بعد قرنين من الدبلوماسية.. لماذا هدد ترامب بتدمير سلطنة عمان؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

حتى وقت قريب، كان من الصعب تصور أن تصبح سلطنة عُمان- الشريك الوثيق والوسيط الرئيسي بين إيران والولايات المتحدة- هدفاً للتهديدات الأميركية.

إلا أن الرئيس دونالد ترامب حذّر، في تصريح ارتجالي خلال اجتماع لمجلس الوزراء، من أن عُمان "ستتصرف مثل الآخرين، وإلا فسنضطر إلى تدميرها".

وجاءت تصريحات ترامب رداً على تقارير تحدثت عن دراسة مسقط الانضمام إلى إيران في فرض رقابة ورسوم على حركة الشحن عبر مضيق هرمز، قبل أن يلحق بها وزير الخزانة سكوت بيسنت ملوحاً بفرض عقوبات "صارمة وهجومية".

سبب للتوتر

ويُذكر في هذا الصدد أن عُمان استضافت زيارات السفن البحرية الأميركية لعقود، وتوسطت في المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة لسنوات، وحافظت على علاقات دبلوماسية مستمرة مع واشنطن لما يقرب من قرنين من الزمان.

هذا التاريخ الطويل يجعل التطور الأخير للأحداث مفاجئا للغاية، بحسب تقرير لمجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية.

أما إيران التي أغلقَت مضيق هرمز فعليا بعد الضربات الأميركية-الإسرائيلية ضدها في 28 فبراير/شباط 2026، فتريد الآن إعادة فتحه مع الحفاظ على سيادتها وتحكمها فيه.

وتحدثت طهران في البداية عن فرض "رسوم عبور" لتعويض الأضرار الناجمة عن الحرب، ولكن بحلول شهر مايو/أيار، وبعد ردود فعل دولية عنيفة وتساؤلات أحاطت بشرعية هذه الخطوة، أعادت صياغة المقترح ليصبح رسوما على الملاحة والأمن والخدمات البيئية.

وتفيد التقارير أن طهران ناقشت ترتيبا مشتركا مع سلطنة عُمان التي تقع أراضيها (محافظة مسندم، وهي جيب خارجي يقع شمال الإمارات) على الجانب الجنوبي للمضيق.

ومع ذلك، لم توافق عُمان علنا أو توقع رسميا على الفكرة. ووفقا لـ "بيسنت"، فقد أكد له سفير عُمان في واشنطن أنه "لا توجد خطط لفرض رسوم عبور".

وقالت المجلة: "في الواقع، فإن المصدر الأعمق للإحباط الأميركي ينبع من استمرار علاقات مسقط الودية مع إيران، على خلفية حرب لا تسير في صالح أميركا".

وبينما تصدر دول الخليج العربية الأخرى بيانات تدين إيران وتوقع على قرارات الأمم المتحدة المناهضة لأفعالها، التزمت عُمان الصمت. وعندما ضربت طائرات مسيرة إيرانية الموانئ العُمانية، أقرت مسقط بوقوع الهجمات لكنها توقفت دون تسمية إيران كفاعل.

وكان سلطان عمان، هيثم بن طارق، القائد الخليجي الوحيد الذي هنأ مجتبى خامنئي على تعيينه مرشدا أعلى جديدا لإيران بعد مقتل والده في غارات جوية إسرائيلية، والتي كانت بمثابة الضربة الافتتاحية للحملة الأميركية-الإسرائيلية المشتركة ضد الجمهورية الإسلامية.

وهناك بالطبع المقال الصادم الذي سطره وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، في مجلة "ذا إيكونوميست" بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب؛ حيث زعم فيه أن الولايات المتحدة "فقدت السيطرة على سياستها الخارجية"، ووصف تحركات إيران الانتقامية ضد جيرانها في الخليج بأنها "الخيار العقلاني الوحيد المتاح".

وأضافت المجلة أنه "بالنسبة لإدارة ترى العالم من خلال عدسة "إما معنا أو ضدنا"، فإن مثل هذه اللغة تُصنف على أنها خيانة".

