ما بعد أوكرانيا.. لماذا عادت "الطورانية التركية" إلى الواجهة الروسية؟

"أصبحت السياسة التركية أكثر تنظيما واتساعا"
في ظل التحولات الجيوسياسية التي أعقبت حرب أوكرانيا، تتصاعد في الأوساط الروسية التحذيرات من تنامي “الطورانية التركية” بصفتها أيديولوجيا عابرة للحدود تسعى لإعادة تشكيل الهوية والنفوذ في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي.
في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، نشرت جامعة قازان تيميرياسوف الابتكارية دراسة جماعية بعنوان "أساطير القومية التركية وأمن روسيا في أوراسيا في القرن الحادي والعشرين".
تتناول الدراسة الطورانية التركية كنظام أيديولوجي معقد يعمل من خلال منظومة من الصور والروايات الرمزية، ومن خلال آليات سياسية.
والطورانية التركية هي حركة قومية ظهرت أواخر العهد العثماني، سعت لتوحيد جميع الشعوب الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى والقوقاز ضمن إطار جامع، انطلاقا من الروابط اللغوية والدينية والثقافية والعادات المشتركة، كبديل لفكرة الدولة متعددة القوميات.
ويعرف "المجلس الروسي للشؤون الدولية" الطورانية التركية بوصفها "أيديولوجيا جامعة تقوم على مجموعة من الأساطير المؤسسة المرتبطة بفكرة الماضي المشترك ووحدة الشعوب الناطقة باللغات التركية المنحدرة من فضاء توران التاريخي".
وبحسب الموقع الروسي، "تُستخدم هذه الآليات في تشكيل الهوية الوطنية للشعوب التركية في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي".
ووفقا له، "يرجع هذا المسار إلى مرحلة انهيار الاتحاد السوفيتي، لكنه تسارع بصورة ملحوظة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، بالتزامن مع إعادة تشكيل توازنات القوى الإقليمية ودور روسيا في المنطقة".

أكثر شمولا
وفي مطلع تقريره، تحدث المجلس عن أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها أنقرة لتنفيذ أجندتها السياسية في آسيا الوسطى.
وأوضح أن "التركيز الأساسي يتمحور حول نشر فكرة تطوير اللغات التركية التي تصنف وفقا لمعايير جغرافية وعرقية".
وتابع: "يظهر هذا التوجه بوضوح اليوم في اتساع نطاق استخدام هذه اللغات، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تصاعد النزعات القومية وتعزيز الاندماج الثقافي مع تركيا بهدف توثيق الروابط مع الشعوب التركية في آسيا الوسطى".
وذكر أنه "بدأ تشكيل هذه السياسة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، حين كانت تركيا من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال جمهوريات آسيا الوسطى".
وأضاف: "في المرحلة الأولى، لعب الرئيس تورغوت أوزال دورا محوريا في بلورة مفهوم (العالم التركي) بصفته أساس السياسة الخارجية التركية تجاه الدول المستقلة حديثا في المنطقة".
وأردف: "وفي عام 1992، جرى تأسيس وكالة تيكا التركية للتعاون والتنسيق، التي أصبحت عمليا الأداة الرئيسة للنفوذ التركي في المنطقة، حيث بدأت عبرها مشاريع تعليمية وثقافية وبنية تحتية واسعة النطاق".
وأشار إلى أنه "خلال الفترة نفسها، أُطلقت برامج تعليمية شملت افتتاح مدارس ومعاهد وجامعات، إلى جانب برامج لاستقبال طلاب آسيا الوسطى في المؤسسات التعليمية التركية".
كما بدأت منذ عام 1992 قمم الدول التركية، التي أرست أساس التعاون المؤسسي، قبل أن يؤدي ذلك بعد عام واحد إلى تأسيس المنظمة الدولية للثقافة التركية "توركسوي" بهدف تطوير التعاون الثقافي بين الدول الناطقة باللغات التركية.
