الأقصى من الوصاية الهاشمية إلى إدارة الاحتلال.. ماذا يجري خلف الكواليس؟

حسن عبود | منذ ٧ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في نهاية مايو/أيار 2026، أثار تحقيق زوبعة إعلامية وسياسية، بعدما كشف أن الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب وإسرائيل تعملان على صياغة خطة لإنهاء سلطة دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن في المسجد الأقصى.

وكشف موقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن واشنطن وتل أبيب تسعيان لاستبدال دائرة الأوقاف بإقامة ترتيب جديد يصنف فيه الحرم الشريف على أنه “مركز متعدد الأديان”.

لم يصدر تأكيد رسمي من واشنطن أو تل أبيب للخطة، فيما نفى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو علمه بها وشكك في مصداقيتها، وقالت لندن: إن الوصاية الأردنية على المقدسات يجب أن تُحترم، لكن التسريب جاء في سياق ميداني يتآكل فيه الوضع القائم بالفعل.

تفاصيل الخطة 

التسريب الذي نشره الموقع يشير إلى مسودة خطة أميركية–إسرائيلية، أبرز بنودها إلغاء سلطة دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية وتشكيل هيئة جديدة تعيّنها حكومة الاحتلال الإسرائيلي لإدارة الحرم. 

وبحسب ما نقل الموقع عن مصادر أميركية وعربية، ستُعلن الهيئة الموقع “مركزًا متعدد الأديان”، ما يعني تحويله من مسجد إسلامي خاضع للوصاية الهاشمية إلى مكان مشترك بحضور ديني يهودي مسيحي مسلم.

الفكرة الأساسية تتمثل في منح المستوطنين الصهاينة “وصولًا متساويًا” إلى ساحات الأقصى والسماح لهم بالصلاة الجماعية وتوسيع الدور الإسرائيلي في تعيين الأئمة واعتماد خطب الجمعة، في تطور خطير مقارنة بالوضع القائم المعلن الذي يقصر الاقتحامات على “السياحة” دون صلاة.

وبحسب الرواية نفسها، تحدثت مصادر نقل عنها "ميدل إيست آي" عن سيناريو بديل يقوم على إشراف عربي "تناوبي" على الأقصى، بعد إبلاغ دول مثل البحرين ومصر والمغرب والإمارات بالمقترح الأميركي، في مقابل معارضة سعودية لأي ترتيب يمس الوصاية الهاشمية.

هذا التصور يذهب أبعد من مجرد تنظيم الاقتحامات، فهو يمنح إسرائيل دورًا مباشرًا في تعيين الخطباء ومراقبة خطب الجمعة؛ إذ تنص الخطة المفترضة على أن تكون لإسرائيل الكلمة العليا في اختيار الأئمة واعتماد نصوص خطب الجمعة. 

كما يتحدث التقرير عن تحويل الموقع إلى معلم سياحي يستقطب الزوار من مختلف الأديان، ما يغيّب هويته الإسلامية ويجرده من رمزيته كأولى القبلتين وثالث الحرمين.

والملاحظ أن الخطة، كما صاغها التسريب، تقترب من النموذج المعمول به في الحرم الإبراهيمي بالخليل جنوب الضفة الغربية؛ حيث قُسم المسجد مكانيًا وزمانيًا بين المسلمين واليهود عقب مجزرة عام 1994. 

ويرى مراقبون أن إضفاء صفة “مركز متعدد الأديان” على الأقصى سيُشرعن تقسيم الأوقات والأماكن للصلاة اليهودية ويُقنن اقتحامات المستوطنين.

ورأت محافظة القدس التابعة للسلطة الفلسطينية أن الحديث عن المركز “يهدف لفرض السيادة الإسرائيلية وتقويض الوضع القائم” بالمدينة. 

وبعد أيام من الكشف عن الخطة، قالت صحيفة هآرتس العبرية في 3 يونيو/حزيران: إن إسرائيل تسعى عبر دعوات وجهها دانيال ليراخ نائب قائد وحدة شرطة المسجد الأقصى، لتجنيد قوميين متطرفين ومستوطنين ضمن صفوفها تحت شعار "المشاركة في تطبيق السيادة".

وشجع حاخامات وناشطون من حركات "جبل الهيكل" (التي تدعو لبناء هيكل مكان المسجد) أتباعهم على الانخراط في هذه القوات لتعزيز السيطرة على الموقع.

ويكمن الهدف الأوسع لهذه الإجراءات في نقل السلطة الفعلية وإدارة المسجد الأقصى من دائرة "الأوقاف الإسلامية" إلى شرطة الاحتلال الإسرائيلي.

