"منافسة ثلاثية" تتشكل بالشرق الأوسط بعد تراجع الهيمنة الأميركية.. ما القصة؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

ثمة ملامح تتشكل لمنافسة بين ثلاثة تحالفات في منطقة الشرق الأوسط، بعد تراجع الهيمنة الأميركية التي تخيم على المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية، بحسب معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي (IARI).

فمن جهة هناك إيران وشبكتها من الوكلاء المسلحين، ومن جهة أخرى هناك التحالف الإسرائيلي–الإماراتي، وفي المساحة الفاصلة موازنة سنية تضم السعودية وباكستان وتركيا ومصر.

ويشير المعهد في تقريره إلى أن مصطلحَي "التحالف السداسي" و"التحالف السني" مازالت أطر تحليلية، لا تحالفات مُبرمة بالفعل.

منظومة مغايرة

ويُشير المعهد إلى أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة إعادة رسم لمنظومة الأمن الإقليمي برُمّتها. 

فقد قُرئ النظام الإقليمي لعقود عبر ثلاثة محاور: الصراع العربي-الإسرائيلي، والتنافس بين إيران وملكيات الخليج، وحضور الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأخير للأمن البحري والعسكري وأمن الطاقة.

واليوم، يرى المعهد أن هذه المحاور لم تتلاشَ بل باتت تتداخل بصورة أكثر تعقيدا.

وأوضح أن التطبيع الإسرائيلي-الإماراتي في إطار اتفاقيات أبراهام عام 2020 غيّر الدلالة السياسية للعلاقة بين إسرائيل وملكيات الخليج؛ إذ تحوّل في ظروف الحرب الإقليمية من منصة اقتصادية وتكنولوجية إلى بنية تحتية أمنية محتملة.

ولفت إلى أن التعاون الدفاعي بين إسرائيل والإمارات نما بشكل لافت في مجالات الدفاع الجوي والمراقبة والحماية من الطائرات المسيّرة والصواريخ، مما يُقلّص المسافة بين التطبيع السياسي والتشغيل البيني العسكري.

وفي المقابل، أشار المعهد إلى أن إيران بنت لسنوات إستراتيجية عمق غير متماثل، مرتكزة على وكلاء مسلحين وشبكات سياسية وضغط صاروخي وقدرات زعزعة الاستقرار الانتقائي.

فحزب الله والحوثيون والمليشيات الشيعية العراقية أدوات ردع وضغط، تزداد قيمتها حين تصبح المواجهة المباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة مُكلفة، وحين يُنتج ضرب البنية التحتية أو المسارات البحرية آثارا إستراتيجية تفوق تكلفة العملية العسكرية.

ويُقيم التقرير تمييزا دقيقا بين التحالفين المحتملين؛ فـ"التحالف السداسي" وصفٌ لإمكانية أن تصبح إسرائيل والإمارات نواة شبكة أوسع، قادرة على استقطاب التكنولوجيا ورأس المال والممرات البحرية والشراكة الأميركية، وعناصر إقليمية تسعى إلى احتواء إيران دون أن تُعلن انخراطها.

وقوة هذه الشبكة في غموضها، فهي شبكة وظيفية ومرنة انتقائية، لا حلف أطلسي شرق أوسطي.

أما "التحالف السني"، فيصف تقاربا جيوسياسيا محتملا بين أربعة أطراف بموارد متفاوتة وأهداف غير متطابقة.

فالرياض تملك الثقل المالي والديني، وإسلام آباد توفر العمق العسكري والثقل النووي بوصفه معطى بنيويا لا وعدا بالتدخل، وأنقرة تمتلك صناعة دفاعية متطورة وحضورا إقليميا واستقلالية إستراتيجية، والقاهرة تحتفظ بالسيطرة الجيوسياسية على قناة السويس والكتلة الديموغرافية والثقل التاريخي في العالم العربي.

ويرى التقرير أن تقارب هؤلاء لن يصدر عن أيديولوجيا مشتركة، بل عن خشية أن يُعاد رسم المنطقة من حولهم.

صراع المال والدم

ويرصد التقرير البُعد الاقتصادي، فخروج الإمارات من أوبك+ يمثل، وفق قراءة المعهد، تحولا جوهريا يطال العلاقة التاريخية بين أبو ظبي والرياض، إذ يُضعف قدرة المجموعة على تنسيق سوق النفط ويفتح منافسة أكثر صراحة على حصص السوق.

وفي دلالته الجيوسياسية، يُقرأ هذا القرار بوصفه إشارة إلى رغبة أبو ظبي في قدر أكبر من الاستقلالية عن سياسة ضبط الإنتاج التي تقودها السعودية، في لحظة تسعى فيها الإمارات إلى هامش أوسع من المرونة وسط الحرب الإقليمية.

وأضاف التقرير أن ملف سداد القرض الإماراتي من قِبل باكستان يحمل بدوره دلالات مالية وسياسية لافتة.

فطلب إعادة الوديعة البالغة 3.5 مليارات دولار، أو الامتناع عن تمديدها، فرض ضغوطا على الاحتياطيات الباكستانية، فيما أفادت مصادر إقليمية بأن تدخلا سعوديا أسهم في منع هذا التوتر المالي من التحول إلى أزمة فورية.