واستدركت: "لكن نهج عُمان خدمها جيدا بطرق تجلت بوضوح خلال هذه الحرب؛ فبفضل انفتاحها على إيران ورفضها استضافة قواعد أميركية دائمة، شهدت حجما أقل من الهجمات مقارنة بجيرانها".

وقبل الحرب، توسطت عُمان في خمس جولات من المحادثات النووية بين واشنطن وطهران، وقبيل انهيار المحادثات وبدء الضربات مباشرة، طار البوسعيدي إلى واشنطن شخصيا وظهر على وسائل الإعلام الأميركية ليوجه نداءً أخيرا من أجل الدبلوماسية.

ولم تنجح تلك الجهود الأخيرة، لكن هذا السجل الحافل بالاستضافة والجولات المكوكية والاستعداد لإخبار كلا الطرفين بحقائق غير مريحة هو ما يجعل عُمان طرفا لا يمكن استبداله، ليس فقط في البنية الدبلوماسية للمنطقة، بل في أي جهد أميركي جاد لإنهاء الحرب.

إلا أن واشنطن يبدو أنها توصلت إلى نتيجة معاكسة؛ فقد صرح مسؤولون أميركيون متعددون لموقع "ميدل إيست آي" أن الإحباط من رسائل مسقط آخذ في التصاعد منذ أشهر. وتشير تقارير أحدث إلى أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطا على عُمان لقطع علاقاتها مع إيران بالكامل.

وباستثناء بيان صيغ بعناية في 29 مايو/أيار -وهو نص محضر مكالمة هاتفية بين وزير الخارجية العُماني ونظيره الإيراني، شدد على "التزامهما بضمان حرية الملاحة وفقا لمسؤولياتهما السيادية"- فقد كانت مسقط هادئة بشكل غريب، ولم يسارع المسؤولون العُمانيون إلى استوديوهات التلفزيون أو منصات التواصل الاجتماعي لتوضيح طبيعة علاقتهم مع إيران.

لكن هذا الصمت يعكس الضغوط التي تواجهها عُمان بسبب موقعها الجغرافي الفريد؛ فمضيق هرمز يبلغ عرضه 21 ميلا فقط في أضيق نقطة له، حيث يواجه الساحل الإيراني شبه جزيرة مسندم العُمانية.

ونظرا لهذا القرب، كان على مسقط وطهران دائما التنسيق بشأن المضيق، وهما يفعلان ذلك الآن، ومهما كانت نتائج تسوية هذه الحرب بشأن الرسوم أو رسوم العبور، فإنهما سيستمران في التنسيق في المستقبل.

تقاسم الإيرادات

وقد أشارت إيران بالفعل إلى الغاية التي تريد أن يقود إليها هذا التنسيق؛ حيث ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في 21 مايو/أيار أن طهران اقترحت شراكة رسمية، وأن عُمان -بعد رفضها الاقتراح في البداية- ناقشت تقاسم الإيرادات المتأتية من الرسوم المفروضة.

وبينما استبعد وزير النقل العُماني علنا فرض رسوم مرور خالصة في أوائل أبريل/نيسان استنادا إلى القانون الدولي، فإن مسقط لم تغلق الباب علنا بوجه ترتيبات "رسوم الخدمات".

علاوة على ذلك، فإن مصدر المعلومات أمر جدير بالاهتمام، إذ إن المسؤولين الإيرانيين هم من أدلوا بهذه الروايات، وتملك طهران كل الحوافز لإظهار قبول وتجاوب لم تؤمنه بعد.

ولن تجعل مشاركة عُمان من نظام الرسوم هذا شرعيا -وفق المجلة- لكنها ستجعل من الصعب إلى حد كبير وصفه بأنه مجرد استيلاء على ممر مائي دولي من قبل طرف واحد يعمل بمفرده.

ومع ذلك، فإن حقيقة أن عُمان لم تنفِ هذه التقارير أو توضح موقفها علنا لا تعني بالضرورة أنها تتواطأ مع إيران لاستغلال الظروف الجديدة التي خلقتها الحرب.

