الطابو في قبضة الاحتلال.. كيف توظف إسرائيل تسجيل أراضي “ج” للضم؟

حسن عبود | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تضع إسرائيل ملكية مساحات واسعة من الضفة الغربية أمام عملية حسم نهائي تديرها مؤسسات الاحتلال، بدءًا من اختيار المناطق التي تدخل التسوية وفحص وثائق الملكية، وصولًا إلى البتّ في الاعتراضات وإصدار السجل العقاري النهائي.

وفي قلب العملية تقع المنطقة ج التي تشكّل نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة وتضم معظم المستوطنات ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية والاحتياط العمراني للقرى الفلسطينية، فيما بقي جانب كبير منها خارج التسجيل النهائي منذ أن أوقف الاحتلال إجراءات التسوية رسميًا عام 1968.

وبموجب "اتفاقية أوسلو 2" الموقعة عام 1995، تُقسم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: "أ"، و"ب"، و"ج". وتخضع "أ" للسيطرة الفلسطينية الكاملة، فيما تخضع "ب" لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، بينما تقع مناطق "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

إعادة رسم الملكية

في 25 مايو/أيار 2026، أطلقت الحكومة الإسرائيلية منصة رقمية جديدة لمعاملات الأراضي في الضفة الغربية، تشمل التسجيل الأول والبيع والرهن والإرث والوصايا واستخراج القيود العقارية.

وبعد ثلاثة أيام، طرحت وزارة القضاء مناقصة عامة لاختيار جهة تتولى إدارة عمليات تسوية الأراضي في الضفة الغربية وشرق القدس، في خطوة نقلت المشروع من القرارات الحكومية إلى بناء جهاز قادر على استقبال ملفات الملكية وإجراء المسح وإعداد جداول الحقوق.

جاءت المنصة والمناقصة بعد قرار حكومي في 15 فبراير/شباط 2026،  أعاد تشغيل عملية تسوية الأراضي في المنطقة “ج” وحدد هدفًا لتسجيل 15 بالمئة على الأقل من الأراضي غير المسواة حتى نهاية عام 2030. 

وخصصت حكومة الاحتلال للعملية 244.1 مليون شيكل (1 دولار يساوي 3 شواكل) و35 وظيفة جديدة داخل الجهات المشاركة في التنفيذ، لتصبح التسوية برنامجًا حكوميًا ممولًا يمتد سنوات، بدل بقائها إجراءً محدودًا يبدأ بطلب فردي من صاحب الأرض.

تتولى ما تسمى الهيئة الإسرائيلية لتسجيل وتسوية الحقوق العقارية التابعة لوزارة القضاء قيادة المشروع، بمشاركة مركز مسح إسرائيل والإدارة المدنية والدوائر القانونية والأمنية في وزارة الجيش.

وتعود جذور العملية إلى التسوية التي بدأت خلال الانتداب البريطاني وواصلتها الإدارة الأردنية بموجب قانون تسوية الأراضي والمياه لسنة 1952. 

وكانت السلطات تحدد منطقة عقارية بعينها، ثم تمسح أراضيها وتفحص طلبات أصحاب الحقوق، وتنشر جدولًا أوليًا للملكية، قبل استقبال الاعتراضات وإصدار السجل النهائي.

وعند احتلال الضفة عام 1967، كانت العملية قد اكتملت في نحو 30 إلى 34 بالمئة من أراضيها، فيما بقي معظمها خارج الطابو النهائي.

في 19 ديسمبر/كانون الأول 1968، أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي أمرا علق إجراءات التسوية ومنع فتح عمليات جديدة. واستند القرار حينها إلى وجود أعداد كبيرة من المالكين والورثة خارج الضفة، وغياب قسم من السجلات الأردنية، والخشية من حسم حقوق أشخاص يتعذر حضورهم أو تقديم وثائقهم. 

واستمر التجميد الرسمي أكثر من خمسة عقود، مع إبقاء مسار ضيق يعرف بـ"التسجيل الأول"، يتيح تسجيل قطعة منفردة بناء على طلب خاص. وكان هذا التسجيل مكلفًا ومعقدًا؛ إذ يتحمل صاحب الطلب نفقات المسح والإعلانات والمحامين ورسومًا قد تقترب من 5 بالمئة من قيمة الأرض. 

واستفاد من هذا التسجيل مستوطنون وشركات إسرائيلية لتثبيت صفقات شراء وادعاءات ملكية، فيما تجنبه فلسطينيون كثيرون بسبب الكلفة وصعوبة الإجراءات وانعدام الثقة بالمؤسسات الإسرائيلية.

