من "ذا لاين" إلى "أوكساغون".. لماذا تغيرت أولويات الاستثمار السعودي بعد الحرب؟

"التحولات التي شهدها مشروع نيوم تعكس هشاشة المشاريع الضخمة"
شهد مشروع "نيوم" السعودي الذي يعد أكبر مشروع عمراني طموح في العالم، انتكاسة كبيرة خلال الآونة الأخيرة، بعدما أفادت تقارير إعلامية أجنبية بأن أعمال البناء الخاصة بمشروع "ذا لاين" قد أُرجئت إلى ما بعد عام 2030، وفقا لمصادر مطلعة على سير المشروع.
ويمثل هذا المشروع الذي كان من المقرر أن تتجاوز تكلفته النهائية 8.8 تريليونات دولار، رؤية طموحة لإنشاء مدينة مستقبلية (ذا لاين) تمتد لمسافة 170 كيلومترا وسط صحراء تبوك شمال غرب المملكة، وتتكون من مبنيين متوازيين بارتفاع 500 متر وواجهات عاكسة ضخمة.
"غير أن هذه المدينة التي روج لها بصفتها نموذجا عمرانيا ثوريا، تواجه اليوم أكبر عملية إعادة هيكلة إستراتيجية منذ إطلاقها، بعدما اصطدمت طموحاتها الهندسية الهائلة بالضغوط المالية والتحديات الجيوسياسية"، بحسب موقع "تينسنت".

شلل تام
وذكر الموقع الصيني أنه "مع بدء إعادة تقييم مشروع ذا لاين، شهدت الأشهر الماضية موجة واسعة من إلغاء العقود وتعديلها مع كبرى شركات المقاولات العالمية".
ومن أبرز الشركات المتأثرة شركة "ويبيلد" الإيطالية العملاقة في مجال المقاولات، والتي كانت قد فازت سابقا بعقد قيمته 4.7 مليارات دولار لبناء سدود جبلية وبحيرة صناعية، إضافة إلى شركة "إيفرسينداي" الماليزية التي كانت مسؤولة عن الهياكل الفولاذية الضخمة لمنتجع "تروجينا" للتزلج.
كما نالت هذه التأثيرات الحادة التحالف الدولي الذي يضم "سامسونج سي آند تي" و"هيونداي للهندسة والإنشاءات" وشركة "أرشيرودون"، وهو التحالف المسؤول عن حفر أنفاق القطارات السريعة الأرضية.
وفي خطوة موازية، أقدم صندوق الثروة السيادي السعودي على خفض القيمة الدفترية لبعض أصول المشروع، بينما بدأت أعداد كبيرة من معدات الحفر الثقيلة والعاملين في مواقع البناء بالانتقال إلى العاصمة الرياض.
واستطرد الموقع: "لم يتبق في موقع المشروع سوى خندق ضخم غير مكتمل يمتد لمسافة تقارب 2.4 كيلومتر وسط الصحراء".
وأشار إلى أن ما وصفه بـ"التراجع الإستراتيجي" لم يقتصر على مشروع "ذا لاين" فحسب بل "امتد ليتسبب في شلل تام لسلسلة من المشاريع اللوجستية والترفيهية المحيطة بها".
فقد أُلغيت رسميا عقود شبكة السكك الحديدية بين المدن التي كانت تبلغ قيمتها 1.6 مليار دولار، والمخصصة لربط ساحل البحر الأحمر بالمناطق الجبلية الداخلية.
كما توقفت بالكامل أعمال إنشاء منتجع "تروجينا" الجبلي للتزلج الذي كانت السعودية تخطط من خلاله لصناعة بيئة ثلجية دائمة في قلب الصحراء واستضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، وبناء على ذلك، تقرر نقل استضافة الدورة إلى مدينة ألماتي في كازاخستان.
كذلك دخلت خطط إنشاء استاد رياضي فائق الحداثة يتسع لنحو 46 ألف متفرج، وكان من المقرر تشييده فوق "ذا لاين" استعدادا لاستضافة كأس العالم 2034، في حالة من الجمود وعدم اليقين بشأن مستقبله.