فموانئها تشهد حركة مرور متزايدة؛ نظرا لأن معظم خطها الساحلي يقع خارج مضيق هرمز، ونتيجة لهذا ولارتفاع أسعار النفط الذي عزز موقفها المالي، فإن اقتصاد عُمان يفوق في أدائه اقتصادات جيرانها؛ حيث يتوقع صندوق النقد الدولي نموا بنسبة 3.5 بالمئة في عام 2026.

وبالتالي، فإن السعي العاري وراء الربح ليس غير ضروري فحسب، بل إنه يتناقض مع الإرث الدبلوماسي للسلطنة.

ومن ثم، فمن الأفضل -وفق المجلة- فهم الصمت على أنه اعتراف بالواقع الجديد المتمثل في أن إيران ستضغط للاستفادة من ميزتها المستجدة على أهم ممر اختناق مائي في العالم.

ومع تدمير اقتصادها جراء الحرب والعقوبات، لا يمكن لإيران أن تتجاهل أوراق القوة والنفوذ التي تجنيها من التحكم في أهم خانق لإمدادات الطاقة في العالم.

وتعلم إيران أنها بحاجة إلى تعاون عُمان لمنح أي ترتيبات جباية مصداقية، وبدورها، تعلم عُمان أنها تستطيع نزع فتيل التصعيد عبر التأكد من أن تلك الرسوم لن تتحول أبدا إلى ترتيب دائم أو تبدو مثل رسوم العبور.

وإذ تقف عُمان بين هذين الموقفين المتنافسين، يبدو الصمت أكثر عقلانية، وفق تقييم المجلة.

ومسقط ليست وحدها في محاولة إيجاد صيغة تحقق مكاسب مشتركة للجميع؛ فقد صرح نائب رئيس الوزراء القطري مؤخرت، متحدثا من سنغافورة، بأن الدوحة تعارض الرسوم الدائمة؛ نظرا لأن "فرض الرسوم سيؤثر دائما على المستهلك".

لكنه أضاف أن فرض رسوم مؤقتة (لأغراض إزالة الألغام أو الخدمات الأخرى المقدمة) يعد أمرا "قابلا للتفاوض".

غموض مدروس

ويمضي هذا الطرح وفق منطق المقترح الإيراني الحالي، الذي لا يتحدث عن فرض رسوم على العبور (وهو أمر محظور بموجب القانون الدولي)، بل رسوم مقابل الخدمات المقدمة، شريطة أن تكون الرسوم حقيقية.

والصورة التي تتبلور هنا هي محاولة عُمان وقطر إيجاد صيغة تمنح إيران ما يكفي لادعاء النصر، وتمنح الولايات المتحدة ما يكفي لتجنب الاعتراف بانتهاك أي من خطوطها الحمراء، وتمنح الاقتصاد العالمي وصناعة الشحن ثقة كافية للاعتقاد بأن المضيق قد أُعيد فتحه.

وضمن هذا السياق، يُقرأ غموض عُمان المدروس بشكل أقل شبها بالتهرب، وأقرب إلى الموقف المحايد الذي صقلته على مدى عقود، وهو موقف مصمم لإبقاء جميع الأطراف على طاولة المفاوضات.

وتفسر إدارة ترامب موقف عُمان على أنه تعاطف مع إيران، لكن هذا يمثل سوء فهم جوهريا لكيفية عمل السلطنة دائما.

وبحسب التقرير، فإن سجلها يتحدث عن نفسه، فقد ساعدت قنواتها الخلفية السرية في إنتاج الاتفاق النووي لعام 2015، وتوسطت في وقف إطلاق النار الذي حفظ ماء الوجه بين إدارة ترامب والحوثيين في اليمن العام الماضي، ولعبت دورا حاسما طوال السنوات الماضية في تأمين إطلاق سراح الرهائن والسجناء الأميركيين في إيران واليمن.

وختمت المجلة بالقول: إن "بتهديدها بقصف وفرض عقوبات على أحد شركاء الولايات المتحدة القلائل الذين تثق بهم إيران ثقة حقيقية، تخاطر واشنطن بالقضاء على وسيط ومحاور ستحتاج إلى مساعدته لإبرام أي صفقة تنهي هذه الحرب في نهاية المطاف".