زلزال الهجرة يضرب أوروبا.. ماذا يحدث على حدود المغرب وإسبانيا؟

منذ أيام، توافد عشرات الآلاف من المغاربة إلى محيط السياج الحدودي مع سبتة
لم تعد الحدود البرية والبحرية الفاصلة بين المغرب والجيبين الخاضعين للإدارة الإسبانية، سبتة ومليلية، مجرد خطوط تماس أمنية، بل تحوَّلت فجأة إلى مسرح لأكبر موجة نزوح جماعي تشهدها المنطقة في تاريخها الحديث، واضعة العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ومدريد، وسياسات الهجرة الأوروبية، على حافة أزمة سياسية وأمنية متفجرة.
وتشهد مدينتا سبتة ومليلية الخاضعتان للإدارة الإسبانية أزمة هجرة غير نظامية غير مسبوقة، تمثّلت في تدفق بشري جماعي لعشرات الآلاف من المهاجرين، قُدِّر عددهم بنحو 60 ألف شخص، حاولوا العبور بحراً وبراً من السواحل المغربية نحو الجيبين الإسبانيين خلال الساعات الماضية.
وفي واحدة من أكبر عمليات العبور الجماعي، تدفق آلاف المهاجرين، غالبيتهم من المغاربة، وبينهم عائلات وقُصّر، سباحةً وعبر الحواجز البحرية والبرية في منطقة "تاراخال" الحدودية.
ولليوم الثاني على التوالي، ومع استمرار محاولات العبور الجماعي من المغرب نحو المدينتين الخاضعتين للإدارة الإسبانية، تجددت المواجهات بين مئات الشبان الراغبين في الهجرة غير النظامية وعناصر الأمن المغربي عند معبر بني أنصار الحدودي المؤدي إلى مدينة مليلية.
ومنذ أيام، توافد عشرات الآلاف من المغاربة إلى محيط السياج الحدودي مع سبتة، في محاولة للوصول إلى المدينة ومنها إلى أوروبا بطرق غير نظامية.
وتقع سبتة ومليلية على الساحل الشمالي للمغرب، وتخضعان للإدارة الإسبانية، فيما تطالب الرباط باستعادتهما، وتعد المدينتان أبرز نقطتي عبور للمهاجرين غير النظاميين من إفريقيا نحو أوروبا.
من جانبها، دفعت السلطات الإسبانية بوحدات من الجيش وقوات مكافحة الشغب لدعم حرس الحدود، فيما وصف رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، ما يجرى بأنه "هجوم على السيادة الإسبانية".
وأسفرت موجة العبور عن فوضى واسعة وغرق ما لا يقل عن 57 شخصاً، وفق وزارة الداخلية الإسبانية، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا خلال الساعات المقبلة؛ نظراً للعدد الكبير من الأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى سبتة سباحة.
وتزامنت هذه التطورات مع تحركات مغربية وإسبانية مشتركة لضبط الحدود، أسفرت عن إعادة أكثر من نصف الواصلين؛ إذ أفادت مصادر أمنية إسبانية بأن أكثر من 53 ألف مهاجر غير نظامي عادوا طوعاً من مدينة سبتة إلى المغرب.
ونقلت وكالة الأنباء الإسبانية الرسمية "إفي" عن المصادر ذاتها أن عمليات العودة الطوعية لا تزال مستمرة، فيما كانت الحكومة الإسبانية قدّرت في البداية عدد الوافدين إلى سبتة بنحو 50 ألف شخص، بينما أشارت سلطات المدينة إلى أن العدد بلغ قرابة 60 ألفاً.
وأضافت الوكالة أن قوات الشرطة الوطنية والمحلية، إلى جانب الوحدات العسكرية، تواصل إبلاغ المهاجرين الموجودين في مناطق مختلفة من سبتة بضرورة العودة إلى المغرب.
وكانت السلطات الإسبانية قد تدخلت، في 30 يوليو/تموز، لمنع أكثر من 800 مهاجر غير نظامي حاولوا السباحة من سواحل مدينة الفنيدق المغربية إلى سبتة.
ولاحقاً، أعلنت السلطات أن عدد الذين دخلوا المدينة سيراً على الأقدام أو سباحة خلال 24 ساعة تجاوز 49 ألف شخص، ما دفع الحكومة إلى نشر قوات عسكرية إضافية لتعزيز الأمن في المدينة.
وأدانت الحكومة المركزية في مدريد بشدة هذا التدفق، ووصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ما جرى بأنه "انتهاك صارخ واستفزازي للسلامة الإقليمية لإسبانيا".