وبحسب الموقع "لم تكن هذه التطورات الأولى من نوعها؛ إذ سبقها مطلع عام 2026 دخول مشروع (المكعب)، ناطحة السحاب العملاقة الواقعة في قلب الرياض والبالغة تكلفتها نحو 50 مليار دولار، مرحلة تجميد فعلي بعد تعثر التقدم في تنفيذه".
مراجعة صارمة
ويرى الموقع أن السبب الرئيس وراء قرار السعودية تقليص خسائرها في هذا المشروع العملاق يعود إلى "تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط".
إذ يقدر أن "الحروب والصراعات المتسعة في المنطقة بدأت تفرض ضغوطا متزايدة على الاقتصاد السعودي، وتستنزف موارد المملكة بوتيرة متسارعة".
واستند في ذلك لأحدث البيانات الاقتصادية التي توضح انكماش الناتج المحلي الإجمالي السعودي خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 1.5 بالمائة مقارنة بالربع الأخير من نهاية 2025، في وقت تواجه فيه المملكة اتساعا ملحوظا في عجز الموازنة.
فضلا عن ذلك، "أسهمت التداعيات المالية للحرب وارتفاع النفقات العسكرية في تقليص الحيز المالي المتاح للحكومة، لتسجل السعودية خلال الربع الأول من عام 2026 أكبر عجز مالي فصلي منذ عام 2018".
ورغم إشارته إلى أن "اندلاع الصراعات الإقليمية أدى إلى ارتفاع أسعار النفط عالميا، ما مكن السعودية من تحقيق إيرادات نفطية بلغت نحو 24.7 مليار دولار خلال الشهر الأول من الأزمة"، إلا إن "طبيعة اقتصاد الحرب فرضت أولويات مختلفة على صناع القرار"، بحسب تحليله.
وتابع: "فلم يعد من الممكن توجيه هذه التدفقات النقدية إلى مشاريع سياحية وعمرانية طويلة الأجل لا توفر عوائد مباشرة في المدى القريب".
وأوضح أنه "في هذا السياق، خفضت شركة أرامكو السعودية توزيعات الأرباح الموجهة إلى صندوق الاستثمارات العامة استجابة لمتطلبات الأمن الوطني، الأمر الذي انعكس سلبا على السيولة المتاحة للصندوق".
بعبارة أخرى، يعتقد الموقع أن "حالة عدم الاستقرار في الخليج العربي ومضيق هرمز زادت من المخاوف بشأن أمن مناطق إنتاج الطاقة والموانئ الواقعة شرقا، ما دفع القيادة السعودية لإعادة توجيه الموارد المالية من المشاريع الطموحة بعيدة المدى نحو مشاريع أكثر إلحاحا ترتبط بالأمن القومي والاحتياجات الاقتصادية المباشرة".
وذكر أنه "في ظل هذه المعطيات، أجرت الرياض مراجعة صارمة لأولويات الإنفاق داخل مشروع نيوم".
وأردف: "فبينما تعرضت مشاريع عدة للتقليص أو التعليق، حافظ مشروع مدينة أوكساغون الصناعية والميناء الواقع على ساحل البحر الأحمر على جزء مهم من التمويل المخصص له".
وعزا التقرير ذلك إلى "تنامي أهمية البحر الأحمر كبديل إستراتيجي في حال تعرض الملاحة عبر مضيق هرمز لأي اضطرابات أو إغلاق محتمل".
وبذلك، “تحولت مشاريع الموانئ والخدمات اللوجستية من مجرد جزء من رؤية التنمية الاقتصادية إلى عنصر حيوي يرتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي والإستراتيجي للمملكة”.

تحديات مالية
ولفت الموقع الصيني إلى أن "تعثر المشروع لا يقتصر على العوامل الجيوسياسية وحدها، بل يمتد أيضا إلى مشكلات تتعلق بجدواه الهندسية والاقتصادية".
