اقتصاد المستوطنات.. كيف تُخفي إسرائيل هوية المنتج قبل تصديره؟

تعمل إسرائيل والشركات داخل هذا الاقتصاد على إخفاء أثر كلمة مستوطنة
تتسع في أوروبا موجة جديدة ضد بضائع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بعد سنوات كان التركيز فيها على وسم المنتجات وتحديدها بدون حظرها.
في مايو/أيار 2026 تقدمت الحكومة الأيرلندية بمشروع قانون يمنع استيراد بضائع المستوطنات، مع رهان على إقراره بحلول يوليو/تموز من نفس العام.
وقبلها، أعلنت سلوفينيا حظر استيراد هذه البضائع في أغسطس/آب 2025، واتجهت إسبانيا إلى حظر منتجات المستوطنات وإلزام التجار بتوضيح المنشأ، فيما أعلنت بلجيكا إعداد مرسوم مشابه، وبدأت هولندا دراسة حظر تجارة السلع والخدمات المرتبطة بالمستوطنات لعدة سنوات.
هذه الإجراءات لا تقف عند التجارة وحدها، فمحكمة العدل الأوروبية قضت في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بضرورة إظهار منشأ المنتجات القادمة من الأراضي المحتلة، وذكر أنها من مستوطنة إسرائيلية حين يكون ذلك هو مصدرها.
أما محكمة العدل الدولية، فقد دفعت النقاش خطوة أبعد في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024، حين ربطت بين استمرار الاحتلال وسياسات الاستيطان والتزامات الدول بعدم المساعدة في تكريس هذا الوضع.
وتضرب هذه الخطوات صلب الاقتصاد السياسي للاستيطان، فإسرائيل لا تتعامل مع المستوطنات كوحدات لسلب الأرض الفلسطينية فقط، بل كامتداد زراعي وصناعي وتجاري يدخل في شبكات الإنتاج والتصدير والتوزيع، ولذلك فهي تعمل على إخفاء منشأ تلك المنتجات وتتحايل على تصديرها رغم القيود.

إنتاج المستوطنات
تبدأ خريطة الإنتاج من الأغوار، الشريط الشرقي للضفة الغربية الممتد بمحاذاة نهر الأردن والبحر الميت، فمن هناك يتحول التحكم الإسرائيلي بالأرض والمياه إلى اقتصاد زراعي واسع.
تقول منظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية إن تل أبيب تمنع الفلسطينيين من استخدام نحو 85 بالمئة من أراضي غور الأردن، في وقت تستفيد فيه المستوطنات من الأرض والمياه والطرق والبنية التحتية الزراعية.
في هذا الشريط الزراعي تنتج المستوطنات التمور والعنب والخضار والأعشاب والحمضيات والأفوكادو. وتظهر أسماء مستوطنات مثل روعي ومهولا وأرغمان وناعمة في شمال الأغوار ضمن سلاسل التعبئة والتصدير.
في أبريل/نيسان 2022، وثّقت Who Profits (مركز بحث إسرائيلي يرصد تورط الشركات الإسرائيلية والدولية في اقتصاد الاحتلال والاستيطان) تسع محطات تعبئة تابعة لشركة Carmel Agrexco داخل أربع مستوطنات في غور الأردن. وتضم تلك المستوطنات محطات تعبئة للأعشاب والعنب والزهور والأسماك.
أما في قطاع التمور، فتظهر شركة Hadiklaim التعاونية الإسرائيلية والتي تشغّل محطة تعبئة كبيرة في مستوطنة بيت هعرافا قرب البحر الميت، ضمن مجلس مغيلوت الإقليمي الاستيطاني في الضفة، كما تأتي بعض تمورها من منطقة غور الأردن والبحر الميت، وفق Who Profits.
لا يقف الأمر عند الزراعة، ففي بركان، قرب سلفيت شمال الضفة الغربية، يعمل واحد من أكبر التجمعات الصناعية الاستيطانية.
وتمتد منطقة بركان الصناعية على 728 دونمًا من الأرض المحتلة وتضم أكثر من 162 مصنعًا. وفي شرق القدس المحتلة، تعمل في هذا الإنتاج أيضا، منطقة أطاروت الصناعية شمال المدينة بين بيت حنينا وحاجز قلنديا.
تقرير لمنظمة الحق الحقوقية الفلسطينية وصف أطاروت بأنها منطقة صناعية استيطانية تديرها سلطة تطوير القدس، وهي ذراع مشتركة بين بلدية الاحتلال والحكومة الإسرائيلية.
ويذكر التقرير أن المنطقة تضم نحو 160 شركة ومصنعًا، بينها G1 Secure Solutions، ومخابز عبادي، وشركة الكهرباء الإسرائيلية، والشركة المركزية للمشروبات التي تنتج كوكا كولا إسرائيل، وReadymix Industries.
وذكر التقرير أن المنطقة تضم نحو 160 شركة ومصنعًا، بينها شركة جي وان للحلول الأمنية الإسرائيلية للأمن والحراسة (G1 Secure Solutions) ومخابز عبادي، وهي شركة إسرائيلية لصناعة المخبوزات.
