تصريحات الرئيس الجزائري بشأن تونس تثير موجة استنكار سياسي وجدلاً حول السيادة

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بينما كان الشارع التونسي يغلي تحت وطأة التظاهرات المطالبة بإسقاط نظام الرئيس قيس سعيّد، جاءت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لتفتح جبهة جديدة من السجال الدبلوماسي، بعدما تجاوزت، في نظر مراقبين، حدود التضامن الأمني إلى ما عُدّ تدخلاً في الشأن الداخلي ووصاية على السيادة التونسية.

وخلال لقائه الإعلامي الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية، في 27 يوليو/تموز 2027، أطلق تبون تصريحات قوية ومباشرة طمأن فيها الجارة الشرقية، محذراً في الوقت ذاته من أي محاولات لزعزعة استقرارها، وذلك في وقت تشهد فيه تونس اضطرابات داخلية ذات أبعاد سياسية واجتماعية.

واستخدم الرئيس الجزائري تعبيراً شعبياً حاداً يحمل دلالة الوعيد، قائلاً: "اللي يجيب الإرهاب بحذا تونس وإلا باش يهدد بيه تونس نخليولو الخيمة تاع والديه"، في إشارة، وفق متابعين للعلاقات بين البلدين، إلى أن الجزائر تعدّ أمن تونس جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي.

وأكد تبون أن بلاده ستتعامل بكل قوة وحزم مع أي تهديد إرهابي خارجي يستهدف الأراضي التونسية. مقدرا أن أمن تونس يمثل خطاً أحمر بالنسبة للجزائر.

ويُعد تعبير "نخليلو خيمة والديه" (أو "دار والديه") من الأمثال الشعبية الجزائرية التي تُستخدم للدلالة على التهديد الشديد، ويقصد به إلحاق هزيمة ساحقة بالخصم، أو تدميره بالكامل وحرمانه من كل مقومات القوة، حتى يعود إلى نقطة الصفر.

وجاءت تصريحات تبون في وقت يشهد فيه الشارع التونسي حالة غليان غير مسبوقة، بعدما خرجت تظاهرات حاشدة في العاصمة تونس شاركت فيها قوى سياسية ومدنية للمطالبة برحيل الرئيس قيس سعيّد، بالتزامن مع مرور خمس سنوات على التدابير الاستثنائية التي اتخذها في 25 يوليو/تموز 2021.

وتأتي تصريحات الرئيس الجزائري أيضاً في سياق إقليمي بالغ الحساسية، يتزامن مع تداول اتهامات ومستندات إعلامية تزعم وجود "اتفاق أمني سري" بين الجزائر وتونس يمس السيادة التونسية، وهو ما نفاه تبون بشكل قاطع، مقدرا تلك المزاعم محاولة لإثارة الفتنة بين البلدين.

كما تتزامن مع مخاوف لدى دوائر جزائرية من احتمال سقوط نظام قيس سعيّد تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، وما قد يترتب على ذلك من صعود قوى سياسية لا تنسجم مع المصالح الجزائرية على حدودها الشرقية.

وفي موازاة ذلك، تداول ناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي معلومات غير مؤكدة تفيد بأن الجيش الجزائري أجرى مناورات وأعد خططاً للانتشار السريع براً وبحراً وجواً داخل تونس، والسيطرة على المرافق الحيوية في حال صدور قرار سياسي بذلك.

إلا أن الثابت هو أن الجزائر وتونس ترتبطان باتفاقية تعاون دفاعي تهدف إلى تعزيز التنسيق في مجالات التدريب العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتأمين الحدود المشتركة، ومكافحة الإرهاب.

وسبق للرئيس الجزائري أن نفى وجود أي بنود سرية في الاتفاقيات العسكرية مع تونس تمس بسيادتها، واصفاً تلك الادعاءات بمحاولات لإثارة الفتنة والإساءة إلى العلاقات بين البلدين.

ووفق مصادر عسكرية، تقتصر المناورات المشتركة بين البلدين على تدريبات تكتيكية دورية، مثل تمرين "المرجان" البحري، وتركز على مكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، إضافة إلى عمليات البحث والإنقاذ.

استنكار سياسي

في المقابل، عدّ طيف واسع من السياسيين والحقوقيين التونسيين تصريحات تبون تدخلاً غير مقبول في الشأن الداخلي، ومساساً مباشراً بالسيادة الوطنية، مطالبين الرئيس الجزائري بعدم التدخل في شؤون بلادهم.

ورد القيادي السابق في حزب "تحيا تونس" ماهر العباسي مباشرة على تبون في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك، مذكراً بأن تونس تمكنت من هزيمة الإرهاب خلال سنوات قليلة بفضل كفاءة مؤسساتها، بينما احتاجت الجزائر إلى عقد كامل للقضاء عليه.

وقال العباسي مخاطباً تبون: "عندما ضرب الإرهاب الجزائر تسبب في مقتل نحو 200 ألف شخص، وانهارت الدولة، وعمّ الرعب، واحتجتم عشر سنوات للتغلب عليه. أما عندما استهدف الإرهاب تونس، فقد أوقع نحو 200 قتيل، لكن الدولة بقيت صامدة، ونظمنا انتخابات ديمقراطية، وتمكنا من القضاء عليه خلال خمس سنوات."