وبحسب المجلس، "تُقدم توركسوي اليوم في عدد من المصادر بصفتها نسخة موازية لمنظمة اليونسكو داخل العالم التركي".
ووفقا له، "تستند هذه السياسة بأكملها إلى مفهوم (العالم التركي)، الذي يقوم على وجود فضاء ثقافي وتاريخي موحد يجمعه التقارب اللغوي والتقاليد المشتركة والماضي التاريخي الواحد".
ولفت المجلس إلى أن "هذا المفهوم يُكرس في الخطاب الرسمي التركي، كما يجري تطبيقه من خلال صيغ التعاون بين الدول".
في هذا السياق، أفاد المجلس بأن "عملية إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون الأيديولوجي والثقافي شهدت زخما أكبر خلال العقد الأول من الألفية، خاصة بعد وصول رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002".
فوفق ما وُرد بالتقرير، "أصبحت السياسة التركية في آسيا الوسطى خلال هذه المرحلة أكثر تنظيما واتساعا، وهو ما انعكس في زيادة تمويل البرامج الإنسانية وتوسيع نشاط المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، مثل مؤسسة معارف، ورئاسة الشؤون الدينية (ديانت)، ومعهد يونس أمره".
أداة تنسيق
من هنا، قدر المجلس أن تأسيس مجلس تعاون الدول الناطقة باللغات التركية عام 2009 "شكل محطة رئيسة في مسار البناء المؤسسي، قبل أن يتحول عام 2021 إلى منظمة الدول التركية عقب قمة أنقرة".
وبحسبه، "تعمل المنظمة تعمل بصورة نشطة بصفتها أداة لتنسيق السياسات الإنسانية والترويج للأجندة التركية المشتركة".
وهو ما أشار التقرير إلى أنه "يهيئ الأرضية لإعادة توجيه جزء من النخب والخطاب العام داخل المنطقة بصورة تدريجية، بما يؤثر على مستوى استقلالية دول آسيا الوسطى"، بحسب رأيه.
أما النفوذ الثقافي، فذكر أنه "يُمارس عبر الانتشار الواسع للمنتجات الإعلامية التركية؛ إذ تحظى المسلسلات والأفلام والمشاريع التاريخية التركية بحضور بارز داخل المشهد الإعلامي في دول آسيا الوسطى".
وأبرز المجلس أهمية المنتجات الإعلامية التركية قائلا: "من خلال هذه الوسائط، يجرى الترويج لسرديات تركز على الأصل المشترك للشعوب التركية والتقارب الثقافي بينها".
أما التعاون الديني، فيأتي -بحسب التقرير- كمسار تكميلي يدعم الجهود السابقة، ويشمل إعداد الكوادر في مجال التعليم الإسلامي والتعاون مع المؤسسات الدينية الرسمية.
ولفت المجلس إلى أنه "بعد عام 2020، لا سيما في ظل تغير ميزان القوى الإقليمي، تصاعد النشاط التركي في آسيا الوسطى بصورة ملحوظة، بالتزامن مع تعميق التأثير الثقافي والأيديولوجي".
إذ أكد المجلس أن الحضور التركي المباشر في آسيا الوسطى "بات يتجاوز تدريجيا حدود التعاون الثقافي والإنساني، ليشمل المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التقنية".
ووفقا لتقديره، فإن "هذا المسار يتخذ طابعا تدريجيا يعكس انتقال أنقرة من أدوات القوة الناعمة إلى نموذج نفوذ إقليمي أكثر تكاملا ووضوحا، تتكامل فيه مختلف مسارات السياسة التركية وتدعم بعضها بعضا".
في هذا الإطار، شدد التقرير على أن المسار الاقتصادي يظل أحد أبرز المحاور الأساسية في هذه الإستراتيجية.
وعزا ذلك قائلا: "فمنذ مطلع الألفية الجديدة، شهدت العلاقات التجارية والاقتصادية بين تركيا ودول آسيا الوسطى نموا متصاعدا، إلا أن هذا المسار اكتسب زخما إضافيا خلال العقد الحالي".
