مشاهير "الشيبس" في العراق.. واجهات تجارية أم بوابات لغسل الأموال؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

مع التوسع اللافت في ظاهرة إطلاق مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي في العراق علاماتٍ تجارية تحمل أسماءهم، لا سيما في قطاع المنتجات الغذائية الموجهة للأطفال، تصاعدت التساؤلات بشأن مصادر الثروات التي يقفون خلفها، وحجم الأموال التي تُضخ في مشاريعهم الترويجية.

فبينما تحولت بعض هذه العلامات إلى ظاهرة جماهيرية واسعة الانتشار، أثارت الجوائز الباهظة وحملات التسويق المثيرة للجدل شكوكا حول طبيعة التمويل الذي يغذيها، وما إذا كان بعض هؤلاء المشاهير مجرد واجهات لأجندات أو شبكات مالية تعمل بعيدا عن الأضواء.

ورغم تحرك السلطات العراقية لملاحقة عدد من صناع المحتوى والتحقيق في مصادر أموالهم، فإن ذلك لم يحد من تنامي نفوذهم الاجتماعي والشعبي؛ إذ بات بعضهم يحظى بحشود استقبال ومظاهر نفوذ تضاهي ما يتمتع به سياسيون ومسؤولون بارزون، ما فتح الباب أمام نقاش واسع بشأن الدور المتنامي للمؤثرين في المجتمع العراقي، وحدود تأثيرهم الاقتصادي والثقافي وحتى السياسي.

"مشاهير الشيبس"

خلال عام واحد بدءا من منتصف 2025، أطلق نحو 25 من مشاهير مواقع التواصل في العراق، منتجي "الشيبس" و "البوشار"، فيما أضاف بعضهم منتجات أخرى لها تحمل أسماءهم أيضا، مثل: "آيس كريم، نودلز، مشروب طاقة"، غالبيتها تستهدف فئة الأطفال.

منتجات المشاهير أخذت طريقها للانتشار سريعا في الأسواق العراقية، خصوصا في ظل عمليات التسويق المثيرة للجدل، فقد خصص بعضهم هدايا باهظة الثمن لمن يظفر بأرقام الجوائز، إضافة إلى توزيعهم أموالا للمحتاجين بحجة أنها جزء من أرباح المنتجات.

وكان أبرز هؤلاء المشاهير إثارة للجدل، هو صانع المحتوى عبد الرحمن محمد المعروف باسم "أبو جنة"، الذي كان يمتلك مطعما لبيع الأسماء المشوية على الحطب (المسكوف العراقي) في مدينة الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق.

في 31 مايو/ أيار 2026، اعتقلت قوة أمنية عراقية، صانع المحتوى "أبو جنة" في مدينة الموصل التابعة لمحافظة نينوى، لتنفيذ أمر قضائي يتعلق بالتحقيق في مصادر الأموال والهدايا التي يظهر وهو يوزعها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن "عملية الاعتقال نُفذت داخل أحد المطاعم التابعة لأبو جنة في الموصل؛ إذ باشرت الجهات المختصة إجراءات التحقيق وفقاً للأوامر القضائية الصادرة بحقه".

وأشارت إلى أن "التحقيقات لا تتعلق بالمحتوى الذي يقدمه أو نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تتركز على مصادر الأموال والجوائز والهدايا التي اعتاد توزيعها ضمن حملاته الترويجية التي حظيت بانتشار واسع خلال السنوات الأخيرة".

من جهته، قال رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة نينوى، محمد الكاكائي، خلال مقابلة تلفزيونية في 1 يونيو: إن "أبو جنة" رفعت بحقة دعوى قضائية تتعلق بتطبيق قانون "من أين لك هذا؟"، بسبب تضخم الأموال وتوزيع السيارات الفارهة بين المواطنين.

وأضاف، أن "من حق الدولة اتخاذ الإجراءات القانونية وتسأل من أين لك هذا؟ بالتالي المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأن أبو جنة موقوف لدى المحاكم المختصة في نينوى، والتحقيقات مستمرة، وإذا ثبت عليه شيء فإن القانون هو الفيصل، وإن كان بريئا فسيطلق سراحه".

وأكد الكاكائي أن “لغطا كبيرا حول أبو جنة الشخصية الغامضة التي ظهرت فجأة، وأن أجهزة الدولة سواء هيئة النزاهة أو الرقابة المالية وغيرها تراقب كل شخص، ونحن المسؤولين نقدم سنويا كشفا بالذمة المالية الخاصة بنا، وإن كان هناك ثراء غير طبيعي، فإن الدولة تسأل من أين لك هذا؟”

وفي مطلع يناير 2026، ألقت القوات الأمنية العراقية القبض على صانع المحتوى العراقي حسام عناد المعروف على مواقع التواصل باسم "حسحس" بتهمة "المحتوى الهابط" و"غسيل الأموال". 

