بوجود تكافؤ الفرص، إذا كانت المعطيات تفيد أن أبواب الحصول على صفقة في هذا القطاع أو ذاك لا تُفتح إلا لمن يمتلك النفوذ السياسي أو علاقة مع رئيس الحكومة ومع وزراء في الحكومة.
وخلص حمورو، إلى أن هناك حاجة لفتح نقاش وطني حول تخليق الحياة العامة، ومحاصرة منافذ تضارب المصالح الذي ليس سوى الاسم الحركي للفساد، وإلزام أعضاء الحكومة بالابتعاد الفعلي عن كل ما يمكن أن يثير الشكوك حول استفادتهم المباشرة أو غير المباشرة من التشريعات والقرارات العمومية.

