وخلص إلى أن هذه الواقعة تعكس قابلية المال الخليجي للتوظيف بوصفه أداة لتعزيز النفوذ السياسي، كما تُظهر قدرة الرياض على التدخل عندما يُهدد الضغط الإماراتي بإخراج باكستان من دائرة توازناتها التقليدية.

ويُقيم التقرير مضيق هرمز بوصفه النقطة التي تتوقف فيها هذه الديناميكيات عن الطابع النظري. فكل هجوم يستهدف سفنا أو موانئ أو بنية تحتية يرفع أقساط التأمين، ويُربك خطوط الملاحة، ويؤثر في الطاقة التصديرية، ويعيد تشكيل توقعات الأسواق.

ومن يفرض سيطرته على هرمز يمتلك نفوذا جيوسياسيا واقتصاديا واسعا، أما من ينجح في زعزعة الاستقرار فيه دون تحمّل كلفة باهظة، فإنه يمارس شكلا من أشكال الردع.

الدور الأميركي والصيني

ويُلاحظ التقرير أن الولايات المتحدة ما تزال الضامن العسكري الأبرز في المنطقة، غير أن شركاءها الإقليميين لم يعودوا يتصرفون بصفتهم مجرد أطراف مندمجة في إستراتيجية أميركية موحّدة. 

فإسرائيل والإمارات والسعودية وتركيا ومصر وباكستان يسعى كل منها إلى توسيع هامشها المستقل وحماية أولوياتها الخاصة، بما يجعل المظلة الأميركية نفسها تغطي أطرافا تتنافس أحيانا فيما بينها.

ولا يعني ذلك نهاية النظام الأميركي في المنطقة، بقدر ما يعكس تحوّله إلى نظام أكثر قابلية للتفاوض، وأعلى كلفة، وأقل قدرة على ضبط الاحتكاكات بين الحلفاء.

وفي هذه الفجوة تتموضع الصين؛ فالوساطة الصينية بين السعودية وإيران عام 2023 أثبتت، وفق التقرير، أن بكين قادرة على العمل وسيطا دبلوماسيا حين يكون لدى الأطراف مصلحة في تخفيف التصعيد.

وهي لا تُزاحم واشنطن عسكريا، لكنها تقدّم ما يختلف عنها من استمرارية تجارية، وطلبا متزايدا على الطاقة، وحيادا خطابيا، وقدرة على التواصل مع الرياض وطهران وأبو ظبي في آن واحد.

وتكتسب بكين ثقلا متزايدا لا لأنها قادرة على ضبط أمن الخليج، بل لأن كل طرف إقليمي يدرك أنها من أبرز مستوردي الطاقة في العالم، ومن أكثر الفاعلين قدرة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف.

ويرى التقرير في فرضيته الأبرز أن الأزمة الإقليمية لا تُنتج كتلتين صلبتين، بل منافسة على من يملك حق التمركز في موقع القلب داخل النظام الإقليمي في مرحلته الراهنة.

فمحور إسرائيل-الإمارات يجمع القدرة العسكرية والتكنولوجيا والاستخبارات والمال والعلاقة المميزة مع واشنطن. وإن نجح في استقطاب أطراف أخرى، فقد يُحوّل نفسه إلى بديل عن القيادة السعودية التقليدية في الخليج.

وأشار إلى أن إيران قد تسعى، من جهتها، إلى منع التطبيع العربي-الإسرائيلي من التحول إلى بنية عسكرية متكاملة.

وفي هذا المنطق، فإن استهداف أصول إماراتية أو تهديدها يفرض كلفة انتقال من التعاون الاقتصادي إلى مسار الأمن المندمج، ويُدخل قدرا من الشك لدى الأطراف العربية الأخرى.

إذ يطرح سؤالا حول ما إذا كانت الحماية الإسرائيلية-الأميركية توفر حصانة كاملة، وما إذا كان الانخراط في شبكة مناهضة لإيران يستحق تحمّل هذا الثمن.

وختم المعهد تقريره بأن الشرق الأوسط يختبر قواعد نظام إقليمي جديد يقوم على شبكات وظيفية، وضمانات انتقائية، وتعاونات غير مكتملة الملامح، ومنافسة بين شركاء الجهة المانحة نفسها.

أما المتغير الحاسم في المدى القريب فيتمثل في أمن الخليج ومضيق هرمز، وفي المدى المتوسط في مدى تماسك ما يُسمى بـ "التحالف السني" الفعلي، وفي المدى البعيد في التحول البنيوي لطبيعة الدور الأميركي.

ويشير  إلى أن أبرز مؤشرات هذا التحول لا يتمثل في التصريحات الرسمية، بل في الأفعال، مثل أنظمة دفاع جوي مندمجة، أو آليات تمويل متبادل، أو تنسيق سعودي–باكستاني–تركي–مصري قابل للرصد.

فالقوة في منطقة لا تُعلن فيها التحالفات تُقاس بمدى صلابة البنى التحتية القادرة على الصمود حين تتحول الأزمة إلى حالة شاملة تمس النظام بأكمله.