وأيضا شركة الكهرباء الإسرائيلية الحكومية إلى جانب الشركة المركزية للمشروبات، وهي صاحبة امتياز تعبئة وتسويق مشروبات كوكا كولا في إسرائيل، وريدي ميكس إندستريز (Readymix Industries)، وهي شركة إسرائيلية تعمل في الخرسانة ومواد البناء.
وقرب القدس أيضًا تقع ميشور أدوميم، المنطقة الصناعية التابعة لمستوطنة معاليه أدوميم بين المدينة المقدسة وأريحا. وفي أريئيل، شمال الضفة الغربية قرب سلفيت أيضًا، تعرض المصادر الإسرائيلية المنطقة الصناعية بوصفها جزءًا من “المركز الإسرائيلي”.
ويقول موقع شركة تطوير أريئيل الصناعية: إن مساحة المنطقة تقارب 850 دونمًا، وتضم أكثر من 40 مصنعًا وشركة في الغذاء والنسيج والصلب والألمنيوم والمعادن والطباعة والأرشفة.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، كتبت صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية أن بلدية أريئيل وافقت على توسيع “أريئيل غرب” بإضافة 1000 دونم لبناء مجمع صناعي جديد يشمل برجي هايتك ومناطق تجارية وصناعية.
أما نيتساني شالوم قرب طولكرم، فتقدم مثالًا آخر على الصناعة الثقيلة والملوثة؛ إذ تضم هذه المنطقة 12 مصنعًا كيميائيًا، تتسرب مخلفاتها إلى المياه والتربة وتضخ مواد سامة في الهواء، مع شكاوى من ارتفاع أمراض تنفسية وعينية وسرطانية في القرى الفلسطينية القريبة.

الرحلة التجارية
بعد الإنتاج تبدأ الرحلة التجارية، إذ تدخل بضاعة المستوطنات أولًا محطات فرز وتعبئة ومعالجة، ثم تنتقل إلى شركات تصدير إسرائيلية، ثم إلى الموانئ والمطارات ومراكز التوزيع في الخارج.
في الزراعة، تبدأ الرحلة من مزرعة في الأغوار أو من كروم العنب أو مزارع الأعشاب، فيما يوضح توثيق Who Profits أن محطات التعبئة هي المكان الذي تتحول فيه السلعة من محصول محلي في مستوطنة إلى منتج تجاري قابل للتصدير تحت علامة معروفة.
على سبيل المثال، في التمور، تعمل هاديكلايم Hadiklaim للتمور بالطريقة نفسها، إذ تقدم الشركة نفسها كتعاونية إسرائيلية كبرى لتسويق التمور، وتبيع علامات مثل King Solomon وJordan River في أسواق دولية.
لكن Who Profits تقول: إن جزءًا من تمورها يأتي من غور الأردن والبحر الميت في الضفة الغربية، وأن لديها محطة تعبئة في بيت هعرافا الاستيطانية. هنا لا يرى المستهلك اسم المستوطنة، بل يرى علامة تجارية أو اسم منطقة واسعًا مثل البحر الميت أو وادي الأردن.
وتعمل شركات أكبر مثل Mehadrin في طبقة مشابهة من السوق الزراعي. فوفق Who Profits، تعد هذه الأخيرة من أكبر شركات إسرائيل في زراعة وتصدير الحمضيات والأفوكادو والتمور والخضار، وتسوّق منتجاتها عالميًا عبر علامة Jaffa وسلاسل بيع في أوروبا وآسيا.
وتكشف بيانات Who Profits كيف تساعد الشركات الكبيرة على دمج منتجات قادمة من أكثر من منطقة داخل سلة تصدير واحدة.
أما في الصناعة، فتتحرك البضائع من مناطق مثل بركان وأطاروت وأريئيل وميشور أدوميم إلى السوق الإسرائيلي ثم إلى الخارج حين تكون السلع قابلة للتصدير.
فبعد الفرز والتعبئة والتصنيع تأتي مرحلة الأوراق، لتنتقل البضاعة من مكان الإنتاج إلى ملف تجاري وجمركي. وإذا ظهرت الشركة في الأوراق كشركة إسرائيلية، وخرجت الشحنة عبر ميناء أو موزع إسرائيلي، يصبح تتبع منشأها الحقيقي أصعب.
وقبل سنوات، وثقت نقابة فرنسية دخول بضائع زراعية من المستوطنات إلى أوروبا بوثائق مضللة للاستفادة من معاملة جمركية تفضيلية.
عند الوصول إلى المتاجر، يواجه المستهلك منتجًا نهائيًا لا يحمل قصة الطريق كاملة، فقد يرى منتجًا غذائيًا يظهر الرمز الشريطي 729 لأنه مرتبط بنظام GS1 الإسرائيلي (الرمز الشريطي لتوضيح المنشأ)، لكن هذا الرمز لا يثبت مكان التصنيع أو الزراعة.
