من خزان باسو إلى الجزيرة.. هكذا تستهدف “الدعم السريع” مقومات الحياة بالسودان

ما يشهده السودان تحول من حرب أهلية إلى عملية منظمة لتدمير مقومات الحياة
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تعد المواجهة تقتصر على ساحات القتال وخطوط التماس بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل امتدت لتنال مقومات الحياة الأساسية التي يعتمد عليها ملايين المدنيين. فالمياه والكهرباء والمستشفيات والمشاريع الزراعية تحولت تدريجيا إلى أهداف مباشرة أو غير مباشرة للصراع الدائر في البلاد.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت الهجمات التي استهدفت منشآت خدمية وحيوية في عدد من الولايات السودانية، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية وتوسيع دائرة المتضررين بعيدا عن ساحات المعارك. وبات السكان يواجهون أزمات متراكمة تتعلق بالحصول على المياه والعلاج والكهرباء والغذاء، في وقت تعجز فيه المؤسسات المحلية عن احتواء التداعيات.
وفي أحدث هذه الهجمات، استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع، في 26 مايو/أيار 2026، خزان مياه باسو غرب مدينة الطينة قرب الحدود التشادية، في حادثة أعادت إلى الواجهة الاتهامات الموجهة للقوات المتمردة باستهداف البنية التحتية المدنية واستخدام الخدمات الأساسية ضمن أدوات الحرب والضغط على المناطق الخارجة عن سيطرتها.
ويثير هذا النمط المتكرر من الهجمات تساؤلات بشأن طبيعة الإستراتيجية التي تتبعها قوات الدعم السريع وأهدافها الحقيقية: هل يتعلق الأمر بأضرار جانبية فرضتها الحرب، أم أن استهداف مصادر المياه والكهرباء والمرافق الصحية والمشاريع الزراعية أصبح جزءا من سياسة ممنهجة تهدف إلى إنهاك المجتمعات المحلية وتقويض قدرتها على الصمود؟

خزان باسو.. استهداف شريان الحياة
ويُعد خزان باسو أهم منشأة مائية في منطقة الطينة؛ إذ يمثل المصدر الرئيس لمياه الشرب للسكان ومواشيهم، كما يشكل الركيزة الأساسية لبقاء آلاف النازحين الذين لجؤوا إلى المنطقة هربا من المعارك. لذلك بدا استهدافه أقرب إلى ضرب شريان الحياة في المنطقة، وليس مجرد استهداف لبنية تحتية خدمية.
ويخزن الخزان آلاف الأمتار المكعبة من المياه التي يعتمد عليها السكان والنازحون، لا سيما مع تحول الطينة خلال الأشهر الماضية إلى مركز رئيس لاستقبال الفارين من القتال في الفاشر وكرنوي وأمبرو ومناطق أخرى بشمال دارفور، ما ضاعف الاعتماد عليه بوصفه المصدر المائي الأكثر أهمية في منطقة تعاني أساسا من شح الموارد المائية.
وتشير تقديرات محلية إلى أن الخزان كان يوفر المياه لأكثر من 100 ألف شخص بين سكان ونازحين، بينهم أكثر من 5700 أسرة وصلت إلى المنطقة خلال الأشهر الأخيرة. وفي بيئة صحراوية ترتفع فيها درجات الحرارة وتندر فيها البدائل، لا يعني تدمير الخزان فقدان مرفق خدمي فحسب، بل حرمان عشرات الآلاف من موردهم الأساسي للحياة.
وعندما استهدفت طائرة مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع الخزان مرتين متتاليتين، كانت الضربة الثانية كافية لتدميره بالكامل، بعدما تسببت الأولى في أضرار جسيمة بجدرانه الخرسانية.
وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة مدنيين ونفوق أعداد من الماشية، فيما تسبب تدمير الخزان في أزمة مياه فورية دفعت السكان والنازحين إلى قطع مسافات طويلة بحثا عن مصادر بديلة، أو الاعتماد على مساعدات إغاثية محدودة لا تلبي الاحتياجات المتزايدة.