وعدت محافظة القدس هذه الخطوة "تطورًا خطيرًا" ومرحلة جديدة من التعاون المباشر بين المؤسسات الإسرائيلية الرسمية والجماعات المتطرفة.

من يملك المفاتيح؟

لفهم ما الذي تريد الخطة تغييره، لا بد أولًا من شرح النظام الحالي، إذ يندرج المسجد الأقصى/الحرم الشريف تحت الوصاية الهاشمية وهو ترتيب بدأ عام 1924 عندما عُهدت رعاية المقدسات الإسلامية في القدس لقائد الثورة العربية الكبرى الشريف حسين بن علي وأبنائه.

هذا الدور اكتسب اعترافًا قانونيًا في معاهدة السلام الأردنية–الإسرائيلية عام 1994 التي نصت في المادة 9 على الاعتراف بالدور الخاص للأردن في رعاية الأماكن الإسلامية بالقدس وأعطته أولوية في أي ترتيبات مستقبلية.

أما إدارة الشؤون الدينية داخل الحرم فتتم عبر مجلس ودائرة الأوقاف. والأول شكلته الحكومة الأردنية عام 1988 وتم توسيعه عام 2019 ليضم 18 عضوًا، يُعينه الأردن ويحدد السياسات ويشرف على إدارة المسجد والممتلكات الوقفية.

أما دائرة الأوقاف، التابعة للوزارة الأردنية، فتضم نحو 1000 موظف وتعمل على تسجيل الأوقاف والإشراف على الصيانة والحفاظ على المباني، ومتابعة شؤون الوصول إلى الحرم، ومراقبة انتهاكات الاحتلال، بينما تتحكم شرطة الاحتلال عمليًا بدخول غير المسلمين عبر باب المغاربة.

ويجرى تعيين الأئمة والخطباء ضمن شبكة دينية وإدارية مرتبطة بالأوقاف الأردنية والمرجعيات الفلسطينية في القدس، فموظفو الأوقاف يتبعون إداريًا للوزارة الأردنية، بينما تبقى السلطة الدينية في الموقع مرتبطة بمفتي القدس، المعيّن من الرئاسة الفلسطينية.

وهذا يمنح الأوقاف سلطة إدارية وتنظيمية داخل الحرم، لكنها تبقى متأثرة بالسياق السياسي وبقيود الاحتلال على الأرض.

ورغم أن الأوقاف تدير الشؤون الدينية، فإن السيطرة الأمنية على الحرم تقع فعليًا بيد شرطة الاحتلال. فبعد احتلال شرق القدس عام 1967 توصلت تل أبيب وعمان إلى “وضع قائم” يقضي بأن تظل إدارة الحرم بيد الأوقاف بينما تتولى دولة الاحتلال الأمن والتحكم بالمداخل. 

بموجب هذا الترتيب يُسمح لغير المسلمين باقتحام الموقع عبر باب المغاربة ضمن ساعات محددة، لكن يمنع عليهم أداء الصلاة، غير أن الاحتلال بمرور الوقت بدأ يخالف هذه القاعدة. 

فقد سمحت إسرائيل عام 2003 مجددًا باقتحامات الصهاينة للحرم وفرضت إجراءات أحادية لتنظيم أوقات ذلك وفرضت قيودًا على المصلين المسلمين، بينما لا تستطيع الأوقاف منع المستوطنين من الدخول.

وتتحكم شرطة الاحتلال في فتح بوابات المسجد وعدد الداخلين وتفرض قيودًا عمرية على المصلين المسلمين، وتمنع الاعتكاف في الليالي الأخيرة من رمضان. 

وقطعت الشرطة أسلاك مكبرات الصوت في أبريل/نيسان 2021 لمنع رفع الأذان خلال الاحتفال الإسرائيلي بما يسمى “يوم توحيد (احتلال) القدس”.

 كما تعرض أئمة الأقصى للحظر أو الإبعاد عندما تطرقت خطبهم للحرب في غزة أو انتقدت الاحتلال، في انتهاكات توضح مدى الرقابة على الخطاب الديني والسياسي.

ومع صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة داخل حكومة الاحتلال، توسعت اقتحامات المستوطنين للحرم وتحولت من “زيارات سياحية” إلى صلوات جماعية.

وتحول مفهوم ما يسمى “حرية الزيارة” إلى طقوس تلمودية دينية منظمة يؤديها المستوطنون في مجموعات كبيرة عند تنفيذ الاقتحامات تحت حماية شرطة الاحتلال. وفي المقابل تُفرض قيود على المصلين المسلمين وتُمنع بعض الفئات العمرية من الدخول. 