أما المسار الجديد، فتبدأه حكومة الاحتلال بنفسها داخل مناطق عقارية كاملة، وتموّله وتديره حتى إصدار سجل نهائي لجميع القطع الواقعة فيها.

سبق قرار فبراير إعداد مؤسساتي امتد سنوات، ففي تقريرها عن عام 2019، أشارت النيابة العسكرية الإسرائيلية إلى دراسة استئناف التسوية بالتعاون مع وزارتي القضاء والجيش والإدارة المدنية. 

وفي 11 مايو 2025، أصدر المجلس الوزاري السياسي والأمني المصغر “الكابينت” قرارًا ببدء إجراءات التسوية في المنطقة “ج”، وكلّف قائد قوات الجيش في الضفة باستئنافها وإعداد التعديلات العسكرية اللازمة. ثم جاء قرار فبراير ليحوّل التوجيه إلى برنامج تنفيذي بميزانية وموظفين وجدول زمني.

وعندما تختار إسرائيل منطقة عقارية للتسوية، يصبح كل فلسطيني يطالب بحقه فيها، مجبرا على تقديم وثائق الملكية وتسلسل الإرث وإثبات الحيازة والزراعة ضمن المهل المحددة. 

وبعد المسح والتحقيق، تعد الجهات الإسرائيلية جدولًا أوليًا للحقوق، وتنشره للاطلاع، ثم تفتح باب الاعتراض لمدة تصل إلى 30 يومًا وفق القانون الأردني. وتحال النزاعات بعد ذلك إلى محكمة التسوية، قبل صدور سجل عقاري نهائي يحدد صاحب كل قطعة وحدودها.

ولم تنشر حكومة الاحتلال حتى الآن أسماء القرى أو المناطق العقارية التي ستبدأ بها المرحلة الأولى. ويقتصر القرار المنشور على تحديد النسبة المستهدفة والميزانية والجهات المنفذة.

وتقدر حركة السلام الآن مساحة المنطقة “ج” بنحو 3.3 ملايين دونم، منها قرابة 1.9 مليون دونم خارج التسوية النهائية، ما يعني أنَّ هدف الـ15 بالمئة قد يشمل نحو 290 ألف دونم حتى عام 2030.

وتشير الوثائق الإسرائيلية إلى أن بناء الجهاز التنفيذي الكامل قد يحتاج نحو عام ونصف العام، وأن تسوية كل منطقة عقارية قد تستغرق مدة مماثلة أو أطول.

وبذلك تؤسس إسرائيل عملية متدرجة تعيد من خلالها رسم سجل الملكية في المنطقة "ج"، فيما بدأت بالفعل ببناء أدوات التنفيذ الرقمية والإدارية التي ستدير العملية خلال السنوات المقبلة.

من يواجه فقدان أرضه؟

تتفاوت تقديرات عدد الفلسطينيين الذين يعيشون داخل المنطقة “ج” أو في تجمعات تمتد إليها بين 180 و300 ألف شخص.

وقدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة “أوتشا”، وجود نحو 300 ألف فلسطيني في قرابة 530 منطقة سكنية تقع كليًا أو جزئيًا في المنطقة “ج”، بينها 241 منطقة تقع بالكامل داخلها.

وتتسع دائرة المتضررين لتشمل فلسطينيين يقيمون في المنطقتين “أ” و"ب"، بينما تقع أراضيهم الزراعية ومراعيهم والاحتياط العمراني لقراهم داخل المنطقة "ج".

 لذلك يصعب حصر أثر عملية التسجيل في السكان المقيمين داخلها؛ إذ تمتد تبعاتها إلى عائلات وقرى فلسطينية تعتمد على هذه الأراضي في الزراعة والسكن والتوسع مستقبلًا.

وتتنوع الوثائق الفلسطينية بين سجلات نهائية وأدلة تاريخية وقرائن على الحيازة، فيما يشكل التسجيل النهائي الذي أنجزته السلطات البريطانية أو الأردنية أقوى هذه الأدلة، لأن القطعة تكون محددة المساحة والحدود ومسجلة باسم صاحب معروف. 

غير أن توقف التسوية عام 1968 ترك القسم الأكبر من الأراضي خارج هذا السجل، ودفع أصحابها إلى الاعتماد على وثائق متفاوتة القيمة أمام المؤسسات الإسرائيلية.

يأتي الكوشان أو الطابو العثماني في مقدمة الوثائق القديمة، وهو سند يثبت حق التصرف في الأرض، لكن حدوده كتبت في حالات كثيرة بأوصاف تعتمد على أسماء الجيران والأشجار والطرق والأودية. 