فالشركات التركية تشارك بصورة نشطة في مشاريع البنية التحتية والإنشاءات والقطاع الصناعي، إلى جانب مساهمتها في تطوير قطاعي الأعمال الصغيرة والمتوسطة.
وعلى وجه الخصوص، تنفذ مشاريع البناء والبنية التحتية بمشاركة شركات عملاقة مثل "إنكا إنشات"، و"رينيسانس هولدينغ"، و"ليماك هولدينغ".
وعقّب المجلس: "تسهم هذه التحركات مجتمعة في ترسيخ حضور رأس المال التركي وتعزيز نفوذه داخل المنطقة".
"أما التقارب السياسي بين الجانبين، فيتطور بصورة رئيسة عبر الأطر متعددة الأطراف، وعلى رأسها منظمة الدول التركية"، قال التقرير.
وأضاف: "خلال العقد الحالي، برزت زيادة واضحة في وتيرة الاتصالات على مستوى القادة، إلى جانب توسيع أجندة التعاون وارتفاع عدد المبادرات المشتركة".
وفي الوقت نفسه، لفت التقرير إلى أن التعاون العسكري التقني "اكتسب طابعا أكثر وضوحا مقارنة بالفترة الممتدة بين أواخر العقد الثاني وبدايات العقد الثالث من القرن الحالي".
وتواصل أنقرة توسيع صادراتها من الصناعات الدفاعية، بما يشمل الطائرات المسيرة وأنظمة الاتصالات الحديثة ومختلف أنواع التسليح.
وبالتوازي مع ذلك، تنفذ برامج لتدريب الكوادر العسكرية، وتعقد مشاورات أمنية وتنظم فعاليات مشتركة في المجال الأمني، "وهو ما يعزز في مجمله الحضور العسكري والسياسي التركي ونفوذه داخل المنطقة"، وفق التقرير.
ومع أنه يرى أن "توسيع النفوذ التركي يحمل طابعا ظرفيا يرتبط بالتغيرات بعد الحرب مع أوكرانيا منذ عام 2022" إلا أنه شدد على أنه "يمثل امتدادا لإستراتيجية عمل صيغت سابقا وتستهدف منطقة آسيا الوسطى، وهي المنطقة التي تحظى بأهمية إستراتيجية بالغة لروسيا على الصعيدين الجيوسياسي والاقتصادي".
وهو ما يشير، بحسب التقرير، إلى "انتقال الطورانية التركية بشكل تدريجي من النفوذ الإنساني والثقافي البحت إلى نموذج حضور أكثر شمولا وتعقيدا".

مزيج مرن
من زاوية أخرى، تناول الموقع الروسي ما عده "ارتباط العقيدة السياسية الخارجية لتركيا بصورة وثيقة بعضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)"، إذ ادعى أن هذا العامل "يضيف بعدا إضافيا لتحركاتها غربا وشرقا".
وقال: "رغم أن آسيا الوسطى لا تقع ضمن نطاق المسؤولية المباشرة للحلف، فإن المنطقة تحظى بأهمية خاصة من زاوية الأمن واللوجستيات واحتواء التهديدات العابرة للحدود، مثل الإرهاب الدولي وانتشار أسلحة الدمار الشامل".
وبوصفها عضوا في حلف الناتو، فإن تركيا تمتلك، بحسب التقرير، "القدرة على لعب دور الوسيط بين الحلف ودول آسيا الوسطى".
ووفقا له، "يتجلى ذلك في محاولاتها تطوير العلاقات الثنائية بما يخدم أهدافها الجيوسياسية ويؤسس لنفوذ طويل الأمد وغير مباشر داخل المنطقة".
في المقابل، زعم التقرير أن الناتو "يبدي اهتماما بتوسيع وتطوير منظمة الدول التركية بصفتها أداة محتملة للتأثير الخارجي في آسيا الوسطى".
ورغم إقراره أن "مسألة توسع الناتو نحو آسيا الوسطى لا تطرح حاليا ضمن الأجندة العملية للحلف"، إلا أنه يقدر أن "أي قيود قانونية صريحة تمنع هذا التوسع غير موجودة".