ماذا يتغير؟

حال تطبيقها، تمثل الخطة المسربة تحولًا جوهريًا في هيكل إدارة الحرم، فالانتقال من وصاية هاشمية وإدارة إسلامية إلى أخرى "متعددة الأطراف" يشارك فيها الاحتلال، يعني في جوهره نقل الثقل من الإدارة الدينية إلى السيطرة الأمنية والسياسية. 

وستتمثل النتيجة الأولى في اختفاء مجلس ودائرة الأوقاف بصفتهما جهازين يديران شؤون المسجد ما سيحرم الأردن من دوره التاريخي ويفقده جزءًا من شرعيته الداخلية والخارجية، إذ تعد الوصاية الهاشمية ركنًا من أركان شرعية النظام السياسي الأردني ووسيلة لتعزيز الدور الإقليمي للمملكة. 

وحتى لو احتفظ الأردن بدور رمزي أو تمويلي، فإن تقليص صلاحياته سيشكل ضربة سياسية، وقد يدخل دولًا أخرى في معادلة الوصاية ضمن سياق تنافس إقليمي.

على الصعيد الديني، قد يعني النظام الجديد أن تعيين الأئمة والخطباء سيصبح خاضعًا لموافقة إسرائيلية. وبلغة أخرى، سيتحول الإمام من موظف لدى وزارة الأوقاف الأردنية إلى آخر يعمل لدى هيئة تديرها إسرائيل، مع ما يرافق ذلك من شروط. 

فالخطة المسربة تنص على أن إسرائيل ستوقع على خطب الجمعة وتختار الأئمة، الأمر الذي يفتح الباب لفرض رقابة سياسية على مضمون الخطب ومنع أي حديث عن الاحتلال أو حقوق الفلسطينيين. 

مثل هذا التغيير يتوقع أن يُفقد المسجد دورَه التربوي والاجتماعي وقد يدفع المصلين إلى البحث عن مساجد أخرى أو مواجهة سلطات الاحتلال، ما قد يزيد التوتر.

أما فيما يتعلق بالاقتحامات، فإن تحويل الأقصى إلى “مركز متعدد الأديان” سيسمح رسميًا بالصلاة اليهودية الجماعية، وهو أمر كان ممنوعًا وفق الوضع القائم المعلن على الأقل. 

وتسود تحذيرات حينها من أن تصبح اقتحامات المستوطنين جزءًا من جدول رسمي، مع ما ينسحب على ذلك من تقسيم الوقت والمكان، كما حصل في الحرم الإبراهيمي بالخليل. 

وفي الوقت نفسه، يتوقع أن تتسع صلاحيات شرطة الاحتلال داخل الحرم لتصبح الجهة الوحيدة التي تدير البوابات وتتحكم بالزوار. ومع غياب قوة إدارية عربية أو إسلامية مؤثرة، ستتمكن سلطات الاحتلال من تنفيذ أي تغيير تريده دون مقاومة قانونية.

ولا تأتي هذه المخاوف من التسريب وحده، فخلال الأشهر الأخيرة، ظهرت مؤشرات ميدانية على أن الوضع القائم يتآكل قبل أي إعلان رسمي. 

في يناير/كانون الثاني 2026، سمحت شرطة الاحتلال لمقتحمين صهاينة بإدخال أوراق صلوات مطبوعة إلى ساحات الأقصى، في خطوة عدتها الصحافة الإسرائيلية تحديًا جديدًا لقاعدة منع صلاة غير المسلمين داخل الموقع.

ثم جاء وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، ليقول صراحة من داخل الأقصى إنه يسعى إلى توسيع وصول اليهود وما أسماه “حقوق الصلاة”، مستخدمًا خطابًا يعامل المكان كمساحة سيادة إسرائيلية. 

وقالت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في مايو 2026: إن الشرطة الخاضعة لوزارة بن غفير، “باتت تتسامح بصورة متزايدة مع الصلاة اليهودية في الأقصى”، وأن الوزير المتطرف يكرر أن “سياسته هي السماح بهذه الصلاة”.

وفي المقابل، تتراجع قدرة الأوقاف على فرض قواعدها داخل الحرم، فقد شهد رمضان 2026 اعتقالات نالت موظفين دينيين، ومداهمات داخل الموقع، وصولًا إلى إغلاق الأقصى في نهاية رمضان 2026، في إجراء تذرعت سلطات الاحتلال أنه مرتبط بالحرب على إيران، بينما رأى فلسطينيون أن الهدف منه تشديد القيود وترسيخ السيطرة.