ثلثا مركبات الإسعاف خارج الخدمة.. كيف يُنقل جرحى غزة إلى المستشفيات؟

توقفت نحو 70 بالمئة من مركبات النقل والإسعاف التابعة لوزارة الصحة بغزة
تعمل منظومة الإسعاف في قطاع غزة بأسطول متآكل بفعل العدوان الإسرائيلي والحصار والعمل المتواصل على طرق مدمرة، فيما تستمر حاجات الاستجابة مع إطلاق النار والغارات خلال التهدئة الهشة التي دخلت حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وتحولت رحلة الجريح في حالات كثيرة إلى سلسلة نقل مرتجلة تبدأ بسيارة مدنية أو دراجة ثلاثية العجلات (تكتوك)، وقد تمر بمركبة ثانية أو نقطة إسعاف ميدانية قبل بلوغ المستشفى.
وبين مكان الإصابة وقسم الطوارئ، تواجه الطواقم نقص السيارات والوقود وقطع الغيار، وخطر الاستهداف والاحتجاز، وصعوبة الوصول إلى مناطق كاملة أو الخروج منها.

قدرات منظومة الإسعاف
تتوزع خدمات الإسعاف والإنقاذ في قطاع غزة بين وزارة الصحة، وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، والخدمات الطبية وجهاز الدفاع المدني، إلى جانب نقاط طبية وجمعيات أهلية تشارك في الاستجابة الميدانية.
وقالت وزارة الصحة في 12 يوليو/تموز 2026: إن 39 سيارة إسعاف من أصل 82 خرجت بالكامل من الخدمة، فيما تحتاج 17 أخرى إلى صيانة عاجلة.
وبذلك، أدت هذه الأزمة إلى توقف نحو 70 بالمئة من مركبات خدمات النقل والإسعاف التابعة لها بسبب الاستهداف المباشر وتراكم الأعطال ومنع إدخال قطع الغيار ومستلزمات الصيانة.
وبعد أيام، تحدث رئيس قسم التخطيط في وحدة الإسعاف والطوارئ محمد أبو سمك، عن 114 مركبة إسعاف، خرجت 39 منها بالكامل من الخدمة وتحتاج 35 إلى صيانة عاجلة، مع بقاء نحو 40 سيارة قابلة للتشغيل بدرجات متفاوتة.
ومن هنا، تُظهِر البيانات أن نحو ثلثي سيارات الإسعاف متوقفة أو بحاجة إلى صيانة عاجلة، فيما تنفذ المركبات المتبقية قرابة 5 آلاف مهمة أسبوعيًا لنقل الجرحى والمرضى والكوادر، إضافة إلى نحو 140 مهمة لنقل الأدوية والمستلزمات بين المستشفيات والمخازن والنقاط الصحية.
وتعمل هذه المركبات وسط نقص الوقود والزيوت والإطارات والبطاريات وقطع الغيار، وفوق طرق دمرها القصف، مع حمولات مرتفعة وساعات تشغيل متواصلة تسرّع أعطالها.
وامتد التعطل إلى مركبات نقل الكوادر والأدوية والمعدات، ما أضعف شبكة الإسناد بين المستشفيات والنقاط الصحية.
ويصبح توقف سيارة الخدمات عاملًا مؤثرًا في عمل سيارة الإسعاف نفسها، بسبب تعذر نقل الأدوية أو الطواقم أو تنفيذ التحويلات الطبية بين المرافق.
وفيما يخص الهلال الأحمر، فقد أعلن في 15 يوليو 2026، بقاء 41 مركبة إسعاف لديه من أصل 99 كانت في الخدمة، بعدما خرجت 31 مركبة بسبب الاستهداف المباشر و27 نتيجة أعطال ميكانيكية جسيمة.
وبدورها، تعمل الخدمات الطبية بثماني سيارات إسعاف من أصل 30، فيما يعمل الدفاع المدني بعشر سيارات من أصل 17، وفق بيانات اللجنة الوطنية العليا للإسعاف المنشورة في 19 يوليو 2026.
ويقلص هذا التراجع قدرة الجهات الأربع على الاستجابة المتزامنة للغارات وانتشال المصابين ونقلهم بين المناطق والمستشفيات.
وتتقاطع أسباب التعطل بين الاستهداف المباشر ونفاد الوقود ومنع إدخال قطع الغيار والزيوت والإطارات والبطاريات، إلى جانب استهلاك المركبات خلال العمل المتواصل فوق الطرق المدمرة.
وتتوقف القدرة الحقيقية للمنظومة عند هذا المستوى على عدد السيارات الجاهزة للحركة وقت البلاغ، وقدرتها على الوصول إلى المنطقة والعودة منها، أكثر من ارتباطها بعدد المركبات المسجلة في كشوف الأسطول.

