ممرات تجارية لأغراض الحرب.. هل يفرض شبح الحرب أولويات جديدة على أوروبا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل الوضع الراهن، وفي منطقة أصبحت فيها طرق التجارة أهدافا إستراتيجية؛ تجد القارة العجوز نفسها مجبرة على إعادة النظر في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

وقالت صحيفة "الكونفدنسيال" الإسبانية: إن الحرب الإيرانية كلفت الشركات العالمية، حتى الآن، 25 مليار دولار، ويعود جزء كبير من هذه الخسائر إلى عامل واحد: مضيق هرمز.

كارثة حقيقية

وأمام هذا الوضع، يجب على القادة الأوروبيين إعادة النظر في رؤيتهم للممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، وهو نظام للشحن من السفن إلى السكك الحديدية.

ولا يزال هذا المشروع الطموح يمر عبر إسرائيل والأردن والخليج، ويهدف إلى ربط أوروبا بشبه الجزيرة العربية والهند.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الممر قد صُمّم في الأصل لوقت السلم، ولكنه يبدو حاليا غير مناسب لبيئة تستخدم فيها نقاط الاختناق البحرية كسلاح. 

ومن هذا المنطلق، ينبغي لصناع السياسات الأوروبيين إعادة تصميم الممر الخاص بالمنطقة الرمادية، بين الحرب والسلام، التي تهيمن الآن على المنطقة.

وأضافت الصحيفة أن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى كارثة حقيقية لمصدري الخليج: فقد انخفضت صادرات الكويت إلى الصفر في أبريل/ نيسان 2026، وتراجعت صادرات قطر بنسبة 90 بالمئة.

ولم تتمكن من تخفيف آثار الحصار إلا الدول التي تمتلك طرق تصدير بديلة، وهي الإمارات عبر ميناء الفجيرة، والسعودية عبر خط أنابيبها الممتد من الشرق إلى الغرب وصولا إلى موانئ البحر الأحمر.

كما تتجنب موانئ البحر الأحمر السعودية مضيق باب المندب، وهو نقطة اختناق بحرية أخرى قبالة اليمن، والذي أغلقه الحوثيون فعليا بين سنتي 2023 و2025.

في المقابل، كانت سلطنة عمان الوحيدة القادرة على زيادة صادراتها، ويعود ذلك أساسا إلى عدّ إيران لها دولة محايدة، فضلا عن بعد موانئها التصديرية الرئيسة - صلالة والدقم وصحار - عن مضيق هرمز.

مثيرة للجدل

عموما، دفع هذا الضغط دول الخليج إلى البحث عن طرق تتجاوز كلا المضيقين.

وكانت الدول العربية والهند والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الأعضاء تأمل في الحد من مخاطر الاختناقات البحرية عند إطلاقها مبادرة التجارة الدولية في هرمز سنة 2023؛ إلا أن الظروف الجيوسياسية تغيرت منذ ذلك الحين.

ونقلت الصحيفة أن اتفاقيات التطبيع لسنة 2020 بين إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب والسودان، أرست إطارا بدا فيه التطبيع الأوسع بين إسرائيل ودول الخليج العربي ممكنا، ومعه مشروع الممر الاقتصادي بين إسرائيل ودول الخليج.

لكن، غيّرت العملية الذي قادته حركة "حماس" على إسرائيل عام 2023، موازين اللعبة. 

ومنذ ذلك الحين، جعل العدوان العسكري الإسرائيلي في غزة ولبنان واليمن وإيران دول الخليج، بما فيها شركاء رئيسون في مشروع الممر الاقتصادي كالسعودية، مترددة بشدة في الظهور بمظهر الحليف لإسرائيل.

وقد فاقم نتنياهو هذا الوضع بترويجه العلني لحل ما بعد الحرب القائم على تحويل نفط وغاز الخليج عبر إسرائيل لتجاوز مضيق هرمز. 

ومن هنا تبرز مخاطر أخرى؛ حيث ستكون موافقة دول الخليج على المشروع نقطة تحوّل تعيد صياغة صورة الممر الاقتصادي كتحالف عدائي ضد إيران، وهو ما قد يستدعي شن هجمات متواصلة على بنيته التحتية من قبل إيران وحلفائها.

ومع ذلك، فإن استبعاد إسرائيل بشكل كامل من مشروع الممر الاقتصادي ليس هو الحل أيضا: فمن المرجح أن يعرقل حلفاء إسرائيل، كالهند والولايات المتحدة، فضلا عن دول أوروبية كألمانيا، المشروع برمته في حال حدوث ذلك. 