ويرى عاملون في المجال الإنساني أن استهداف منشأة بهذه الأهمية لا يمكن فصله عن تداعياته الواسعة على الأمنين الصحي والغذائي في المنطقة، فالمياه تمثل الحلقة الأولى في منظومة البقاء.
وأي انقطاع طويل للإمدادات المائية يرفع مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة، ويهدد الثروة الحيوانية التي تمثل مصدرا رئيسا للغذاء والدخل، كما يدفع مزيدا من الأسر إلى النزوح داخل السودان أو عبور الحدود نحو تشاد.
ولا يبدو استهداف خزان باسو معزولا عن سياق أوسع شهدته مناطق دارفور خلال الحرب. ففي مدينة الفاشر المحاصرة، روى ناجون لوكالة "رويترز" أن المدنيين كانوا يخاطرون بحياتهم للحصول على المياه والغذاء، وأن مغادرة الأحياء المحاصرة كانت تعني التعرض للقنص أو القصف أو النهب.
وعندما تصبح المياه نفسها هدفا للهجمات، لا يعود النزوح نتيجة جانبية للحرب، بل يتحول إلى خيار قسري يُفرض على المدنيين بين الرحيل أو البقاء بلا مقومات للحياة.
ويحظر القانون الدولي الإنساني استهداف الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين، بما في ذلك منشآت المياه والغذاء والزراعة، بوصفها مرافق لا غنى عنها لاستمرار الحياة.
ولم يقتصر تأثير الحرب على خطوط المواجهة العسكرية، بل امتد إلى القطاع الصحي والبنية التحتية الحيوية؛ حيث تحولت المستشفيات ومحطات الكهرباء إلى أهداف متكررة للهجمات، ما فاقم معاناة المدنيين وعمّق الأزمة الإنسانية في البلاد.
فمنذ الأسابيع الأولى للحرب، تعرضت مرافق صحية عدة في العاصمة الخرطوم لهجمات وعمليات نهب واحتلال، نُسبت إلى قوات الدعم السريع. ووثق باحثون في دراسة تناولت أثر الحرب على الكوادر الصحية تعرض مستشفى الشهيد بمنطقة الدروشاب في مدينة بحري لهجوم في 30 يونيو/حزيران 2023، أسفر عن مقتل اختصاصي مختبر، والاعتداء على مرضى، وتدمير مختبر المستشفى، إلى جانب تقارير عن مقتل أطباء وصيدلي في حوادث مرتبطة بالهجوم.
وفي الخرطوم أيضا، أظهر تقرير مشترك لجمعية الأطباء السودانيين الأميركيين ومختبر الأبحاث الإنسانية بكلية ييل للصحة العامة أن 41 مستشفى من أصل 87 في ولاية الخرطوم، أي ما يقارب 47 بالمئة من إجمالي المستشفيات، تعرضت لأضرار خلال أول 500 يوم من الحرب. كما تضرر 17 مستشفى تعليميا من أصل 25، ما أثر في الخدمات العلاجية وبرامج تدريب الكوادر الطبية في آن واحد.
أما في مدينة الفاشر، فقد بلغ استهداف القطاع الصحي ذروته في 24 يناير/كانون الثاني 2025، عندما تعرض المستشفى السعودي للنساء والتوليد، أحد آخر المرافق الطبية العاملة في المدينة، لهجوم أسفر عن مقتل نحو 70 شخصا. ونسبت السلطات المحلية الهجوم إلى قوات الدعم السريع، فيما أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، سقوط عشرات القتلى ودعا إلى وقف استهداف المنشآت الصحية.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 1600 شخص قتلوا خلال العام ذاته في هجمات استهدفت مرافق صحية في السودان، من بينها هجوم على مستشفى عسكري بمدينة الدلنج، ما عكس حجم التدهور الذي أصاب القطاع الصحي جراء استمرار النزاع.
ولم تكن البنية التحتية الكهربائية بمنأى عن هذه الهجمات. ففي 13 يناير/كانون الثاني 2025، استهدفت طائرات مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع محطة كهرباء سد مروي، ما تسبب في اضطرابات واسعة بإمدادات الكهرباء في عدد من الولايات السودانية.