وأفاد بيان لوزارة الداخلية العراقية في حينها بأنه خلال التحقيق والمتابعة تبيّن تورطه بعمليات غسيل أموال؛ حيث جرى اتخاذ الإجراءات القانونية الأصولية بحقه وفق أوامر قضائية صادرة من الجهات المختصة.

واجهات مشبوهة

في ظل الجدل الحاصل، باتت مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما "تيك توك"، إحدى أكثر المنصات تأثيرا في المجتمع العراقي، مستقطبة أعدادا كبيرة من الشباب الباحثين عن الترفيه أو فرص تحقيق الدخل.

يأتي هذا الانتشار مع تنامي مخاوف تتعلق باستغلال بعض المشاهير والمؤثرين لهذه المنصات في أنشطة مالية مشبوهة، يُعتقد أنها ترتبط بعمليات غسل أموال تهدف إلى إخفاء مصادر الأموال غير المشروعة وإدخالها في الدورة الاقتصادية الرسمية.

وتعتمد هذه العمليات على أساليب تمنح الأموال مظهرا قانونيا، من بينها إبرام عقود إعلانية مع شركات غير موجودة فعليا أو لا تمارس نشاطا حقيقياً، بهدف إصدار فواتير ووثائق تبرر التدفقات المالية إلى حساباتهم، وفق بحث نشره مركز دراسات "الشهيد الخامس" العراقي في 19 أغسطس 2025.

وبحسب البحث المنشور، فإنه تُستخدم شركات وهمية مسجلة بأسماء أقارب أو وسطاء لتسهيل تحويل الأموال وتمويه مصدرها الحقيقي. ويضاف إلى ذلك المبالغة في قيمة الحملات التسويقية والإعلانات الرقمية، بما يسمح بتبرير مبالغ كبيرة لا تتناسب مع طبيعة النشاط المعلن عنه.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة في ظل وجود علاقات محتملة بين بعض المؤثرين وشخصيات نافذة سياسياً أو اقتصادياً، ما قد يحد من فعالية الإجراءات الرقابية ويعقّد عمليات التحقيق والمتابعة. 

ورغم إقرار العراق قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب عام 2015 بما يتوافق مع المعايير الدولية، فإن التطبيق العملي يواجه تحديات متعددة، أبرزها ضعف الرقابة على الأنشطة الاقتصادية الرقمية.

وتنعكس هذه الممارسات سلباً على المجتمع والاقتصاد؛ إذ تسهم في نشر ثقافة الثراء السريع وتقديم نماذج نجاح غير واقعية للشباب، ما قد يؤثر في توجهاتهم التعليمية والمهنية. 

كما يؤدي دمج الأموال غير المشروعة في الاقتصاد الرسمي إلى تعزيز الفساد وتقويض مبادئ الشفافية والمنافسة العادلة، فضلاً عن خلق اقتصاد موازٍ يعتمد على تدفقات مالية مجهولة المصدر تؤثر في بيئة الاستثمار والاستقرار الاقتصادي.

وفي ضوء هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى إجراءات أكثر فاعلية تشمل تعزيز الرقابة على الإعلانات الرقمية، وإلزام المؤثرين بالإفصاح عن مصادر دخلهم وعقودهم التجارية، وتطوير التشريعات لتشمل الأنشطة الرقمية عالية المخاطر.

إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة أيضا إلى إنشاء وحدات متخصصة في التحليل المالي الرقمي قادرة على رصد التحويلات المشبوهة ومتابعتها، وتمثل هذه الإجراءات خطوة مهمة للحد من استغلال المنصات الرقمية في الأنشطة غير المشروعة وحماية المجتمع والاقتصاد من آثارها طويلة الأمد، طبقا للبحث.

في 26 نوفمبر 2025، أصدر البنك المركزي العراقي تعليمات جديدة إلى المصارف بشأن المؤثرين، فقد أكد أن هؤلاء المشاهير يشكلون مخاطر جديدة أمام القطاع المصرفي.

ووجه "المركزي العراقي" المصارف بتصنيف مشاهير مواقع التواصل من العملاء "ذوي المخاطر المرتفعة" نظرا لتعدد مصادر دخلهم وتنوعها، والتأكد من إفصاحهم عن عقود التسويق والإعلانات والحصول على كشوفات مالية.