ومع مرور أكثر من قرن، تغيرت المعالم وتقسمت الأرض بين الورثة، وأصبح ربط السند القديم بقطعة حديثة يحتاج خبراء ومسحًا وتسلسلًا كاملًا للملكية. وقد يتحول الخلاف من صحة الكوشان إلى موقع الأرض والمساحة التي يغطيها فعليًا.

وتقدم قيود المالية وضريبة الأملاك الأردنية قرينة على ارتباط شخص بالأرض ودفعه الضرائب عنها، لكنها تحمل في العادة معلومات محدودة عن الحدود والمساحة، وتبقى دون قوة التسجيل النهائي. 

أما جداول الادعاءات التي أعدت خلال عمليات التسوية الأردنية وتوقفت قبل إصدار السجل النهائي، فتختلف قيمتها بحسب المرحلة التي بلغها التحقيق قبل الاحتلال. ويخضع وزن هذه الوثائق للتفسير الذي تتبناه الجهات الإسرائيلية أثناء فحص كل ملف.

ومن هنا، يواجه الورثة واحدة من أكثر الحالات تعقيدًا، فكثير من الأراضي بقي في الوثائق باسم الجد أو الأب، ثم توزعت الحصص بين عشرات الأبناء والأحفاد من دون فرز أو تحديث للسجل. 

ويتطلب إثبات الحق تقديم حصر إرث وتسلسل كامل للانتقال بين الأجيال وتحديد حصص جميع الشركاء، وقد يوجد بعضهم في الأردن أو مخيمات اللجوء أو دول أخرى. ويجعل غياب أحد الورثة أو تعذر جمع وثائقه جزءًا من الأرض عرضة للنزاع أو للتعامل معه ضمن قوانين “الأملاك المتروكة” والغائبين.

وتواجه أراضي المشاع التي تتقاسمها عائلات أو قرى وفق ترتيبات عرفية، تحديًا مشابهًا، فقد حافظ فلسطينيون خلال العهد العثماني على الملكية الجماعية، وتجنب بعضهم التسجيل الفردي للأرض خشية زيادة الضرائب أو استخدام السجلات في فرض التجنيد الإجباري، إلى جانب ارتباط ذلك بطبيعة الزراعة وتقاسم الأرض بين العائلات.

وعند إدخال هذه الأراضي في تسوية نهائية، يصبح كل شريك مطالبًا بإثبات حصته وحدودها، وقد يؤدي نزاع واحد أو غياب وثيقة إلى إرباك حقوق عدد كبير من العائلات. أما المزارعون والرعاة، فيعتمد جانب من حقوقهم على الحيازة والاستعمال الفعلي للأرض وفق قانون الأراضي العثماني. 

وطورت الإدارة المدنية الإسرائيلية تفسيرًا متشددًا لمعيار الزراعة، يشترط في بعض الأراضي ذات الزراعة المتقطعة تغطية أكثر من نصف مساحة القطعة، فيما يخرج الرعي وجمع الحطب من صور الاستعمال المنشئة للحق. ويهدد هذا التفسير السفوح الصخرية والمراعي والأراضي البعلية التي ترتبط زراعتها بالمطر والمواسم.

تزداد الخطورة عندما يكون انقطاع الزراعة نتيجة لسياسات الاحتلال، فقد منعت الحواجز والمستوطنات والبؤر والطرق العسكرية وانتهاكات المستوطنين أصحاب أراضٍ من الوصول إليها لسنوات، ثم يصبح تراجع الزراعة سببًا للطعن في استمرار حيازتهم. 

وحذرت منظمة يش دين القانونية الإسرائيلية، من أن فقدان الوصول إلى الأرض الخاصة غير المسجلة يضعف قدرة أصحابها على استيفاء معيار الزراعة الذي تستخدمه الإدارة المدنية.

وتفرض إجراءات الإخطار والاعتراض مخاطرة إضافية، فالإعلان عن جدول الحقوق يطلق مهلة زمنية محددة، بينما ينتشر أصحاب الأرض والورثة بين قرى ومدن ومخيمات ودول مختلفة. 

ويوثق المجلس النرويجي للاجئين، حالة من بلعين أعلن فيها الاحتلال عام 1990 نحو 125 دونمًا “أراضي دولة”، ثم ظهر أن وثيقة الإعلان خَلَت من توقيع مختار القرية بما أثبت عدم تسلمه الإخطار. وتوضح الحالة أن خلل التبليغ قد يفقد صاحب الأرض فرصة الاعتراض في الوقت المطلوب.

