حكومة وجيش موازٍ.. كيف يمضي حميدتي نحو تكريس انقسام السودان؟

تسيطر قوات الدعم السريع وحلفاؤها على مساحات واسعة من الأراضي السودانية
ضمن مساعيه المتواصلة، هو وحلفاؤه، لفرض واقع سياسي وعسكري جديد في السودان، وتعزيز مشروع الحكومة الموازية في المناطق الخاضعة لسيطرته، أعلن قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو تشكيل "مجلس للأمن والدفاع"، في خطوة ينظر إليها مراقبون بوصفها تمهيدا لتأسيس جيش جديد موازٍ للقوات المسلحة السودانية، الأمر الذي يفاقم المخاوف من تعميق الانقسام الداخلي ودفع البلاد نحو سيناريو التقسيم الفعلي.
وأوضح حميدتي أن المجلس الجديد سيتولى إقرار الخطط اللازمة لتكوين ما وصفه بـ"جيش وطني جديد"، يعتمد على الحركات المسلحة والمليشيات المتحالفة مع مليشيا الدعم السريع في مناطق نفوذها.
وتسيطر مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها على مساحات واسعة من الأراضي السودانية، تشمل معظم إقليم دارفور غربي البلاد وولاية غرب كردفان، إلى جانب مناطق في جنوب وشمال كردفان وأجزاء من إقليم النيل الأزرق.
ومنذ إعلان "تحالف تأسيس" في يوليو/تموز 2025، شرع حميدتي في بناء مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة السودانية، بدءا من تشكيل مجلس رئاسي يتولى رئاسته، ومجلس للوزراء، مرورا بإنشاء مؤسسات أخرى من بينها مجلس للعملة، وصولا إلى الإعلان عن خطوات لتأسيس جيش جديد تكون مليشيا الدعم السريع عماده الرئيس.
ويأتي الإعلان عن تشكيل مجلس للأمن والدفاع والسعي إلى إنشاء قوة عسكرية جديدة في أعقاب سلسلة من الانتكاسات العسكرية التي تعرضت لها مليشيا الدعم السريع، فضلا عن انشقاق عدد من كبار قادتها وانضمامهم إلى صفوف الجيش السوداني.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تستهدف تعويض القيادات والعناصر المنسحبة عبر استقطاب مقاتلين من حركات ومليشيات مسلحة متحالفة مع حميدتي، في وقت تتزايد فيه الاتهامات بوجود دعم خارجي يسعى إلى تثبيت نفوذ مليشيا الدعم السريع في المشهد السوداني.
ويربط محللون سودانيون بين اندفاع حميدتي نحو مشروع تأسيس جيش جديد وبين ما يصفونه بالدعم الإماراتي المستمر لمليشياته، مشيرين إلى أن أي مشروع عسكري بهذا الحجم يواجه تحديات تمويلية ولوجستية كبيرة لا يمكن تجاوزها دون دعم خارجي.
ويرى هؤلاء أن توفير الموارد اللازمة لتشكيل قوة عسكرية موازية قد يكون أحد الأسباب التي شجعت قيادة الدعم السريع على المضي قدما في هذه الخطوة، في ظل مساعي أبوظبي للحفاظ على موطئ قدم مؤثر داخل الساحة السودانية المتأزمة.
جيش "جديد" لماذا؟
أثار إعلان محمد حمدان دقلو، في 31 مايو/أيار 2026، بصفته رئيس المجلس الرئاسي في "حكومة السلام" الموازية، تشكيل "مجلس الأمن والدفاع" المؤلف من 14 عضواً برئاسته، بهدف العمل على تأسيس جيش وطني جديد بعقيدة قتالية جديدة، العديد من التساؤلات.
ويبدو هذا التوجه لافتاً؛ إذ يمتلك حميدتي بالفعل قوة عسكرية منظمة تحمل اسم "مليشيا الدعم السريع"، ما يطرح تساؤلاً حول أسباب عدم دمج المليشيات المتحالفة معه ضمن هذه المليشيا، واختياره بدلاً من ذلك تأسيس "جيش جديد" بعقيدة قتالية مختلفة.
ورجحت تقديرات سودانية أن يكون الهدف من هذه الخطوة إبعاد اسم "الدعم السريع" عن الواجهة، بعدما ارتبط بارتكاب انتهاكات واسعة واتهامات بارتكاب جرائم حرب وعمليات اغتصاب، فضلاً عن خضوعه لعقوبات دولية.