ومع ذلك، ذكر التقرير أن "العوامل الجغرافية والسياسية، وفي مقدمتها بعد المنطقة وعدم وجود حدود مباشرة مع دول أعضاء في الحلف؛ تحد من فرص حضوره الرسمي داخل آسيا الوسطى".
إذ "تشكل العوامل الجغرافية، المتمثلة في البحرين الأسود وقزوين، إلى جانب العامل السياسي المرتبط بالموقع الروسي، قيودا طبيعية تحد من الانخراط المباشر للناتو في المنطقة".
"ونتيجة لذلك، يلجأ الحلف إلى آليات غير مباشرة للتفاعل، عبر عدد من الدول الأعضاء، وعلى رأسها تركيا"، وفق قوله.
في هذا الصدد، ينظر المجلس إلى التعاون العسكري التكتيكي وبرامج إعداد الكوادر بوصفها "أحد مظاهر الحضور غير المباشر للناتو في المنطقة".
وعزا ذلك إلى أنه "من خلال مشاركة تركيا في تدريب المختصين وتحديث البنى الدفاعية لدول آسيا الوسطى، تجري بصورة تدريجية عملية تكييف جزئي مع معايير الحلف وممارساته".
ورغم ذلك، شدد المجلس على أنه "لا يمكن وصف السياسة التركية في المنطقة بأنها مجرد امتداد كامل لإستراتيجية الناتو".
فأنقرة، وفقا له، "تحتفظ بهامش واسع من الاستقلالية في اتخاذ القرار، وتسعى إلى تحقيق مصالحها الإقليمية الخاصة، وهو ما يظهر في المزج المرن بين التزاماتها كعضو في الحلف وإستراتيجيتها الوطنية المستقلة".
مراكز بديلة
في المحصلة، يرى التقرير أن "تغير الوضع الدولي بعد عام 2022 أثر على طبيعة هذه العمليات؛ حيث أدت إعادة توزيع الأولويات الإقليمية إلى تعزيز أهمية القنوات البديلة للتفاعل مع آسيا الوسطى".
الأمر الذي يعتقد أنه "أتاح بدوره ظروفا إضافية لتوسيع الوجود غير المباشر للناتو عبر شبكة العلاقات والمبادرات التركية في المنطقة".
بشكل عام، يقيم المجلس أيديولوجية الطورانية التركية بوصفها "إستراتيجية خاصة في طابعها التدريجي والمؤسسي، فمنظمة الدول التركية تمثل هيكلا يسعى إلى تشكيل هوية فوق وطنية قادرة على التأثير في المسارات الداخلية لدول آسيا الوسطى".
وتوقع أن "يواصل هذا المسار التأثير على مستوى السيادة والاستقلال الذاتي لدول المنطقة، إلى جانب تعميق ارتباطها بأحد مراكز النفوذ الخارجية".
وفي ضوء تعدد العوامل المؤثرة، خلص المجلس إلى أن "هذه التحولات في السياسة الإقليمية قد تسهم على المدى الطويل في ظهور مراكز نفوذ بديلة داخل المنطقة، وتقليص الدور الروسي في منظومة العلاقات الإقليمية، إلى جانب إعادة تشكيل توازنات القوى في أوراسيا".
وبحسب تقديره، "قد يقود ذلك إلى تداعيات غير مسبوقة على أمن روسيا ومكانتها مستقبلا".
ومن هذا المنطلق، حذر التقرير من أن "السياسة التركية في آسيا الوسطى لم تعد مجرد إطار للتعاون الثقافي التقليدي، بل بدأت تكتسب طابعا جيوسياسيا متكاملا يتطلب قراءة معمقة وإعادة صياغة للمقاربات القائمة، إلى جانب بلورة إستراتيجية واضحة تراعي المصالح الروسية ومصالح دول آسيا الوسطى، بهدف الحفاظ على هويتها واستقلالها".
