تحتاج العائلات أيضًا إلى محامين ومسَّاحين وخبراء في الوثائق العثمانية والأردنية، وإلى خرائط تربط الأوصاف التاريخية بالإحداثيات الحديثة. وتملك الحكومة في المقابل أجهزة مساحة وسجلات وموازنات وفرقًا قانونية متخصصة. 

ويخلق التفاوت في الموارد معركة إثبات تجري أمام مؤسسات تابعة للجهة التي تسيطر على الأرض وتحدد معايير قبول الأدلة.

يمتد الضرر إلى القرية بأكملها حتى عندما يقتصر النزاع على أراضٍ خارج المنطقة المبنية، فالأراضي غير المسجلة تشكل الحقول والمراعي ومصادر الدخل والاحتياط المطلوب لبناء المنازل والمدارس والطرق مستقبلًا. 

وعندما تسجل التلال والسهول المحيطة باسم “الدولة”، تفقد القرية مجالها الطبيعي للتوسع وتتحول إلى كتلة سكانية محاصرة داخل نطاق تديره المستوطنات والمجالس الإسرائيلية.

كيف يتحول التسجيل إلى ضم؟

يبدأ المسار باختيار إسرائيل منطقة عقارية للتسوية، ثم مطالبة كل صاحب حق فيها بتقديم ادعائه ووثائقه ضمن المهل المحددة.

وبعد فحص الطلبات والاعتراضات، تسجل القطع التي تثبت ملكيتها باسم أصحابها، فيما يفتح رفض الادعاءات أو غيابها الطريق أمام تسجيل الأراضي باسم “الدولة”. ويمنح السجل النهائي هذا التصنيف قوة عقارية أوسع، ويضيق إمكان ظهور مطالبات فلسطينية لاحقة بالأرض.

تكشف سياسة تخصيص “أراضي الدولة” عن الجهة التي تستفيد من هذه النتيجة، وفق ما كشف تقرير نشرته منظمة السلام الآن الإسرائيلية في 17 يوليو/تموز 2018، واستند إلى بيانات حصلت عليها من الإدارة المدنية.

أظهرت البيانات أن 99.76 بالمئة من الأراضي الحكومية التي خُصصت لأي استعمال في الضفة، بما يقارب 674 ألف دونم، ذهبت لخدمة الإسرائيليين والمستوطنات.

وحصل الفلسطينيون على 0.24 بالمئة، أي نحو 1625 دونمًا، وكان جزء كبير منها مرتبطًا بنقل تجمعات بدوية أو ترتيبات تخدم مشاريع إسرائيلية.

تمنح هذه الأرقام معنى عمليًا لتسجيل الأرض باسم “الدولة”؛ فالقطعة تنتقل بعد ذلك إلى مخزون يمكن تخصيصه للمستوطنات والطرق والمناطق الصناعية ومجالس المستوطنين، بينما تخضع المشاريع الفلسطينية لقيود التخطيط والبناء التي تفرضها الإدارة المدنية.

 وتقدر منظمة بتسيلم الإسرائيلية الحقوقية، أن إسرائيل أعلنت أو سجلت نحو 1.2 مليون دونم في الضفة ضمن الأراضي العامة التي تديرها، بما يعادل قرابة 22 بالمئة من مساحة المنطقة.

ووضع وزير المالية والوزير الإضافي في وزارة الجيش بتسلئيل سموتريتش الهدف السياسي للعملية في تصريحات رافقت قرار الكابينت في مايو 2025، وقال: إن إسرائيل تأخذ للمرة الأولى مسؤولية الأرض بصفتها “سيدًا دائمًا”، وإن التسوية ستوفر احتياطات لتطوير الاستيطان. 

وبدوره، وصف وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس الخطوة بأنها ستقود إلى تعزيز الاستيطان وتوسيعه.

يعمل التسجيل إلى جانب حزمة أوسع من الإجراءات، ففي 8 فبراير 2026، أقر الكابينت تسهيلات لشراء الإسرائيليين الأراضي في الضفة، وفتح سجلات الملكية أمامهم، وإحياء لجنة حكومية لاقتناء الأراضي، وتوسيع صلاحيات الإنفاذ الإسرائيلية في مناطق تخضع اسميًا للإدارة الفلسطينية. 

