من طرابلس إلى بنغازي.. هل تحاصر تركيا نفوذ إسرائيل؟

منذ ٤١ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

من بوابة قصر عائلة حفتر في بنغازي، فتحت تركيا لنفسها نافذة دبلوماسية ظلت مغلقة أمام كبار المسؤولين الأتراك لأكثر من عقد، في خطوة أثارت قلقا إسرائيليا.

واستُقبل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في 12 أغسطس/آب 2026، بمجمع عائلة خليفة حفتر ببنغازي، ليصبح أول دبلوماسي تركي بهذا المستوى يُستقبل في شرق ليبيا منذ أكثر من عقد.

تدقيق وضغط

ومنحت الزيارة أنقرة قنوات دبلوماسية مفتوحة مع شطري البلاد المنقسمة، بحسب تقرير لموقع "ذا ميديا لاين" الأميركي.

وأثارت الزيارة تدقيقا من مسؤولين ومعلقين إسرائيليين يتابعون سياسة تركيا في شرق المتوسط، وشكلت ضغطا على خطة إدارة دونالد ترامب، التي تقوم على تنسيق مصري-تركي في ليبيا، بدلا من التنافس.

وعلى الجانب الآخر، قوبلت الزيارة باحتفاء من محللين مقربين من الحكومة التركية، عدوا جولة فيدان دليلا على تنامي النفوذ الإقليمي لأنقرة.

ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تشهد ليبيا انقساما سياسيا وعسكريا، إذ تسيطر حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، المعترف بها دوليا، على طرابلس ومعظم مناطق الغرب.

بينما يهيمن ما يسمى "الجيش الوطني الليبي" بقيادة الانقلابي خليفة حفتر والمؤسسات الحليفة له، على الشرق ومعظم الجنوب، بدعم من مصر والإمارات وروسيا.

وأنهى اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2020 حملة مليشيا حفتر الفاشلة للسيطرة على طرابلس، لكنه لم يعد توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية في البلاد.

ووصل فيدان إلى بنغازي بعد لقاءات في طرابلس جمعته بالدبيبة، وتوجه في اليوم التالي إلى العلمين على الساحل المصري، لإجراء محادثات مع نظيره المصري بدر عبد العاطي.

وقال فيدان للصحفيين: إن تركيا لا تنظر إلى سلام ليبيا واستقرارها بمعزل عن سلامها واستقرارها هي.

ورأى المدير التنفيذي للمركز القومي للدراسات في القاهرة، هاني العصار، في تصريح لموقع "ذا ميديا لاين"، أن التوافق المصري-الأميركي بشأن الملف الليبي "ضرورة إستراتيجية للطرفين".

وأمضت مصر عام 2019 في تسليح مليشيا حفتر في مواجهة حكومة طرابلس التي كانت طائرات وقوات تركية تدافع عنها، فيما ظلت العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وأنقرة مخفضة المستوى لعقد كامل.

ويمثل التنسيق الحالي بين البلدين حول الإطار السياسي الذي ترعاه واشنطن تراجعا لا تريد القاهرة التراجع عنه، بحسب العصار.

بدوره، كتب الباحث في "مركز دراسات الشرق الأوسط" التركي، قآن دفجي أوغلو، أن جولة فيدان ينبغي أن تُقرأ لا بوصفها تخليا عن سياسة تركيا الليبية السابقة، بل بوصفها تحويلا للمكاسب الإستراتيجية التي تحققت حول طرابلس عام 2019 إلى بنية نفوذ أوسع تمتد عبر ليبيا كلها. 

وأضاف أن التطبيع مع مصر كان أحد أهم التحولات الإقليمية التي مهدت لتقارب تركي مع حفتر.

وكان رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، قد سافر سرا إلى بنغازي عام 2023 من دون المرور بطرابلس.

ووصف "معهد الشؤون الدولية" في روما تلك الخطوة بأنها "التجديد الحقيقي" الذي حوّل تركيا من شريك حصري لطرابلس إلى محاور لشطري البلاد.

قلق إسرائيلي

واتسمت التعليقات الإسرائيلية الصادرة بالعبرية بلهجة أكثر حدة.

ورأى هاي إيتان كوهين ياناروجاك، من مركز "موشيه ديان" في جامعة تل أبيب، في مقال بصحيفة "يسرائيل هيوم"، أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا لعام 2019 حدود "تفتقر إلى المنطق الجغرافي".

وأضاف أن هذه الحدود "تخدم أنقرة كأداة إستراتيجية للسيطرة على طرق الشحن والبنية التحتية التي يعتمد عليها اقتصاد إسرائيل وأمنها وأمن المنطقة بأكملها"، وحذر من أن أي تمدد للنفوذ التركي "قد يتحول إلى مضايقة للسفن الإسرائيلية".