كما يُعتقد أن الخطوة تستهدف تشجيع الحركات والمليشيات الحليفة على الانضواء تحت مظلة عسكرية موحدة، عبر تقديم المشروع بوصفه "جيشاً جديداً" يضم جميع الأطراف، وليس قوة خاصة بحميدتي، في ظل التنافس على النفوذ والمناصب ورغبة كل فصيل في الاحتفاظ بقيادته المستقلة.
ورغم المسميات الجديدة، يُتوقع أن تتشكل النواة الرئيسة لهذا الجيش من مليشيا الدعم السريع، والجيش الشعبي لتحرير السودان التابع للحركة الشعبية ـ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، إضافة إلى الحركات المسلحة الموقعة على ميثاق السودان التأسيسي الذي انبثقت عنه الحكومة الموازية.
وكان تحالف "تأسيس"، الذي أُعلن في 5 يوليو/تموز 2025 بقيادة حميدتي ونائبه الحلو، قد أكد سعيه إلى بناء "سودان علماني ديمقراطي موحد"، وفق ما صرح به متحدثه الرسمي علاء نقد، في إطار مشروع سياسي أثار جدلاً واسعاً بشأن تداعياته على وحدة السودان ومستقبله.
ومهّد حميدتي لإعلان الجيش الجديد عبر تصريحات أدلى بها خلال عيد الأضحى، زعم فيها أن الجيش السوداني يخضع لهيمنة "الحركة الإسلامية" المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين، داعياً إلى إعادة تأسيس المؤسسة العسكرية على أسس مهنية جديدة.
وأكد أن حكومته تخوض مواجهة مفتوحة مع ما وصفه بـ"مشروع الحركة الإسلامية"، مكرراً اتهام جماعة الإخوان بالمسؤولية عن إشعال النزاع المستمر منذ 15 أبريل/نيسان 2023، والتأثير في قرارات المليشيا المسلحة.
كما جدد دعوته إلى إنشاء جيش جديد قائم على الانتماء الوطني، بعيداً عن التقديرات القبلية والجهوية، مؤكداً ضرورة إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس قومية ومهنية، ومقدرا أن هيمنة الإسلاميين عليها طوال عقود أدت إلى تسييسها واستخدامها أداة للإقصاء والقمع، وفق تعبيره.
وبإعلانه مشروع "الجيش الجديد"، تمضي قيادة الدعم السريع في مسار يعمق الانقسام السياسي والعسكري في السودان، رغم إعلان مجلس الأمن الدولي والاتحاد الإفريقي وعدد من الدول العربية والإفريقية رفضهم للحكومة الموازية، وتأكيدهم الاعتراف بسيادة الدولة السودانية وسلطة الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان.
وتواجه المؤسسات التي أنشأتها مليشيا الدعم السريع تحدياً أساسياً يتمثل في غياب الاعتراف الدولي، رغم العلاقات التي تربطها ببعض الأطراف الإقليمية، من بينها كينيا والإمارات العربية المتحدة وتشاد، إضافة إلى سلطات شرق ليبيا.
ويحاول حميدتي استكمال بناء مؤسسات موازية للدولة؛ إذ أعلن أن من اختصاصات مجلس الأمن والدفاع إقرار الخطط العامة لتأسيس قوات الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات، إلى جانب اتخاذ القرارات الملزمة لمختلف أجهزة الدولة التابعة لحكومته.
وكانت جماعات سياسية وحركات مسلحة متحالفة مع مليشيا الدعم السريع، ضمن ما يعرف بـ"تحالف السودان التأسيسي" أو "تأسيس"، قد وقعت في 22 فبراير/شباط 2025 ميثاقاً سياسياً في العاصمة الكينية نيروبي لتشكيل حكومة في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع.
وفي 26 يوليو/تموز 2026، أعلن التحالف من مدينة نيالا تشكيل الحكومة الموازية التي تضم مجلساً رئاسياً من 15 عضواً برئاسة حميدتي، فيما تولى عبد العزيز الحلو منصب نائب الرئيس.
هل الانشقاقات السبب؟
ترجح مصادر سودانية تحدثت لـ"الاستقلال" أن خطوة حميدتي بتأسيس مجلس للأمن والدفاع والإعلان عن جيش جديد جاءت في أعقاب سلسلة من الانشقاقات التي ضربت صفوف مليشيا الدعم السريع، إلى جانب رغبته في استبدال القيادات المنسحبة بأخرى تنتمي إلى الفصائل والتيارات المتحالفة معه. كما تربط المصادر هذه الخطوة برغبة إماراتية في ترسيخ حالة الانقسام في السودان عبر تكريس وجود حكومتين وجيشين متوازيين، بما يخدم مصالح سياسية واقتصادية وإقليمية في البلاد.