وجاء قرار تسوية المنطقة "ج" بعد أسبوع واحد، ما يضع التسجيل والشراء والتخصيص ضمن منظومة متكاملة توسع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

ومنذ عام 2023، نقلت حكومة بنيامين نتنياهو صلاحيات متزايدة تتعلق بالتخطيط والاستيطان من القيادة العسكرية إلى أجهزة مدنية خاضعة لسموتريتش داخل وزارة الجيش.

ووسعت هذه التغييرات دور موظفين إسرائيليين في إدارة الشؤون العقارية والتخطيطية، في وقت ظل فيه الفلسطينيون خاضعين للأوامر العسكرية والمحاكم التابعة للاحتلال. ويحوّل التسجيل الجديد جانبًا إضافيًا من إدارة المنطقة "ج" إلى مؤسسات الدولة الإسرائيلية.

تقدم حالة بؤرة هروئي جنوب نابلس مثالًا حديثًا على مصير "أراضي الدولة"، ففي 24 يونيو 2026، أعلنت الإدارة المدنية 465.4 دونمًا من أراضي سنجل واللبن الشرقية أراضي دولة بهدف شرعنة البؤرة. 

وتشغل مباني هروئي نحو مئة دونم، بينما غطى الإعلان مساحة تزيد بأكثر من أربعة أضعاف، بما يتيح إنشاء نطاق أوسع للتخطيط والتوسع حولها. ومنحت الإدارة أصحاب الأرض 45 يومًا للاعتراض وإثبات ملكيتهم.

وتظهر هذه الحالة المسافة بين المبنى القائم ومساحة السيطرة التي تصنعها الإجراءات العقارية. فإعلان الأرض يهيئها للتخصيص والتخطيط، ثم تدخل الطرق وشبكات المياه والحماية والمناطق التابعة للمجلس الاستيطاني. 

وتصبح القطع الفلسطينية المحصورة داخل هذا النطاق أكثر صعوبة في الوصول والاستعمال، حتى عندما تبقى مسجلة باسم أصحابها.

ظهر الأسلوب نفسه في بؤرة أفيتار، حين أعلنت إسرائيل في يوليو 2024 نحو 66 دونمًا أراضي دولة بهدف توفير قاعدة قانونية لشرعنتها، وفي بؤرة ناتيف هأفوت غرب بيت لحم عندما شمل إعلان سابق مساحات أوسع من المنطقة المبنية.

 وتستخدم خرائط “أراضي الدولة” في هذه الحالات لرسم مجال توسع حول البؤرة وعزل الأراضي الخاصة المتبقية داخل محيط استيطاني.

أما مستوطنة أوفرا، فتظهر أهمية السجل النهائي من الجهة المقابلة. فقد خضعت أراضي عين يبرود وسلواد والطيبة للتسوية خلال الحكم الأردني، وسُجلت باسم أصحابها الفلسطينيين قبل احتلال الضفة عام 1967، ما منع إسرائيل من إعلانها “أراضي دولة” وفق المسار المعتاد، رغم بناء أجزاء من المستوطنة على أراضٍ خاصة مسجلة.

وتعني هذه السابقة أن التسجيل النهائي قادر على حماية الحق، فيما تتحول الحماية إلى مخاطرة عندما تتولى سلطة الاحتلال نفسها تحديد الأدلة وفحص الادعاءات وإصدار السجل.

ترى مؤسسة عدالة الفلسطينية الحقوقية العاملة داخل أراضي 1948، ومنظمتا يش دين والسلام الآن أن تسوية الملكية تحمل طابعًا سياديًا دائمًا يتعارض مع الوضع المؤقت للقوة القائمة بالاحتلال. 

وتستند هذه المؤسسات إلى أن إسرائيل تجمع في يدها سلطة اختيار الأرض وتعديل القانون وإجراء المسح وحسم الاعتراض، ثم إدارة الأراضي التي تسجل باسم الدولة وتخصيصها.

تسمح هذه العملية بتوسيع الضم الإداري من دون انتظار قانون شامل يعلن ضم المنطقة “ج”، فالسجل يصدر عن وزارة القضاء الإسرائيلية، والمسح يجري بواسطة مؤسسة حكومية إسرائيلية، والتخصيص تديره الإدارة المدنية وفق سياسة الاستيطان، بينما ينتقل الحق في الأرض إلى دولة الاحتلال.

ويواجه الفلسطيني في هذا المسار دولة أوقفت تسوية الأرض لعقود وقيّدت الوصول والزراعة والبناء، ثم أعادت فتح الملف وفق شروطها وأجهزتها ليتحول الطابو من وثيقة لحماية الملكية إلى أداة تعيد إسرائيل من خلالها رسم الضفة وضم أرضها تحت غطاء التسجيل العقاري.