وبعد أيام، نقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عن مسؤولين وسكان محليين أن معظم المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني شهدت انقطاعات واسعة للكهرباء عقب هجمات استهدفت منشآت توليد الطاقة.
وفي مايو/أيار 2025، وسعت قوات الدعم السريع نطاق هجمات الطائرات المسيّرة لتشمل مدينة بورتسودان، التي تحولت منذ اندلاع الحرب إلى مركز إداري وإنساني رئيس. واستهدفت الهجمات مطار المدينة ومستودعات الوقود ومحطة للكهرباء ومنشآت حيوية أخرى، ما أدى إلى انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي وأثار مخاوف بشأن تعطّل عمليات الإغاثة الإنسانية.
وبحسب "بي بي سي"، فإن آثار استهداف الكهرباء تتجاوز مجرد انقطاع التيار؛ إذ تمتد إلى تعطيل المستشفيات ومضخات المياه وسلاسل التبريد وشبكات الاتصالات، فضلا عن إعاقة نقل المساعدات الإنسانية، ما يضاعف من كلفة الحرب على المدنيين ويجعل الخدمات الأساسية نفسها جزءا من ساحة الصراع.

الغذاء ومشروع الجزيرة
وإذا كان خزان باسو يمثل عنوان العطش، فإن مشروع الجزيرة يجسد عنوان الجوع في السودان، بوصفه أحد أكبر مشاريع الري في إفريقيا وأهم الأصول الزراعية في البلاد، ومصدراً رئيساً لإنتاج القمح والذرة والقطن، فضلاً عن كونه شرياناً اقتصادياً تعتمد عليه آلاف الأسر في معيشتها اليومية.
وتُظهر دراسات حول أزمة الغذاء في السودان أن مشروع الجزيرة يُعد الأكبر من حيث المساحات المروية؛ إذ يشكل نحو 42 بالمئة من إجمالي الأراضي المروية في البلاد، ما يمنحه أهمية إستراتيجية تتجاوز البعد الزراعي لتصل إلى كونه ركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني.
ومنذ دخول قوات الدعم السريع إلى أجزاء واسعة من ولاية الجزيرة في ديسمبر/كانون الأول 2023، تحولت المنطقة إلى ساحة مضطربة طغت عليها عمليات النهب والخطف والقتل، ما انعكس بشكل مباشر على النشاط الزراعي وأدى إلى انهيار واسع في منظومة الإنتاج.
وفي أغسطس/آب 2024، نشرت وكالة "رويترز" تحقيقاً استند إلى مقابلات مع 43 شخصاً من 20 مجتمعاً محلياً، وثق شهادات عن موجات نهب وخطف وقتل أعقبت سيطرة قوات الدعم السريع على معظم الولاية، ما أدى إلى تفكك الحياة الزراعية والأمنية في المنطقة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" وقوع هجمات على قرى في شرق الجزيرة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 25 شخصاً، وذلك بعد انشقاق القائد أبو عاقلة كيكل عن صفوف قوات الدعم السريع، في تطور زاد من حدة التوترات الميدانية.
وقد كانت النتائج الزراعية لهذه التطورات مباشرة وحادة؛ إذ تعطلت مواسم الزراعة، وفرّ المزارعون من أراضيهم، وتعرضت المعدات للنهب، بينما تضررت قنوات الري والأسواق المحلية التي تمثل العمود الفقري للحركة الاقتصادية في المنطقة.
وفي مارس/آذار 2026، أشار تقرير لموقع "مونغاباي" المتخصص في قضايا البيئة والزراعة إلى أن الحرب فاقمت بشكل كبير أزمة الري في مشروع الجزيرة، الذي يمتد على نحو 890 ألف هكتار ويعتمد على شبكة معقدة من القنوات المائية المرتبطة بنهر النيل.
