معركة أنابيب الغاز.. الجزائر والمغرب في سباق نحو السوق الأوروبية

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد أكثر من عقدين من التأجيل، عاد مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء إلى واجهة الاهتمام، عقب الإعلان مطلع يونيو/ حزيران 2026 عن بدء أعمال إنشاء الجزء الجزائري من المشروع الذي يهدف إلى نقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر النيجر والجزائر. 

وفي ظل أزمة الغاز التي تعانيها القارة العجوز، يثير هذا التطور تساؤلات حول مدى قدرة المشروع على إعادة رسم خريطة تجارة الغاز بين إفريقيا وأوروبا.

تسارع واضح

وقال موقع "فرانس 24": إنه "بعد سنوات من التعثر، عاد المشروع المعروف اختصارا باسم TSGP، إلى الواجهة مستفيدا من التحسن الأخير في العلاقات بين النيجر والجزائر".

وشهد المشروع مطلع يونيو 2026 تطورا حاسما مع انطلاق أعمال تنفيذ الجزء الجزائري في صحراء ولاية أدرار.

وبحسب التقرير الفرنسي، "يمتد خط الأنابيب لأكثر من أربعة آلاف كيلومتر، ويهدف إلى نقل الاحتياطيات الضخمة من الغاز الطبيعي في نيجيريا عبر النيجر والجزائر؛ تمهيدا لتصديرها إلى الأسواق الأوروبية، لا سيما عبر إيطاليا وإسبانيا، من خلال خطوط الربط الممتدة أسفل البحر الأبيض المتوسط".

وفي هذا السياق، قال الباحث المشارك في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والإستراتيجية (IRIS)، إبراهيم أومنصور: إن "هذا المشروع ليس جديدا، لكنه يشهد اليوم تسارعا واضحا".

وأضاف أن "الجزائر والنيجر اختارتا تجاوز خلافاتهما وإعطاء الأولوية للمصلحة المشتركة، في ظل ظروف جيوسياسية مواتية".

وذكر الموقع أن "فكرة المشروع ترجع إلى ثمانينيات القرن العشرين، إلا أنه واجه مسارا طويلا ومعقدا، وظل لسنوات حبيس الأدراج داخل الوزارات ومكاتب الدراسات".

وتابع: "وفي عام 2009، وقعت الدول المعنية اتفاقا يحدد الإطار العام للمشروع، مع استهداف تشغيله عام 2015، إلا أن التأخير حال دون ذلك، قبل أن يعاد إحياؤه مجددا عام 2022 بتوقيع مذكرة تفاهم في الجزائر".

وفي هذا الصدد، أوضح الباحث الجزائري في العلوم السياسية حسني عبيدي أن "دراسات الجدوى الخاصة بهذا المشروع الضخم، إلى جانب قضية التمويل، استغرقت وقتا طويلا".

وأردف: "تمثل التحدي في التوصل إلى صيغة تمويل مشتركة بين الشركات الثلاث الشريكة -شركة سوناطراك الجزائرية، والشركة الوطنية النيجيرية للبترول، وشركة سونيديب في النيجر- في ظل محدودية الإمكانات المالية لدى نيامي لإنجاز المشروع".

كما تأثر المشروع بـ"التوترات الدبلوماسية التي أعقبت الانقلاب العسكري في النيجر عام 2023، والذي تسبب في فتور كبير في العلاقات بين نيامي وشركائها". وفق التقرير.

واستدرك: "غير أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس المجلس الوطني لحماية الوطن في النيجر (المجلس العسكري الحاكم)، الجنرال عبد الرحمن تياني، طويا صفحة الخلافات خلال زيارة رسمية أجراها الأخير إلى الجزائر منتصف فبراير/ شباط 2026".

واستطرد: "وهو ما مهد الطريق لإعادة إطلاق المشروع الذي ازدادت أهميته في ظل الحرب في الشرق الأوسط وتدمير جزء من البنية التحتية للطاقة في دول الخليج".