وأضاف: "تونس هي الدولة الوحيدة التي لم يتمكن تنظيم الدولة من السيطرة على شبر واحد من أراضيها، كما أن القوات الخاصة الأميركية والبريطانية والفرنسية تأتي للتدرب مع قواتنا الخاصة والاستفادة من خبراتها في مكافحة الإرهاب."

وختم العباسي رسالته بالقول: “شكراً على مشاعركم، لكن اهتموا ببلادكم. فتونس لديها رجال ونساء قادرون على الدفاع عنها، ولن نسمح لأي طرف بالتدخل في شؤونها الداخلية.”

وكتب العباسي في تدوينة أخرى "أنا المواطن التونسي أطالب قيس سعيّد ووزير الخارجية باستدعاء السفير الجزائري، وتوجيه احتجاج شديد اللهجة له ولرئيسه تبون على التصريح الخطير والمهين لتونس".

وتهكم النائب السابق ياسين العياري بقوله: "إيطاليا تستدعي السفير الجزائري وتبلغه رسالة شديدة اللهجة: لا مساس بسيادة تونس.. ثم ضحك تبون وميلوني والسيسي وضحكت السيادة والتصدي لمؤامرات الخارج".

تدخل مرفوض

وعبر قانونيون وحقوقيون وإعلاميون وناشطون عن رفضهم القاطع لـ "منطق الحماية والوصاية الجزائية". مشيرين إلى أن محاولة إقحام فزاعة الإرهاب بالتزامن مع الحراك الشعبي ضد قيس سعيّد هي محاولة غير مباشرة لإحباط أي تغيير ديمقراطي تونسي.

وأكدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #عبدالمجيد_تبون، #قيس_سعيد، #تونس، #الجزائر، وغيرها، أن تونس قادرة على الدفاع عن نفسها، وأن مثل هذه التصريحات تعكس نظرة دونية تجاه سيادة تونس.

وعدوا تصريحات تبون دعماً للاستبداد الحالي في تونس ومحاولة لترهيب المعارضة المدنية، مستنكرين تجاوز الجزائر حدود الدعم السياسي إلى التدخل المباشر في الشأن التونسي.

"لهجة الوصاية"

وعد ناشطون تصريحات تبون تدخلاً سافراً في الشأن التونسي الداخلي ومحاولة فرض وصاية جزائرية. اتهموه بمعاملة تونس كـ"ولاية جزائرية" أو "مقاطعة" تابعة، خاصة في سياق التوترات الداخلية التونسية والمعارضة للرئيس قيس سعيّد.

ورأوا في تصريحات تبون تهديداً للمعارضة التونسية بـ"الإرهاب" ودعماً للنظام الحالي على حساب سيادة تونس، وعبر بعضهم عن غضب من "لهجة الوصاية" التي تتناسى استقلال تونس، ومقارنة مع تدخلات تاريخية أخرى، عادين إياها دليلاً على طموح جزائري للهيمنة الإقليمية. 

مخاوف تبون

رأى الناشطون أن تبون يدعم الديكتاتور قيس سعيد ويعتبر تونس "حديقة خلفية" لأمن الجزائر، ويستخدم فزاعة الإرهاب لتبرير التدخل في الشأن التونسي الداخلي ومنع سقوط نظام سعيد، خوفاً من أن يشعل ذلك حراكاً مشابهًا في الجزائر. 

وعدوا التصريح دليلاً على ضعف النظام الجزائري وليس قوة، وخشية من  انتقال الاحتجاجات أو "الثورة" التونسية المتصاعدة ضد قيس سعيد إلى الجزائر، مستنكرين استمرار الأنظمة القمعية والاستبدادية في استخدام "فزاعة الإرهاب" لترهيب الشعوب من قول كلمتها في وجه حكامها.

ألفاظ مرفوضة

واستنكر ناشطون استخدام الرئيس الجزائري ألفاظاً وأمثالاً شعبية دارجة (عامية جزائرية) في تصريحه عن تونس. مشيرين إلى أنها لغة "سوقية" أو "حارة" غير لائقة بمستوى رئيس دولة، تصطدم مع الخطاب الرسمي الفصيح.

وانتقدوا أن لغة تبون تحول تونس إلى "حارة جزائرية"، وتُهين سيادتها، وتستخدم تهديداً شعبياً بدلاً من دبلوماسية رسمية.

صمت قرطاج

وانتقد ناشطون تركيز تبون على قضايا دول الجوار في وقت تواجه فيه الجزائر ملفات داخلية ملحة، مطالبين الرئيس الجزائري بـ "الالتفات إلى المشاكل الداخلية للمواطن الجزائري" بدلاً من إقحام البلاد في صراعات أمنية خارجية.

كما هاجموا الرئيس التونسي بشدة وألقوا اللوم عليه كسبب رئيسي لتدخل تبون السافر في الشأن التونسي الداخلي بسبب علاقته الوثيقة بالنظام الجزائري واعتماده عليه، مستنكرين صمت قصر قرطاج "الرئاسة التونسية" وعدم ردها رسميا على تصريحات الرئيس الجزائري، ما يعد ضعفا للسيادة التونسية.

وانتقد ناشطون سعيد كديكتاتور يستدعي الحماية الخارجية ضد شعبه، مستنكرين سماحه بتهديد المعارضين تحت ذريعة الإرهاب، وطالبوا بموقف وطني حازم يدافع عن السيادة. 

الكلمات المفتاحية