وأوضحت المصادر أن دائرة الثقة المحيطة بقائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو أصبحت أكثر ضيقاً مع اتساع موجة الانشقاقات العسكرية والقبلية والسياسية، ولم يعد ضمن دائرته المقربة سوى عدد محدود من الشخصيات، أبرزهم شقيقه عبد الرحيم دقلو، إلى جانب كل من أبو لولو، وجدو حمدان، وتجاني موسى، وحمدان موسى.
ويُعد أبو لولو من أكثر الشخصيات إثارة للجدل داخل مليشيا الدعم السريع؛ إذ ارتبط اسمه باتهامات تتعلق بارتكاب انتهاكات واسعة خلال المعارك في مدينة الفاشر. وكانت مليشيا الدعم السريع قد احتجزته أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد انتشار مقاطع مصورة أظهرت عمليات إعدام بحق مدنيين، فيما نقلت وكالة رويترز عن تسعة مصادر وصفه بـ"جزار الفاشر".
لكن التطورات الميدانية اللاحقة دفعت قيادة الدعم السريع إلى إعادة الاستعانة به، حيث أصدر عبد الرحيم دقلو أمراً بالإفراج عنه عقب انشقاق عدد من قادة المليشيا، قبل أن يعود إلى جبهات القتال في إقليم كردفان، وفق ما أوردته وكالة رويترز في 18 مايو/أيار 2026.
وشهدت مليشيا الدعم السريع خلال الفترة الأخيرة موجة انشقاقات واسعة نالت شخصيات عسكرية بارزة، من بينها كيكل والقبة والسافنا والهويرة، إضافة إلى قيادات وقوى قبلية وسياسية أعلنت انحيازها إلى الجيش السوداني، من أبرزها موسى هلال، وإسماعيل الضو، وعبد القادر إبراهيم، والأمير إسماعيل.
وفي تصريحات مثيرة للجدل، قال القائد المنشق عن مليشيا الدعم السريع علي عبد الله رزق الله: إن جهات خارجية تدعم مليشيا الدعم السريع قد تلجأ إلى تصفية حميدتي إذا قرر إنهاء الحرب. وأضاف أن حميدتي أبلغه خلال لقاء جمعهما قبل نحو شهر بأن قرار وقف الحرب لم يعد بيده، مدعياً أن الأوضاع الميدانية أصبحت تحت إدارة مباشرة من جهات خارجية.
ولا تتوافر إحصاءات دقيقة وموثقة بشأن أعداد المقاتلين المنضوين تحت راية الحركات والمجموعات المتحالفة مع مليشيا الدعم السريع، والتي تضم فصائل عدة، أبرزها الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان ـ المجلس الانتقالي بقيادة الهادي إدريس، وتجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر، وحركة العدل والمساواة بقيادة سليمان صندل، إضافة إلى حركة الجبهة الثالثة "تمازج".
كما تضم هذه التشكيلات مقاتلين من مجموعات تعرف محلياً بـ"عرب الشتات"، وهم عناصر قدموا من دول إفريقية مجاورة، فضلاً عن مقاتلين من تشاد، ومجندين محليين، وعناصر من مليشيات قبلية عربية موالية لمليشيا الدعم السريع.
وفي مقابلة مع الجزيرة مباشر في 20 مايو/أيار 2026، قال السافنا: إن البنية البشرية للمليشيا المتحالفة مع الدعم السريع باتت واسعة ومتشعبة إلى درجة تجعل من الصعب حصر أعدادها أو مكوناتها بدقة، مشيراً إلى أن حجم هذه التشكيلات وتعدد ولاءاتها يجعلان حتى قيادة الدعم السريع نفسها غير قادرة على الإحاطة الكاملة بتفاصيلها وتركيبتها التنظيمية.

مرتزقة أجانب
ويُرجّح مراقبون أن من بين دوافع حميدتي لإعلان تأسيس جيش جديد، محاولة التخفف من الاتهامات المتزايدة الموجهة إلى مليشيا الدعم السريع بشأن الاعتماد على مقاتلين أجانب ومرتزقة من دول عدة، بينها كولومبيا وروسيا ودول إفريقية، إضافة إلى اتهامات بتلقي دعم خارجي لتشغيل أنظمة عسكرية متطورة، ولا سيما الطائرات المسيّرة.