طموح للغاية

وبحسب التقرير، "يهدف خط أنابيب الغاز العابر للصحراء إلى الربط بين قوتين غازيتين تستحوذان وحدهما على أكثر من نصف إنتاج واحتياطيات الغاز الطبيعي في إفريقيا".

وتابع: "إذ يربط المشروع بين الجزائر، أكبر منتج للغاز في إفريقيا، ونيجيريا، التي تمتلك أكبر احتياطي غير مستغل من الغاز الطبيعي في القارة، والبالغ نحو ستة آلاف مليار متر مكعب، أي ما يعادل ربع احتياطيات قطر".

ويرى حسني عبيدي أن المشروع "طموح للغاية، ومن شأنه إعادة رسم خريطة تجارة الطاقة على المستوى الإقليمي".

وأضاف التقرير: "يُعرف المشروع أيضا باسم (مشروع القرن) في إفريقيا، نظرا إلى امتداد خط الأنابيب لمسافة تبلغ 4128 كيلومترا، تبدأ من مدينة واري في منطقة دلتا النيجر، وتنتهي في حاسي الرمل شمال الصحراء الجزائرية".

ويمتد مسار الخط بشكل شبه عمودي، بواقع ألف كيلومتر داخل نيجيريا، و840 كيلومترا في النيجر، و2300 كيلومتر داخل الجزائر.

ورغم ذلك، أوضح الموقع أنه "لا يزال يتعين إنشاء نحو 1800 كيلومتر من إجمالي المشروع، تشمل 100 كيلومتر داخل نيجيريا، و700 كيلومتر في النيجر، وألف كيلومتر داخل الأراضي الجزائرية".

في هذا السياق، ذكر أن "أعمال تنفيذ الجزء الجزائري انطلقت رسميا في الرابع من يونيو 2026، خلال مراسم أقيمت في منطقة أولف جنوب الجزائر، بحضور وزراء الطاقة في الجزائر والنيجر ونيجيريا".

واستطرد: "بينما من المتوقع أن تبدأ أعمال إنشاء الجزء الواقع داخل النيجر مطلع عام 2027، وفقا لوزير نفط النيجر".

من الناحية الاقتصادية، أشار التقرير إلى أن "خط أنابيب الغاز العابر للصحراء يستهدف نقل نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا من نيجيريا إلى أوروبا عبر الجزائر، مستفيدا من شبكات الأنابيب الجزائرية القائمة، وهي خط ترانسميد المتجه إلى إيطاليا، وخط ميدغاز الذي يربط الجزائر بإسبانيا".

ووفقا له، "يمثل هذا الحجم نحو 11 بالمئة من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي السنوية من الغاز، والتي بلغت نحو 270 مليار متر مكعب عام 2025".

فضلا عن ذلك، "من المقرر تسييل جزء من هذه الكميات في مصفاتي أرزيو وسكيكدة بالجزائر، قبل تصديرها إلى أوروبا بحرا على هيئة غاز طبيعي مسال".

وفي هذا السياق، قال الباحث إبراهيم أومنصور: إن "الجزائر تسعى إلى تعزيز مكانتها بوصفها شريكا موثوقا في مجال الطاقة بالنسبة إلى أوروبا، إلا أن قدراتها الحالية تظل محدودة، ومن شأن الشراكة مع نيجيريا زيادة كميات الغاز بما يلبي الطلب الأوروبي".

"أما النيجر التي تعد من بين أفقر دول القارة الإفريقية، فتعول على عائدات رسوم عبور الغاز عبر أراضيها، إلى جانب جذب استثمارات جديدة في قطاعي البنية التحتية والطاقة، بما يسهم في توفير فرص عمل". بحسب ما أورده الموقع.

عقبات وتحديات

ورغم أن المشروع "يبدو اليوم أقرب إلى التنفيذ، فإن عددا من التحديات قد يعرقل الجدول الزمني الجديد الذي يستهدف بدء تشغيله عام 2029". قال التقرير.