وفي الوقت نفسه، لن تقبل السعودية وغيرها من الجهات الفاعلة الإقليمية بالاعتماد الهيكلي على إسرائيل للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط.

ولطالما كان دور إسرائيل في الممر ضرورة إستراتيجية؛ وبعد أن أصبح الوصول إليه ضرورة إستراتيجية مُلِحّة، فإن الاعتماد على البنية التحتية الإسرائيلية يمثل عبئا سياسيا وأمنيا لن تتحمله دول الخليج العربية.

تنويع الممرات

وأشارت الصحيفة إلى أن السعودية تسعى جاهدة لإيجاد بدائل لتجنب الاعتماد على إسرائيل، ومصر -التي غابت عن التصميم الأصلي لمشروع ممر النقل البحري المتوسطي الدولي- هي وجهتها الأولى. 

وترغب الرياض في دمجها كمنصة متوسطية متصلة بمركزها اللوجستي في نيوم، كما يجرى العمل على جسر بتكلفة 4 مليارات دولار يربط الساحل السعودي بسيناء المصرية. 

في الوقت نفسه، تُنشئ شركات الشحن خدمات نقل بري سريعة جديدة بين أوروبا وأسواق الخليج عبر مصر والأردن، متجاوزة مضيق هرمز، مع استمرار اعتمادها على قناة السويس. 

وعلى نحو أكثر طموحا، يسعى مسؤولو الرياض إلى استمالة الحكومة الجديدة في دمشق، ويتعاملون مع سوريا كمركز محوري في البحر الأبيض المتوسط. 

وفي الواقع، تبدو السعودية مستعدة لإنفاق مليارات الدولارات لإعادة إعمار سوريا التي مزقتها الحرب، إذا ما سمح لها ذلك بتجنب أي اعتماد على إسرائيل في طرق النقل والتجارة الرئيسة. 

وقد حاولت بالفعل إعادة توجيه مشاريع كابلات الألياف الضوئية المرتبطة بممر البيانات اليوناني شرق المتوسط ​​عبر سوريا بدلا من إسرائيل. 

كما تسعى السعودية إلى الترويج لخط سكة حديد يربطها بالأسواق الأوروبية عبر تركيا وسوريا ومنفذ الحديثة الأردني، المتصل بالفعل بشبكة السكك الحديدية السعودية.

المنطقة الرمادية 

ونقلت الصحيفة أن أوروبا مجبرة على إيجاد حل عملي لضمان عدم الإضرار بمصالحها. 

ومن هذا المنطلق، يجب أن يكون الهدف من إعادة تصميم الممر هو تعزيز المرونة من خلال توفير مسارات بديلة، أي مسارات متعددة قادرة على إعادة توجيه تدفقات التجارة عند تصاعد التوترات.

وبحسب الصحيفة، يجب أن يتمثل الحل في ممر يشمل عُمان وقطر كنقاط دخول بحرية وجوية على الجانب الآسيوي، مستفيدا من موقع موانئ عُمان الرئيسة خارج مضيق هرمز، ومن امتلاك قطر قدرة فريدة على الشحن الجوي. 

كما يعدّ الربط البحري والبري منصة لخفض التصعيد، لذلك، ينبغي على الأوروبيين إعطاء الأولوية للمشاريع التي تسهم في تحقيق الاستقرار السياسي. 

وكذلك إعطاء أولوية للمسارات التي تشمل الجهات الفاعلة الإقليمية بدلا من استبعادها، وتُحقق مصالح اقتصادية مشتركة؛ بحيث يُصبح أي هجوم على أحد هذه المسارات عبئا على الجميع.

ونوهت الصحيفة إلى أنه لا توجد بنية تحتية حيوية آمنة دون مناخ أوسع لخفض التصعيد، وهي حقيقة مقلقة، فدون الاستقرار، يصبح كل طريق جديد هدفا جديدا، لكن ينبغي لهذه المشاريع أن تعزز الدبلوماسية، لا أن تحل محلها. 

واختتمت بالقول: "لذلك، يجب على صانعي السياسات الأوروبيين السعي إلى آليات إقليمية لإدارة الأزمات ترسم خطوطا حمراء حول البنية التحتية المدنية والتجارية قبل أن تصبح الهجمات على طرق التجارة أداة الضغط المُعتادة".