استهداف مركبات الإسعاف
سجل نظام منظمة الصحة العالمية لرصد الهجمات على الرعاية الصحية 937 هجومًا في قطاع غزة بين 7 أكتوبر 2023 و31 يناير/كانون الثاني 2026.
وأدت هذه الهجمات إلى استشهاد 993 شخصًا وإصابة 1654 آخرين ونالت 216 سيارة إسعاف، وفق تقرير المنظمة الصادر في يناير/كانون الثاني 2026.
وتضع هذه الحصيلة استهداف الإسعاف ضمن عمليات ضرب أوسع للبنية الصحية تشمل المستشفيات والمراكز الطبية والطواقم ووسائل النقل.
وظهر استهداف مسار الإخلاء الطبي منذ الأسابيع الأولى للعدوان، ففي 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، قصفت قوات الاحتلال قافلة تضم خمس سيارات إسعاف قرب بوابة مجمع الشفاء الطبي خلال استعدادها لنقل جرحى ومرضى إلى جنوب القطاع، ما أدى إلى استشهاد 15 شخصًا وإصابة 60 آخرين.
وفي 22 من الشهر نفسه، أوقفت قوات الاحتلال قافلة أخرى تضم 14 سيارة إسعاف لأكثر من سبع ساعات، وفتشت المرضى والمركبات واحتجزت أفرادًا من الطواقم. وشمل الاحتجاز مدير مركز إسعاف خان يونس عوني خطاب، الذي استمر اعتقاله بعد السماح للقافلة بمواصلة طريقها.
وفي 29 يناير 2024، أرسل الهلال الأحمر المسعفين يوسف زينو وأحمد المدهون لإنقاذ الطفلة هند رجب بعد إجراء تنسيق لوصول سيارة الإسعاف إلى منطقة تل الهوى بمدينة غزة. وانقطع الاتصال بالطاقم، ثم عُثر بعد 12 يومًا على هند وأفراد عائلتها والمسعفين شهداء، وعلى سيارة الإسعاف مدمرة.
وفي 30 مايو/أيار 2024، أعلن الهلال الأحمر استشهاد المسعفين هيثم طباسي وسهيل حسونة إثر استهداف سيارة إسعاف في تل السلطان غربي رفح، وقال: إنهما كانا داخل مركبة تحمل شارات الجمعية أثناء أداء مهمة إسعافية.
وجاءت الحادثة الأشد في 23 مارس/آذار 2025، حين قتلت قوات الاحتلال 15 شخصًا من العاملين في الإسعاف والإنقاذ والإغاثة، بينهم ثمانية من الهلال الأحمر وأفراد من الدفاع المدني وموظف أممي، بعدما توجهت مركباتهم إلى منطقة الحشاشين في رفح استجابة لبلاغ عن مصابين.
وعُثر على الجثامين والمركبات مدفونة بعد نحو أسبوع، فيما أظهر تسجيل من هاتف أحد المسعفين سيارات الطوارئ وهي تتحرك بأضوائها وشاراتها الواضحة قبل تعرضها لإطلاق النار.
واستمرت الجرائم الإسرائيلية خلال التهدئة الهشة، ففي 4 فبراير/شباط 2026، أعلن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر استشهاد المسعف حسين حسن السميري أثناء مهمة إنقاذ غربي خان يونس، بعد تعرض الطواقم لضربة خلال محاولتها إسعاف مصابي هجوم سابق.
وفي 9 يونيو/حزيران 2026، اعتقلت قوات الاحتلال سبعة مسعفين من الهلال الأحمر أثناء عملهم في جنوب القطاع، وأُفرج عن خمسة منهم بعد التحقيق، بينما بقي اثنان قيد الاعتقال.
وسجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة في 16 يوليو 2026 محدودية الوصول إلى خدمات النقل الطبي الطارئ في تجمعات قرب “الخط الأصفر” شمالي رفح.
وتتوزع الاعتداءات التي أصابت منظومة الإسعاف بين قصف المركبات والطواقم، وإطلاق النار خلال مهمات الإنقاذ، واحتجاز المسعفين، وتأخير القوافل، وإغلاق الطرق ومنع الوصول إلى المصابين. ويستهلك كل تأخير جزءًا من الوقت المتاح لإنقاذ الجريح، حتى عندما تكون سيارة الإسعاف جاهزة للحركة.

كيف يُنقل الجرحى؟
مع تقلص أعداد سيارات الإسعاف وانقطاع الاتصالات ودمار الطرق، تحولت عملية إنقاذ الجرحى في غزة إلى سلسلة من المراحل تتوزع بين السكان والطواقم ووسائل نقل متعددة.