وحملت الحكومة الإسبانية المسؤولية الكاملة لشبكات تهريب البشر و"المافيات المنظمة"، متهمة إياها باستغلال الثغرات القانونية لخداع آلاف الشباب ودفعهم إلى المخاطرة بحياتهم.
كما تحركت مدريد على المستويين العسكري والدبلوماسي؛ فنشرت وحدات من الجيش لدعم قوات حرس الحدود، وضغطت على الرباط للتوصل إلى اتفاق عاجل يقضي بإعادة المرحّلين وترحيل آلاف الوافدين بصورة فورية.
دوافع الهجرة
انطلقت هذه الموجة غير المسبوقة بعد انتشار شائعات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي تفيد بفتح الحدود بالكامل، بالتزامن مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب في المغرب.
وجاءت تلك الشائعات عقب صدور قرار تاريخي وملزم عن المحكمة العليا الإسبانية في يوليو/تموز 2026، يقضي بمنع السلطات الإسبانية من تطبيق الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يُعترضون في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة أو عبر قوارب إلى مدينتي سبتة ومليلية.
وحسمت المحكمة الجدل القانوني، مؤكدة أن آلية “الرفض عند الحدود” التي تمنح حرس الحدود صلاحية الإعادة الفورية، تقتصر حصراً على الحدود البرية، أي في الحالات التي يُضبط فيها المهاجرون أثناء محاولة تسلق أو اجتياز الأسوار والحواجز الحدودية.
وأكدت المحكمة أن هذا النظام لا ينطبق قانوناً على الأشخاص الذين يصلون عبر البحر أو سباحة متجاوزين الحواجز البرية. وبموجب القرار، فإن أي مهاجر يُعترض عليه في مياه سبتة أو مليلية قبل وصوله إلى اليابسة، يحق له الخضوع لإجراءات قانونية وإدارية فردية، والحصول على مساعدة قانونية، فضلاً عن حقه في تقديم طلب لجوء.
وأوجد هذا القرار ثغرة قانونية استغلتها شبكات تهريب البشر ومنصات التواصل الاجتماعي للترويج لشائعات واسعة تزعم أن "الحدود البحرية أصبحت مفتوحة قانونياً"، ما أدى إلى اندفاع جماعي غير مسبوق نحو السواحل.
خلفية الأزمة
تعود جذور الأزمة إلى نزاع سياسي وجغرافي يمتد لأكثر من خمسة قرون بشأن مدينتي سبتة ومليلية؛ فعندما نال المغرب استقلاله عن الحمايتين الفرنسية والإسبانية عام 1956، احتفظت إسبانيا بالسيادة على المدينتين، مقدرة أنهما جزء لا يتجزأ من أراضيها.
في المقابل، يعدّ المغرب سبتة ومليلية ثغرين مغربيين محتلين وآخر معاقل الاستعمار الأوروبي في إفريقيا، بينما تؤكد إسبانيا أنهما مدينتان إسبانيتان تتمتعان بالحكم الذاتي منذ عام 1995، وتمثلان الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي في القارة الإفريقية.
ومع مرور العقود، تحولت الحدود المشتركة إلى إحدى أكثر بؤر التوتر حساسية، مستفيدة من القرب الجغرافي بين المغرب والمدينتين اللتين أصبحتا البوابة الأقرب لدخول أوروبا.
وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي محلي وأوروبي بالغ الحساسية؛ إذ تواجه حكومة بيدرو سانشيز ضغوطاً داخلية متزايدة من أحزاب اليمين واليمين المتطرف، وعلى رأسها حزب "فوكس"، التي تتهم الحكومة بالضعف والتساهل في إدارة ملف الهجرة.
وعلى المستوى الأوروبي، أحدثت الأزمة هزة داخل منطقة شنغن، بعدما سارعت إيطاليا إلى تعليق حرية التنقل مع إسبانيا بصورة مؤقتة لحماية حدودها، فيما عززت فرنسا إجراءاتها الرقابية على الحدود، وسط تنديد من المفوضية الأوروبية التي عدَّت المشاهد القادمة من سبتة تهديداً مباشراً لمنظومة شنغن وأمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
أزمات معيشية
وأرجع ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي محاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية خلال الأيام الأخيرة إلى الأزمات الاقتصادية الداخلية في المغرب، مثل الفقر والبطالة واليأس من الواقع المعيشي وانعدام الفرص، واتهموا النظام المغربي بالفشل في توفير العيش الكريم للشباب.