وفي 26 مايو/أيار 2026، كشف تحقيق موثق أعدته هيومن رايتس ووتش عن ما وصفه بتورط الإمارات في تقديم دعم لمليشيا الدعم السريع وتجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانبها، رغم النفي الإماراتي المتكرر لهذه الاتهامات.
وجاء التقرير تحت عنوان “من بوغوتا إلى الفاشر: دور الإمارات في إرسال مقاتلين كولومبيين وتقديم أشكال أخرى من الدعم لمليشيا الدعم السريع في السودان”؛ حيث أشار إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى توظيفهم عبر شركة إماراتية خاصة، قبل نقلهم إلى مناطق الصراع في السودان.
وبحسب التحقيق، قامت شركة "المجموعة العالمية للخدمات الأمنية" (GSSG)، ومقرها أبوظبي، بتوظيف مئات المقاتلين الكولومبيين منذ عام 2024، حيث مروا عبر منشآت عسكرية إماراتية قبل إرسالهم إلى السودان للمشاركة إلى جانب مليشيا الدعم السريع.
كما أفاد التقرير بأن عمليات النقل جرت عبر الجناح العسكري لمطار الكفرة في جنوب شرق ليبيا، الذي يُنظر إليه بصفته مركزاً لوجستياً مهماً لعمليات الدعم الموجهة إلى مليشيا الدعم السريع، ويضم مرافق لتخزين الأسلحة والمعدات العسكرية.
وفي السياق ذاته، ذكرت مجموعة Conflict Insights Group أن شبكة من المقاتلين الكولومبيين المدعومين إماراتياً قدمت دعماً عسكرياً مؤثراً لمليشيا الدعم السريع، وأسهمت في تعزيز قدراتها الميدانية خلال المعارك التي شهدتها مدينة الفاشر في عام 2025.
وأشارت المجموعة إلى أن مدينة نيالا تحولت إلى مركز رئيس لنشاط المقاتلين الكولومبيين وعمليات الطائرات المسيّرة التابعة لمليشيا الدعم السريع، مؤكدة رصد نشاط واسع لتلك الطائرات وتوثيق وجود عشرات الأجهزة العاملة باللغة الإسبانية.
كما أشار تقرير صادر عن The Sentry في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى أن رجل الأعمال الإماراتي أحمد محمد الحميري الذي أسس شركة GSSG عام 2016، لعب دوراً محورياً في توفير الدعم اللوجستي والبشري لمليشيا الدعم السريع، وفق ما أورده التقرير.
وفي فبراير/شباط 2026، أقر حميدتي بوجود عناصر كولومبية ضمن مليشياته، لكنه قال: إن دورهم يقتصر على تشغيل الطائرات المسيّرة، مضيفاً في تصريح متداول: "جبنا 10 كولومبيين فنيين بتاعين مسيرات.. فيها شنو؟!".
وسبق أن أعلن رئيس كولومبيا في أكتوبر/تشرين الأول 2025 مقتل أربعين مقاتلاً كولومبياً في السودان، واصفاً عمليات تجنيدهم بأنها تمثل شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر، وأطلق عليهم وصف "أشباح الموت".
من جهته، رأى الخبير الأميركي في الشؤون الإفريقية كاميرون هدسون أن الجيش السوداني قادر على حسم الحرب عسكرياً إذا توقف الدعم الخارجي المقدم لمليشيا الدعم السريع.
وأوضح أن الدعم السريع يواجه تحديات متزايدة نتيجة الانشقاقات التي نالت عدداً من قادته البارزين، إلى جانب تراجع قدرته على السيطرة على مناطق جديدة توفر له مصادر تمويل إضافية.
كما رأى أن المضي في إنشاء مؤسسات حكومية وعسكرية موازية لا يخدم سوى تكريس الانقسام داخل السودان، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه بتراخي المجتمع الدولي والولايات المتحدة في التعامل مع مليشيا الدعم السريع وعدم تصنيفها تنظيماً إرهابياً.

السلطة الموازية
يرى محللون سودانيون وغربيون أن قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو يسعى، بدعم من حلفائه الإقليميين، إلى استنساخ نموذج السلطة الموازية الذي شهدته ليبيا، عبر إنشاء مؤسسات سياسية وعسكرية وإدارية موازية للدولة السودانية، رغم ما واجهته تجارب مماثلة من صعوبات في تحقيق الاعتراف الدولي أو فرض شرعية سياسية مستقرة.
وبحسب هذه التقديرات، فإن الهدف من إنشاء حكومة وجيش ومؤسسات موازية لا يقتصر على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الدعم السريع، بل يمتد إلى محاولة تكريس واقع سياسي جديد يعمّق الانقسام الداخلي ويعزز وجود سلطة موازية في مواجهة الحكومة المركزية في الخرطوم.