ومع تآكل هذه البنية الزراعية، لا يواجه السودان خسارة موسم زراعي فحسب، بل يتجه نحو تراجع خطير في قدرته على تأمين غذائه المحلي، في وقت يشهد فيه واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم، ما يجعل استهداف الزراعة أحد أخطر أبعاد الحرب وأكثرها تأثيراً على مستقبل البلاد.

عملية تدمير منظم
يرى السياسي السوداني أمين عبد الرازق، في تصريح لـ"الاستقلال"، أن ما يجري في السودان لم يعد يمكن وصفه بحرب أهلية تقليدية، بل تحول إلى عملية منظمة تستهدف تفكيك مقومات الحياة المدنية وإضعاف المجتمع عبر ضرب مصادر المياه، والمستشفيات، وشبكات الكهرباء، والقطاع الزراعي، وسلاسل الغذاء الأساسية.
ويؤكد عبد الرازق أن استهداف خزان باسو في منطقة الطينة لا يمكن النظر إليه كحادثة معزولة، بل يأتي ضمن سلسلة ممتدة من الهجمات التي طالت البنية التحتية المدنية في دارفور والجزيرة والخرطوم ومناطق أخرى. مشيراً إلى أن تكرار نمط ضرب الخدمات الأساسية يكشف عن توجه يتجاوز منطق العمليات العسكرية التقليدية نحو إنهاك السكان مباشرة.
وفي حديثه، حمّل عبد الرازق قوات الدعم السريع المسؤولية عن هذا المسار، واصفاً إياها بأنها "مليشيا إرهابية"، وقال: إنها تتحمل مسؤولية الانتهاكات التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الحرب، والتي أسهمت في تعميق الكارثة الإنسانية وتوسيع نطاق الدمار في مختلف أنحاء السودان.
وانتقد عبد الرازق بشدة الموقف الدولي والإقليمي، مقدرا أن السودان تُرك وحيداً في مواجهة واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. مضيفاً أن تفاعل المجتمع الدولي مع الأزمة لم يرتقِ إلى حجم المأساة مقارنة بأزمات أخرى في المنطقة والعالم، رغم اتساع نطاق القتل والنزوح والانهيار الإنساني.
وأشار إلى أن الأمم المتحدة نفسها تصف السودان بأنه أكبر أزمة نزوح في العالم وأحد أسوأ الأزمات الإنسانية الجارية حالياً، لافتاً إلى أن ملايين المدنيين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تعيش مناطق محاصرة ظروفاً كارثية تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً.
ويشدد عبد الرازق على أن الخطر الحقيقي لا يقتصر على الخسائر المباشرة في الأرواح والممتلكات، بل يمتد إلى تدمير فرص الحياة ذاتها، قائلاً: إن "استهداف خزان مياه يخدم عشرات الآلاف، أو تعطيل مستشفى أو شبكة كهرباء أو مشروع زراعي، يعني عملياً ضرب أسس البقاء ودفع السكان نحو الجوع والمرض والنزوح القسري".
ويضيف أن استمرار الانتهاكات من جانب المليشيات المسلحة يجعل الحديث عن حماية المدنيين أو استقرار الدولة أمراً صعب التحقيق، في ظل تحول مساحات واسعة من البلاد إلى مناطق فوضى وانهيار مؤسسي واسع.
ويختم بالقول: إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من بيانات القلق، بل إلى موقف دولي فاعل يضع حداً لاستهداف المدنيين والبنية التحتية، ويحاسب المسؤولين عن الانتهاكات، محذراً من أن تأخر التحرك الدولي سيضاعف كلفة إعادة بناء البلاد مستقبلاً مقارنة بكلفة إنقاذها في الوقت الراهن.
المصادر
- Attacks on Health Care in Sudan, 18 February - 03 March 2026
- استهداف مصادر المياه.. هل تتعمد قوات الدعم السريع تعطيش الطينة السودانية؟
- War exacerbates long-standing irrigation crisis for Sudan farmers
- About 70 people killed in attack on hospital in Sudan’s Darfur region, WHO chief says
- Drone attacks shock city in central Sudan as war inches closer
- كيف دمّرت الحرب والسياسة أكبر مشروع زراعي في السودان؟