وتابع: "فبعد أن قدرت تكلفة البناء بنحو 13 مليار دولار عند إطلاق المشروع عام 2009، ارتفعت التكلفة منذ ذلك الحين لتصل، وفقا لبعض خبراء قطاع الطاقة، إلى حوالي 20 مليار دولار".

وعزا التقرير ذلك إلى "ارتفاع أسعار المواد الخام، إلى جانب الطبيعة الجغرافية الصعبة للمسار؛ إذ يمر الجزء الأكبر من الخط عبر مناطق صحراوية قاحلة، ما يجعل أعمال الحفر ومد الأنابيب أكثر تعقيدا بسبب الكثبان الرملية وجفاف التربة".

ولفت إلى أنه "حتى الآن، لم تعلن الدول المشاركة في المشروع عن ميزانيته الفعلية النهائية".

في هذا الصدد، أشار الموقع إلى أنه "جرى الحديث عن مشاركة بنوك إفريقية ودولية لدعم الاستثمارات الجزائرية والنيجيرية، لكن لم يتم تأكيد أي شيء بهذا الخصوص حتى هذه المرحلة".

علاوة على ذلك، ذكر التقرير أن "مسألة تأمين خط الأنابيب تثير مخاوف متزايدة، نظرا إلى مروره عبر مناطق تنشط فيها جماعات مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود، خاصة في شمال نيجيريا والنيجر".

منافسة مغربية

وفي المقابل، يواجه مشروع خط الأنابيب العابر للصحراء منافسة من مشروع آخر تقوده المغرب، يتمثل في خط أنابيب الغاز الإفريقي الأطلسي الذي يمتد لنحو ستة آلاف كيلومتر، ويشمل 13 دولة، ويربط نيجيريا بالمغرب، بهدف تصدير الغاز النيجيري إلى الأسواق الأوروبية.

وبحسب الموقع، "أنشئت الرباط عام 2025 هيئة متخصصة لدراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع وجمع التمويل اللازم له، الذي تقدر قيمته بنحو 25 مليار دولار".

ويرى الباحث إبراهيم أومنصور أن "المشروعين يتنافسان على السوق الأوروبية نفسها"، لكنه يعتقد أن "الجزائر لا تزال تتقدم بخطوة".

وأرجع ذلك إلى أن "مشروع خط الأنابيب العابر للصحراء بلغ مرحلة أكثر تقدما من الناحية التنفيذية، في حين يعتمد المشروع المغربي بدرجة كبيرة على إنشاء بنية تحتية بحرية أكثر تعقيدا، فضلا عن إشراك عدد أكبر من الشركاء".

ورغم المنافسة بين المشروعين، يقدر التقرير أن "كليهما قد ينجح مستقبلا في اقتطاع حصة من السوق الأوروبية، في ظل الطلب المرتفع على الغاز داخل الاتحاد الأوروبي الذي قلص اعتماده على الغاز الروسي منذ اندلاع الحرب واسعة النطاق في أوكرانيا، واتجه إلى زيادة وارداته من الغاز النرويجي والأميركي".

من جانب آخر، لفت الموقع إلى أن "إغلاق مضيق هرمز عزز التوجه السياسي الأوروبي نحو توسيع الشراكات في مجال الطاقة مع الدول الإفريقية القريبة جغرافيا".

ومع ذلك، حذر الباحث حسني عبيدي من أن "تقلب أسعار الطاقة يظل أحد أبرز عوامل المخاطرة التي قد تؤثر في الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع الكبرى".

وتابع موضحا: "هذه استثمارات ضخمة تمتد على المديين المتوسط والطويل. صحيح أن أسعار الغاز ارتفعت بشكل كبير، لكنها قد تنخفض أيضا إذا دخلت إيران سوق الغاز، على سبيل المثال، أو إذا انتهت الحرب في أوكرانيا".

بعبارة أخرى، "الطلب موجود حاليا، لكن لا يمكن ضمان النجاح المالي لمثل هذه المشروعات مسبقا".