ومع ذلك، يستبعد مراقبون أن يتمكن "الجيش الجديد" الذي أعلن عنه حميدتي من إحداث تحول جوهري في موازين القوى العسكرية أمام الجيش السوداني، معتبرين أن المشروع الجديد لا يمثل قوة مستقلة بقدر ما يشكل محاولة لإعادة تجميع الفصائل والقوى المسلحة المتحالفة مع الدعم السريع ضمن إطار تنظيمي جديد، وإعادة تقديمها سياسياً وعسكرياً بصورة مختلفة عن التشكيل الذي ارتبط خلال السنوات الماضية باتهامات واسعة تتعلق بانتهاكات وجرائم حرب.
وخلال الفترة الماضية، عمل حميدتي على بناء سلسلة من المؤسسات الموازية في مناطق سيطرة مليشياته، بدءاً من تأسيس "تحالف السودان التأسيسي" المعروف اختصاراً بـ"تأسيس" في فبراير/شباط 2025، ثم إعلان حكومة موازية في يوليو/تموز من العام نفسه.
كما أُعلن لاحقاً عن تشكيل مجلس رئاسي يضم 15 عضواً برئاسة حميدتي، وتعيين عبد العزيز الحلو نائباً له، إلى جانب إصدار ما سُمي بـ"الدستور الانتقالي"، الذي يتضمن 43 مادة ويعرّف السودان بصفته "دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية".
وشملت الخطوات أيضاً تعيين مسؤولين لمؤسسات قضائية وإدارية موازية، واتخاذ إجراءات تتعلق بالشؤون المالية والنقدية في مناطق السيطرة، غير أن هذه المؤسسات ما تزال تفتقر إلى الاعتراف الدولي، فيما يظل تأثيرها العملي محصوراً إلى حد كبير داخل المناطق الخاضعة لنفوذ مليشيا الدعم السريع.
وفي هذا السياق، أشار تقرير نشره The Africa Report مطلع يونيو/حزيران 2026 إلى أن العديد من الحركات المسلحة في القارة الإفريقية تواجه صعوبات بنيوية تحول دون تحولها إلى سلطات حاكمة قادرة على السيطرة على الدولة وإدارتها بصورة مستقرة.
وأوضح التقرير أن نجاح بعض التجارب المسلحة في الوصول إلى السلطة، كما حدث في حالات استثنائية، ارتبط بتوافر عوامل محددة، أبرزها وحدة القيادة السياسية والعسكرية، ووجود بنية تنظيمية متماسكة، وامتلاك قدر من الشرعية السياسية والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة.
في المقابل، يرى التقرير أن عدداً كبيراً من الحركات المسلحة الإفريقية، بما فيها القوى المنخرطة في النزاع السوداني، تعاني من الانقسامات الداخلية والتباينات القبلية والعرقية والتاريخية، فضلاً عن تعدد مراكز القرار داخلها.
وبحسب التقرير، فإن هذه العوامل تجعل من الصعب على مثل هذه التشكيلات الانتقال من وضعية الحركات المسلحة إلى سلطة مركزية قادرة على إدارة دولة واسعة ومعقدة مثل السودان، أو فرض نفسها بديلاً كاملاً للمؤسسات الرسمية القائمة.
لذلك، يعتقد عدد من المحللين أن مشروع "الجيش الجديد" قد يمنح الدعم السريع غطاءً تنظيمياً وسياسياً إضافياً، لكنه لن يكون كافياً، بمفرده، لتغيير المعادلة العسكرية أو تحقيق اعتراف دولي واسع بالحكومة الموازية التي تسعى الحركة إلى ترسيخها.
المصادر
- «حميدتي» يشكل مجلساً للأمن والدفاع تمهيداً لتأسيس جيش جديد
- Commander who was filmed killing civilians in Sudan is back in combat, sources say
- تحقيق حقوقي: الإمارات درّبت وأرسلت مرتزقة كولومبيين للسودان
- تقرير: مرتزقة كولومبيون بتمويل إماراتي ساندوا قوات الدعم السريع
- أكد خضوع الجيش للتنظيم.. حميدتي يتهم الإخوان بإغراق السودان في الحروب
- Why Africa’s jihadists can’t pull off a Syria-style takeover
- "حميدتي قال لي إن الحرب خرجت من يده".. شاهد الكواليس الكاملة لشهادة القائد السوداني المنشق علي السافنا

