تبدأ الرحلة في حالات كثيرة بعربة يدوية أو دراجة ثلاثية العجلات أو مركبة مدنية، ثم ينتقل المصاب إلى سيارة إسعاف أو نقطة طبية ميدانية، قبل تحويله إلى مستشفى يملك القدرة على استقباله.
ظهر هذا التحول بوضوح في خان يونس مطلع عام 2024، عندما حوّلت طواقم الإسعاف إحدى مركباتها إلى نقطة طبية متنقلة بعد أن قطع القصف الإسرائيلي الطريق إلى مستشفيي ناصر والأمل.
وقال نسيم حسن، رئيس وحدة الطوارئ في مستشفى ناصر: إن السيارة غادرت المستشفى بما تمكن الطاقم من جمعه من ضمادات ومحاقن وأدوات أساسية، ثم استقرت وسط المدينة لاستقبال المصابين القادمين بوسائلهم الخاصة أو لإجلائهم من مناطق قريبة من خطوط القتال.
وأوضح حسن في شهادة له في 31 يناير/كانون الثاني 2024 أن الجرحى وصلوا إلى النقطة محمولين على عربات ودراجات “توك توك” وسيارات مدنية، بينما وصل آخرون سيرًا على الأقدام.
فيما قال المسعف إبراهيم أبو الكاس: إن النقطة أُنشئت بعد حصار المستشفيات وصعوبة الوصول إليها، وإن الطواقم تعاملت مع إصابات حرجة بأدوات يصعب معها تقديم الرعاية المطلوبة حتى داخل مستشفى مكتمل التجهيز.
وتزداد تعقيدات النقل مع مرضى يعتمدون على الأكسجين أو أجهزة التنفس والتثبيت الطبي المستمر. وقالت “الصحة العالمية” في وقت سابق إن بعض المرضى كانوا يحملون مثبتات خارجية لإصابات عظمية خطرة، وإن أحد المصابين بكسر في العمود الفقري اضطر إلى خوض عملية نقل رغم حالته الصحية.
وفي شمال القطاع، انتقلت مهمة النقل خلال فترات الحصار الكامل إلى الأهالي والعاملين داخل المستشفيات.
وصار الجرحى يُحملون على الأكتاف وتُستخدم العربات التي تجرها الحيوانات لنقل المرضى والمصابين إلى المستشفيات بعد منع مركبات الإسعاف والإنقاذ من العمل في الشمال.
وقدمت وسائل التواصل مشاهد مباشرة لوسائل النقل التي لجأ إليها السكان، ففي 23 سبتمبر/أيلول 2025، نشر أنور أيمن على حسابه في إنستغرام مقطعًا لرجل في مدينة غزة يدفع عربة يجرها حمار تقل شقيقه وابن عمه المصابين، بعدما تعرضا للقصف خلال نزوحهما.
وأظهر المقطع تولي أحد أفراد العائلة عملية الإجلاء ونقل المصابين وسط الطرق المدمرة بحثًا عن مرفق طبي.
وفي وسط القطاع، وثقت صفحة النصيرات الإخبارية على تلغرام في 3 سبتمبر 2025 وصول إصابات من منطقة نتساريم إلى مستشفى العودة بواسطة دراجة “توك توك”.
وترافق انهيار النقل مع تدفقات تفوق قدرة المركبات والمستشفيات معًا، فقد أعلن الصليب الأحمر أن مستشفاه الميداني برفح استقبل 179 مصابًا صباح مطلع يونيو 2025، بينهم نساء وأطفال، ووصل 21 منهم شهداء بعد إصابتهم برصاص أو شظايا خلال توجههم إلى موقع لتوزيع المساعدات.
واضطرت الطواقم إلى فرز الحالات وتحويل بعضها إلى مرافق أخرى، وسط تضرر عدد كبير من المستشفيات وخروجها عن الخدمة.
وبعد يومين، استقبل المستشفى 184 مصابًا آخرين، وصل 19 منهم شهداء وتوفي ثمانية بعد وقت قصير، في تدفق تجاوز عدد أسرّة المستشفى وهدد قدرته على مواصلة الاستجابة.
المصادر
- تقرير الصحة في غزة
- بفعل الحصار الإسرائيلي: منظومة الإسعاف والطوارئ في قطاع غزة على وشك الإنهيار
- oPt Emergency Situation Update
- Access to emergency medical services and associated barriers among war-affected patients evacuated from Gaza: a cross-sectional study
- PRCS Statement on The Israeli Occupation Forces shelling of the Ambulance Convoy transporting the injured from the aggression on Gaza towards Rafah crossing border on November 3rd 2023
- PRCS Calls for Independent International Investigation to Hold Those Responsible for the Crime of Targeting Ambulance Teams in Rafah Accountable
- Gaza ambulances become mobile clinics as fighting blocks way to hospitals