وأشار إلى أنه "وفقا لتقرير سري نتج عن أحدث عملية تدقيق داخلي وتم تسريبه إلى وسائل إعلام مالية عالمية بارزة، فإن التكلفة الإجمالية الفعلية للمواد والبناء اللازمة لإتمام تشييد هاتين الناطحتين المتوازيتين بطول 170 كيلومترا لن تقف عند حدود 500 مليار دولار كما روج له في البداية".
"بل ستقفز إلى رقم مرعب يصل إلى 8.8 تريليونات دولار، وهو ما يعادل أكثر من 25 ضعفا للميزانية السنوية العامة للدولة السعودية؛ مما يجعله في علم الاقتصاد متجاوزا بالكامل الحدود القصوى لطاقة أي دولة ذات سيادة"، وفقا له.
وعلى المستوى الهندسي، "يواجه المشروع تحديات معقدة تتعلق بطبيعة تصميمه نفسه"، يقول الموقع.
وتابع: "فالمبنيان العملاقان المخطط إنشاؤهما بارتفاع 500 متر وامتداد عشرات الكيلومترات قد يفرضان تحديات بيئية كبيرة، من بينها ظاهرة تراكم الحرارة الناتجة عن الواجهات العاكسة تحت أشعة الشمس الحارقة".
كما أن توفير الخدمات الأساسية لنحو تسعة ملايين نسمة، بما في ذلك الكهرباء وتحلية المياه وتنظيم المناخ الداخلي، "يتطلب بنية تحتية هائلة تفوق بكثير ما هو متاح حاليا في المنطقة"، بحسب التقرير.
ووفق تعبير الموقع، فإن "الأكثر خطورة من ذلك، أن المشهد المهيب الذي توقعته السعودية مسبقا لتدفق رؤوس الأموال الأجنبية وتهافت التحالفات الدولية للاستثمار في المشروع لم يتحقق على أرض الواقع، إذ ظلت مستويات الاستثمار الأجنبي المباشر دون التقديرات المستهدفة".
"ومع استمرار الاعتماد بصورة كبيرة على التمويل المحلي وعائدات النفط، أصبح من الصعب مواصلة الإنفاق بنفس الوتيرة في ظل الارتفاع المستمر للتكاليف"، وفق تقديره.
بناء على هذا الواقع، أشار التقرير إلى "حدوث مراجعة شاملة للأهداف والخطط، وكان من أبرز نتائج هذه المراجعة تقليص التوقعات السكانية بصورة كبيرة".
وتابع موضحا: "فبعد أن كان الهدف الأصلي لمشروع "ذا لاين" يتمثل في استيعاب 1.5 مليون نسمة بحلول عام 2030، جرى قبل عامين خفض هذا الرقم إلى 300 ألف نسمة كحل وسط".
واستطرد: "أما في أحدث نسخة معدلة من المشروع، فقد تم تقليص الهدف السكاني بصورة أكبر ليقتصر على 100 ألف نسمة كحد أقصى".
وعليه، فإن الموقع يرى أن "الرؤية الأصلية للمدينة المستقبلية العمودية التي روج لها بصفتها نموذجا غير مسبوق للحياة الحضرية تبدو في طريقها إلى التحول إلى مشروع أكثر تواضعا يعتمد على تطوير المساحات التي تم إنجازها بالفعل، والتي لا تتجاوز بضعة كيلومترات، فيما لا يزال مستقبل هذا المخطط المعدل محفوفا بالغموض على المستويين التقني والمالي".
تصحيح مؤلم
من منظور أوسع، قدر التقرير أن "التوقف شبه الكامل لمشروع نيوم وتقليص نطاقه الإستراتيجي يمثل نقطة تحول بارزة في مسار سياسة التحول الاقتصادي التي تنتهجها السعودية منذ عام 2017".