كما اتهموا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #سبتة، #مليلية، #المغرب، #إسبانيا، #الهجرة وغيرها، النظام المغربي بالتسبب في هذه الأوضاع عبر سياسات القمع والنهب، صابّين جام غضبهم على ملك المغرب ومتهمين باستخدام الهجرة كورقة ضغط خدمة للأجندة الصهيونية الأميركية.
ورأى ناشطون في الفرار الجماعي صرخة احتجاج على غياب العدالة الاجتماعية وتفاقم القهر، مع انتقادات حادة للخطاب الرسمي الذي يتحدث عن إنجازات النظام المغربي ويمجد الملك، بينما يهرب آلاف المغاربة بحثاً عن الأمل في الدول الأوروبية.
ثمن المواقف
وركز قطاع واسع من الناشطين على الأبعاد السياسية للأحداث، مؤكدين أن التدفق البشري لم يكن عفوياً بالكامل أو ناتجا فقط عن يأس اقتصادي وشائعات، بل عملية منظمة جرى توظيفها كورقة ضغط دبلوماسية من أطراف إقليمية لابتزاز الحكومة الإسبانية ومحاصرتها سياسياً رداً على مواقفها الأخيرة في ملفات دولية معقدة.
وأشاروا إلى أن هذا الردّ جاء على خلفية مواقف مدريد الأخيرة في ملفات دولية معقدة، أبرزها دعمها لفلسطين وانتقادها للحرب في غزة ورفضها بعض الضغوط الأميركية والإسرائيلية، بالإضافة إلى توترات سابقة حول الصحراء أو علاقات إقليمية أخرى.
وعدّ ناشطون فتح الحدود أو تسهيل العبور بهذا الحجم الهائل يحمل رسالة سياسية واضحة تهدف إلى إحراج إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي وإثارة أزمات داخلية ودبلوماسية ضدها.
ورأى سياسيون وخبراء في إسبانيا أن "إسرائيل" تستغل تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى مدينة سبتة الإسبانية في شمال إفريقيا، بهدف إثارة الفوضى داخل البلاد.
وتبادل مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة داني دانون، ووزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي، انتقادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عقب أزمة تدفق المهاجرين إلى سبتة.
وقال دانون، في منشور عبر منصة شركة "إكس" الأميركية: إن إسبانيا تواصل انتقاد إسرائيل، بينما أعلنت حالة الطوارئ بسبب أزمة الهجرة في سبتة.
وأضاف: "ربما حان الوقت لتشرح للعالم لماذا تقيم مستوطنات في إفريقيا قبل أن تواصل إعطاءنا الدروس".
ورد الوزير الإسباني بوينتي بالقول: "يبدو أن كل شيء أصبح أكثر وضوحًا". في إشارة فُهم منها أن إسرائيل تقف وراء ما يجرى.
وقالت الخبيرة السياسية الإسبانية كارولينا ألونسو: إن ما يحدث في سبتة يمثل محاولة من إسرائيل، المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في غزة، لإضعاف الحكومة الإسبانية المعروفة بمواقفها الرافضة للإبادة.
وأشارت ألونسو، إلى مطالبة إيطاليا بإغلاق منطقة شنغن أمام إسبانيا، مقدرة أن ما يجرى في سبتة يحدث بدعم من إسرائيل وبمساندة اليمين المتطرف في إسبانيا وأوروبا. وأضافت أن الولايات المتحدة أيضًا تسعى إلى إضعاف الحكومة الإسبانية.
من جانبه، قال الصحفي الإسباني خوسيه فيزنر: "كان نجل نتنياهو يلمح عام 2019 إلى أن إسرائيل تمول الحركات الانفصالية في سبتة ومليلية. فهل لا يزال هناك شك في أن ما يحدث اليوم هو انتقام من سانشيز!".
سبتة مغربية
في المقابل، ركز ناشطون على أصل النزاع التاريخي بين المغرب وإسبانيا حول سبتة ومليلية والوضع القانوني والجغرافي للمدينتين، وملف السيادة عليهما المعلق دون حل جذري.
ورأى ناشطون في هذه الأحداث تذكيراً بالارتباط التاريخي والجغرافي للثغرين بالمغرب، وعدهما أراضي مغربية محتلة وللمغاربة الحق فيها، مع التأكيد على أن الوجود الإسباني هش أو غير شرعي، مطالبين باستعادتهما، وتفاعلوا بقوة على وسومي #سبتة_مغربية، #سبتة_المحتلة.


