وطلب من المصارف إلزام المؤثر أو المشهور عند فتح حساب مصرفي بإدراج رابط حسابه على مواقع التواصل وصورة حديثة لعدد المتابعين، ما يثبت عائدية الحساب له، فضلاً عن مراقبة التحويلات المالية ومصادرها، لأسباب تتعلق باحتمال ارتباط بعض حساباتهم بغسيل أموال.

قوة ناعمة

على تقدير أن "أبو جنة" يعد أبرز المشاهير إثارة للجدل في العراق حاليا، فإن البعض عدّه وآخرين معه، "قوة ناعمة" موجهة للمجتمع السني من أجل نشر التشيّع، لا سيما أنه يستهدف فئة الأطفال، بينما رأى آخرون أنه واجهة مالية لغسيل الأموال القذرة.

وليس ببعيد عن التجربة الكولومبية والمكسيكية، فإن تضخم أموال المليشيات المسلحة في العراق، ومحاصرتها بالعقوبات الأميركية، دفعا للجوء إلى خلق واجهات مالية بعيدة عن الشبهات تتكفل بغسيل أموالها القذرة.

وبحسب الباحث ذنون الموصلي، فإن تجار المخدرات في أميركا الجنوبية، وتحديدا في هذين البلدين، يلجؤون عندما تتضخم أموالهم إلى دفنها، وذلك من أجل إبعادها عن تعقب الوحدات الأميركية المختصة، بالتالي ما يجرى في العراق اليوم، هو الشيء نفسه..

وأوضح الباحث لـ"الاستقلال" أنه مع تزايد العقوبات الأميركية على المليشيات المسلحة وزعاماتها وتضييق الخناق عليهم داخل وخارج البلاد، فضلا عن الضربات التي تقلتها إيران وأذرعها بالمنطقة، بدأت تستخدم واجهات سُنية لإدارة أموالها القذرة.

وأكد الموصلي أن المليشيات ضخت أموالا طائلة بمئات ملايين الدولارات عبر الواجهات السُنية من أجل شراء عقارات بأعداد مذهلة في كل أماكن البلاد، ولاسيما بالمناطق الراقية والباهظة في العاصمة بغداد.

ولفت إلى أن "أبو جنة" أحد الشخصيات المعروفة بقربها من جهات مسلحة شيعية، وما أثار الشبهات حوله هو توزيع سيارات نوع شيفروليه تاهو (Chevrolet Tahoe) والتي تتراوح سعر الواحدة منها في العراق بين 58 ألف إلى 102 ألف دولار أميركي.

ووصف الموصلي، ما يقوم به "أبو جنة" من عمليات توزيع جوائز باهظة مثل منح سيارة "تاهو" من أموال بيع "الشيبس"، بأنه أمر غير منطقي، خصوصا أنه وزّع خلال يوم واحد من أيام عيد الأضحى الحالي 10 سيارات منها، إضافة إلى 250 موبايل نوع آيفون 17.

وأشار إلى أن قرب "أبو جنة" من شخصيات شيعية مسلحة أمر واضح، لكن الخطورة في ترديده أخيرا عبارات يقسم من خلالها بـ"علي بن أبي طالب"، فهو شخص يتابعه أكثر من 5 ملايين شخص على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتالي تأثيره واسع في المجتمع. 

على الصعيد ذاته، شنت الناشطة العراقية أمية التكريتي، هجوما حادا على "أبو جنة" بعد تعمده ترديد عبارات وصفتها بأنها "خطيرة على المجتمع السني"، لا سيما فئة الأطفال التي يستهدفها.

وقالت التكريتي خلال تغريدة على "إكس" في 28 مايو: إن "أبو جنة " يحلف بـ "علي " وينسلخ من هويته وعقيدته من أجل إرضاء شركاء الوطن، "أبو جنة" خطير جدا على مجتمعنا السُّني كونه يستهدف فئة الأطفال، ولا أستبعد أن يكون مدفوعا لأجل هذا الشيء.

وتابعت: "أبو جنة" يستهدف فئة الأطفال في محتواه وتجارته ويتابعه ملايين الأطفال السُنة في العراق وحلفه بـ "علي" من الممكن أن يتأثر به عدد كبير من أطفالنا. هويتنا وعقيدتنا خط أحمر، يجب على الآباء والأمهات أن يحذروا من خطورته ونشر الوعي بين أطفالهم.

وشددت التكريتي على أنها سبق أن حذرت منه، كونه مدعوما من قادة المليشيات في الموصل، مشيرة إلى أن من تدعمه المليشيات لأجل غاية في نفسها، ومن المؤسف أن يتصدر واجهة مدينة الموصل العريقة.