فبحسب الموقع، "تخضع الرؤية الاقتصادية التي قامت على تنفيذ مشاريع عملاقة وغير مسبوقة لعملية مراجعة قاسية فرضتها الاعتبارات المالية والجيوسياسية".
في هذا السياق، ينظر التقرير إلى التصريحات الرسمية الأخيرة الصادرة عن وزارة المالية السعودية بوصفها تأكيدا على أن "الحكومة لن تتردد في تعديل المشروع أو تأجيله أو إلغائه، مفضلة المصالح الوطنية على الهوس السياسي بالمشاريع الكبرى".
بتعبير آخر، "تبدو الرؤية التي قامت على إنشاء مدينة مستقبلية في قلب الصحراء وكأنها اصطدمت بواقع اقتصادي أكثر صرامة، لتفسح المجال أمام نهج أكثر حذرا يركز على حماية الموارد وتوجيهها نحو القطاعات ذات العائد المباشر والأهمية الإستراتيجية".
وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول خطط الرياض الاستثمارية في الفترة المقبلة، وفي هذا الصدد أوضح الموقع أنه "بعد تقليص أو إلغاء العديد من المكونات السياحية والترفيهية المكلفة، مثل المجمعات السكنية المستقبلية ومنتجعات التزلج الجبلية، تسعى الحكومة إلى تعظيم الاستفادة من الأصول والبنية التحتية التي تم إنشاؤها بالفعل داخل المشروع".
ووفقا له، "يجري توجيه الموارد المالية المتاحة من قبل صندوق الاستثمارات العامة نحو التزامات أكثر إلحاحا، تشمل تطوير البنية الحضرية اللازمة لاستضافة معرض الرياض الدولي (إكسبو 2030) وكأس العالم 2034، إضافة إلى توسيع مشاريع الإسكان وشبكات النقل والسكك الحديدية".
علاوة على ذلك، "بدأت السلطات في إعادة توظيف أجزاء من البنية التحتية التي تم إنجازها في نيوم، بما في ذلك الخنادق العملاقة وشبكات المرافق والطاقة التي أُنشئت خلال المراحل الأولى من مشروع (ذا لاين)".
وأضاف أنه "بدلا من استخدامها لتحقيق الرؤية الأصلية للمشروع، يجري العمل على تكييفها لخدمة مشاريع جديدة ترتبط بالاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة، من خلال التعاون مع شركات تكنولوجيا عالمية لإنشاء مراكز بيانات ضخمة للذكاء الاصطناعي ومجمعات لإنتاج الهيدروجين الأخضر اعتمادا على موارد الطاقة الشمسية المتوافرة في المنطقة".
وعقّب التقرير على هذا التغيير قائلا: إن "التحول من مشروع كان يهدف إلى إعادة تعريف شكل المدن البشرية عبر استثمارات هائلة إلى التركيز على الموانئ والبنية التحتية الرقمية والطاقة يعكس تغيرا عميقا في أولويات المملكة".
وأردف: "فبعد سنوات من الترويج لمشاريع ذات طابع استعراضي ومستقبلي، دفعت التحديات الجيوسياسية والضغوط المالية الرياض إلى إعادة التركيز على القطاعات المرتبطة مباشرة بالأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد والصناعة".
في المحصلة، أكد الموقع أن "التحولات التي شهدها مشروع نيوم خلال عام 2026 تعكس هشاشة المشاريع الضخمة غير المنتجة اقتصاديا عندما تواجه ظروفا استثنائية مثل الحروب واتساع العجز المالي".
واختتم قائلا: "بهذا المعنى، تخلت (المدينة المستقبلية) تدريجيا عن صورتها كرمز لثورة عمرانية عالمية، لتعود إلى منطق أكثر تقليدية يقوم على تعزيز أمن الموانئ وشبكات النقل والطاقة، وترسيخ القاعدة الصناعية والاقتصادية التي تحتاجها المملكة في بيئة إقليمية مضطربة ومتغيرة".

