ونشر موقع يورونيوز في أكتوبر/تشرين الأول 2025 تدقيقًا أوضح فيه أن رقم 729 لا يعني دائمًا أن المنتج صُنع في إسرائيل، بل يرتبط بجهة تسجيل الباركود، بينما تؤمد GS1 أن بادئات الشركات لا تكشف بالضرورة بلد منشأ السلعة.
هذه الرحلة هي جوهر المشكلة، فالمنتج لا يغادر المستوطنة بشكل منفصل، بل يدخل في شبكة إسرائيلية أوسع من التعبئة والشهادات والعلامات التجارية والنقل والتوزيع، لتبدأ الحدود بين “منتج إسرائيل” و”منتج المستوطنة” بالتلاشي قبل أن يصل المنتج إلى السوق.

المحو والبيع
تعمل إسرائيل والشركات داخل هذا الاقتصاد على إخفاء أثر كلمة مستوطنة في كل مرحلة من مراحل السوق وتكمن أداة الإخفاء الأولى في التسجيل التجاري.
فالشركة قد تكون مسجلة داخل إسرائيل أو تحمل عنوانًا إداريًا داخل الأراضي المحتلة عام 1948، بينما يقع المصنع أو محطة التعبئة أو جزء من الإنتاج داخل مستوطنة في أراضي 1967. وبهذه الطريقة يظهر العنوان الرسمي في الوثائق، وتختفي الجغرافيا الفعلية للإنتاج.
الأداة الثانية هي الخلط في محطات التعبئة، فحين تدخل تمور أو أعشاب أو خضار من المستوطنات إلى منشأة تعبئة واحدة مع منتجات من داخل إسرائيل أو من مصادر أخرى، تفقد الشحنة النهائية مسارها الواضح.
فالمنتج الذي خرج من مستوطنة يصبح جزءًا من صندوق أكبر يحمل اسم شركة أو علامة تجارية، لا اسم الأرض التي جاء منها.
الأداة الثالثة هي اللغة التجارية، إذ تستخدم الشركات أو الموزعون عبارات مثل وادي الأردن، البحر الميت، الضفة الغربية، أو إسرائيل.
وتبدو هذه العبارات جغرافية للمستهلك، لكنها لا تقول ما إذا كان المنتج من مزرعة فلسطينية محتلة (ضمن أراضي 1967 التي يعترف العالم بفلسطينيتها)، أو من داخل إسرائيل (الأراضي المحتلة عام 1948)، أو من مستوطنة قائمة في أرض محتلة.
لهذا شددت محكمة العدل الأوروبية في حكمها عام 2019 على أن ذكر “الضفة الغربية” وحده لا يكفي إن كان المنتج قادمًا من مستوطنة إسرائيلية داخلها.
الأداة الرابعة هي ضعف الفحص الجمرك، فالاتحاد الأوروبي يميز قانونيًا بين منتجات إسرائيل ومنتجات المستوطنات، ولا يمنح الأخيرة الامتيازات نفسها في اتفاقية الشراكة، لكن التنفيذ يعتمد على الوثائق والفواتير والتصاريح، ما يفتح مساحة كبيرة أمام الالتفاف.
لهذا تحاول إسبانيا مثلًا استخدام قائمة بلدات وأكواد بريدية للمستوطنات كي لا يبقى المنشأ مسألة تصريح عام من المصدّر.
مصادر إسرائيلية تكشف بنفسها حساسية هذه النقطة؛ إذ نشرت هآرتس العبرية تقريرًا عن دراسة قالت: إن 10 بالمئة فقط من نبيذ المستوطنات كان موسومًا في أوروبا بالشكل المطلوب، ما يعكس الفجوة بين القاعدة القانونية والتطبيق على الأرض.
لهذا تقاوم إسرائيل الوسم والحظر، وترد على هذه الإجراءات بوصفها بأنها تمييزية أو سياسية أو مرتبطة بحملات المقاطعة، كما تعمل على الالتفاف عليها عبر إخفاء أصل المنشأ ودمجها مع المنتجات القادمة من خارج المستوطنات.
في المقابل يواصل الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات إضافية لكشف بضائع المستوطنات، فيما تحدث قاعدة بيانات الأمم المتحدة للشركات المرتبطة بالمستوطنات بياناتها باستمرار لتوسيع الحظر.
فقد حدثت المنظمة الأممية هذه القائمة في سبتمبر/أيلول 2025، لتضم اليوم 158 شركة من 11 دولة مرتبطة بأنشطة في المستوطنات، بعد إضافة 68 شركة جديدة وإزالة 7 لم تعد منخرطة فيها.
المصادر
- With new trade restrictions, Spain looks to trigger EU cascade against Israel
- Israeli Settlements in the Occupied Palestinian Territory (Prohibition of Importation of Goods) Bill 2026
- https://data.oireachtas.ie/ie/oireachtas/bill/2026/57/eng/memo/b5726d-memo.pdf
- Israel’s Policy in the Jordan Valley and Northern Dead Sea
- Tracking the Trade Trail of Settlement Products
- Israeli settlements exporter Carmel-Agrexco defrauds French customs
