ووصف المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب التابع لجامعة رايخمان توسع تركيا من ليبيا إلى القرن الإفريقي بأنه "طوق تطويق زاحف، يُكمل بهدوء تحركا يهدد ليس فقط أمن إسرائيل، بل أيضا شرايين اقتصادها".

وفي المقابل، اتسمت لهجة الإعلام التركي الموالي للحكومة بالتفاخر.

ووصفت صحيفة "تقويم" التركية جولة فيدان بأنها "استعراض دبلوماسي" في ليبيا، وتصدر عنوانها أن اتفاق الدفاع الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، الموقع في مكة المكرمة في 7 أغسطس/آب، أثار "حالة ذعر في أثينا وتل أبيب".

وقال فيدان للصحفيين في القاهرة في اليوم التالي: إنه في حال لم تنتقل إسرائيل إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، فإن "هناك خطوات جذرية سيتعين على تركيا وقطر ومصر اتخاذها".

وظهرت أثناء لقاء فيدان بالدبيبة في طرابلس خريطة فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، إلى جانب لوحة كُتب عليها "عائدون إلى فلسطين التاريخية"، وهي صيغة تعدها إسرائيل محوا لها.

وردت وزارة الخارجية الإسرائيلية، عبر منصة إكس، بأن فيدان "يمكنه أن يوفر على نفسه عناء إلقاء المحاضرات وإطلاق التهديدات". واتهمت تركيا بأنها "مقر لحركة حماس يستضيف قادتها".

وضمت اجتماعات فيدان في بنغازي لقاءات مع عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب المنعقد في الشرق، وبلقاسم حفتر، المسؤول عن صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي، في تواصل مع الهرم السياسي والأمني والاقتصادي الذي بنته عائلة حفتر شرقي ليبيا.

حسابات جديدة

وأسست الولايات المتحدة واليونان وقبرص وإسرائيل، في يونيو/حزيران، مركز شرق المتوسط للطاقة في جامعة رايس بمدينة هيوستن، لتعزيز تطوير الطاقة وأمن البنية التحتية والتعاون الإقليمي.

وتعزز هذه الشراكة تحالفا بنته أثينا ونيقوسيا والحكومة الإسرائيلية منذ عام 2019 في مواجهة المطالبات البحرية التركية.

وترتكز هذه المطالبات جزئيا على اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا لعام 2019، الذي ترفضه اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل، باعتباره تجاهلا لحقوقها البحرية.

وقد يجعل انفتاح أنقرة على شرق ليبيا معارضة هذا الطرف للاتفاق أقل ثباتا.

من جانبه، حذّر الدكتور إلداد بن أهارون، الباحث الأول في معهد فرانكفورت لأبحاث السلام ومؤلف كتاب صدر حديثا عن العلاقات الإسرائيلية التركية في أواخر الحرب الباردة، من المبالغة في تقدير نجاح فيدان.

وقال بن أهارون لموقع "ذا ميديا لاين" إنه يفضل الحذر في وصف الزيارة بأنها اختراق إستراتيجي.

وأضاف أنها بالتأكيد إنجاز دبلوماسي لافت لأنقرة، لكنها من منظور إسرائيلي لا تغير موازين المنطقة جوهريا، فليبيا لا تجاور إسرائيل ولا تشكل تحديا أمنيا مباشرا كما هو حال التدخل التركي في سوريا أو غزة.

ورأى أن الجولة ينبغي أن تُفهم لا بوصفها انقلابا سياسيا، بل تكيفا تركيا مع بيئة إقليمية متغيرة سعيا وراء أهداف طويلة الأمد ثابتة إلى حد كبير.

وأوضح أن مصر وتركيا والولايات المتحدة ما زالت تختلف حول مجموعة من الملفات الإقليمية، لكن الأطراف الثلاثة لديها حاليا حوافز للحفاظ على حد أدنى من التنسيق في ليبيا؛ لأن الاستقرار بات هدفا إستراتيجيا أعلى مرتبة.

وختم بن أهارون بالقول إنه "إذا رسخت تركيا علاقاتها مع السلطتين الليبيتين، مع الحفاظ على مذكرة التفاهم البحرية لعام 2019، فسيتعين على صناع القرار الإسرائيليين إيلاء سياسة أنقرة تجاه ليبيا اهتماما متزايدا عند وضع خططهم طويلة الأمد في مجالي الطاقة والملاحة".