ما فرص وصول "قافلة الصمود 2" إلى رفح وسط التعقيدات السياسية والأمنية؟

مروان بن قطاية: قافلة الصمود تمثل انتصارا للفطرة السوية والحفاظ على ما تبقى من قيم الرجولة والكرامة
بين خيام التجمعات غرب طرابلس، وورشات الإسعافات الأولية، والتدريبات القانونية والإعلامية، تتواصل التحضيرات المكثفة لـ"قافلة الصمود المغربية 2"، ضمن مبادرة مغاربية أوسع تسعى للوصول إلى الحدود المصرية في محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة.
ومع وصول الوفود الجزائرية والمغربية والتونسية إلى الأراضي الليبية في 14 مايو/أيار 2026، عادت القافلة لتتصدر مشهد التضامن الشعبي المغاربي مع الفلسطينيين، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تفاقم المجاعة داخل القطاع، وسط استمرار إغلاق المعابر وتباطؤ دخول المساعدات الإنسانية.

مسار التحرك
تتزامن هذه التحركات مع نشاط "أسطول الصمود العالمي" البحري، ضمن تنسيق بين المسارين البري والبحري، بعد أشهر من إعادة ترتيب المبادرة إثر تعثر النسخة الأولى صيف عام 2025، حين توقفت القافلة عند البوابة الغربية لمدينة سرت الليبية، قبل أن تُمنع من استكمال طريقها نحو شرق ليبيا ثم الحدود المصرية.
وخلال الأيام الماضية، بدا المشهد أكثر حساسية، بعدما أصدرت وزارة الخارجية التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب في شرق ليبيا برئاسة أسامة حماد، بيانا أكدت فيه أنها "لن تسمح بمرور أي أشخاص غير مستوفين للضوابط والإجراءات".
وأوضحت أن السلطات المصرية تسمح بعبور حاملي الجنسية الليبية فقط عبر المنافذ البرية، فيما يُشترط على المشاركين من الجنسيات الأخرى الحصول على التأشيرات اللازمة عبر المسارات الجوية الرسمية.
ورغم هذه التعقيدات السياسية والأمنية، يؤكد المشاركون في "قافلة الصمود المغربية 2" استمرار المبادرة وعدم التراجع عنها، مشددين على أن هدفها لا يقتصر على إيصال مساعدات رمزية إلى قطاع غزة، بل يتعداه إلى إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في المجالين العربي والدولي، في ظل ما يصفه نشطاء بمحاولات تطبيع الحصار والاعتياد على المآسي الإنسانية داخل القطاع.
وبدأت ملامح "قافلة الصمود 2" بالتبلور تدريجيا في 8 مايو/أيار 2026، من خلال تنسيق مغاربي ضم نشطاء وهيئات مجتمع مدني من المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا، إلى جانب متضامنين من دول أوروبية وتركيا والولايات المتحدة.
وانطلقت الوفود البرية من الجزائر باتجاه تونس، قبل دخول الأراضي الليبية؛ حيث اتخذ المشاركون من منطقة "غابة جود دائم"، الواقعة على بعد نحو 30 كيلومترا غرب العاصمة طرابلس، نقطة تجمع رئيسة لاستكمال الاستعدادات النهائية قبل التوجه شرقا.
وفي منشور مطول عبر صفحته الرسمية، رأى مروان بن قطاية، رئيس التنسيقية الجزائرية الشعبية لنصرة فلسطين وإغاثة غزة، أن القافلة تمثل امتدادا لمسار بدأ بعد عودة المشاركين من “الأسطول البحري”. مؤكدا أن المشاركين "تعاهدوا على مواصلة الطريق حتى نهايته"، رغم ما وصفه بالتضييق ومحاولات الإحباط.
وأضاف أن “قافلة الصمود ليست فعالية رمزية أو شكلا من أشكال التضامن البارد، بل تعبير عن التمسك بالقيم الإنسانية والكرامة”. معتبرا أن رسالتها الأساسية تتمثل في التأكيد لسكان غزة أن الشعوب لم تتخل عنهم رغم محاولات الإلهاء والتطبيع مع الواقع القائم.
ويحرص منظمو القافلة على تقديمها بوصفها مبادرة شعبية مستقلة لا ترتبط بأجندات حزبية أو حكومية، مع التركيز على بعدها الإنساني والإغاثي، خاصة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية في قطاع غزة وتصاعد التحذيرات الدولية من اتساع رقعة المجاعة ونقص الإمدادات الطبية.
وبحسب مشاركين، تضم القافلة متطوعين وفرقاً طبية ونشطاء من خلفيات مختلفة، إلى جانب شخصيات حقوقية وإعلامية، فيما خضع المشاركون لتدريبات في الإسعافات الأولية، وآليات التحرك البري، والتعامل القانوني والإعلامي مع أي عراقيل محتملة خلال الرحلة.
ويؤكد أعضاء في "هيئة الصمود المغاربية" أن المرحلة الحالية تركز على استكمال تجمع الوفود داخل ليبيا، قبل التحرك تدريجيا نحو شرق البلاد، تمهيدا لمحاولة الوصول إلى الأراضي المصرية باتجاه معبر رفح.
عقبات العبور
لكن الطريق نحو غزة لا يبدو ممهداً أمام "قافلة الصمود 2"، في ظل تعقيدات المشهد الليبي والانقسام السياسي والعسكري بين شرق البلاد وغربها.
فالنسخة الأولى من “قافلة الصمود” التي انطلقت من تونس في يونيو/حزيران 2025، توقفت فعلياً عند مشارف مدينة سرت، بعدما منعتها قوات تابعة لخليفة حفتر من مواصلة التقدم نحو شرق ليبيا، قبل أن يتعرض عدد من المشاركين للتوقيف والاحتجاز وسط إجراءات أمنية مشددة انتهت بانسحاب القافلة إلى غرب البلاد.
واليوم، تعود المخاوف ذاتها إلى الواجهة بعد البيان الصادر عن وزارة الخارجية التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب في شرق ليبيا، والذي حمل رسائل متوازية؛ إذ أشاد بالمبادرة وعدها "خطوة إنسانية تعكس روح التضامن مع الشعب الفلسطيني"، لكنه شدد في المقابل على ضرورة الالتزام الكامل بالضوابط والإجراءات المنظمة للعبور.
وأشار البيان إلى أن السلطات المصرية "ترحب بأي جهد إنساني"، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن العبور عبر المنافذ البرية يقتصر على حاملي الجنسية الليبية فقط، ما يضع المشاركين القادمين من المغرب والجزائر وتونس ودول أخرى أمام تعقيدات قانونية وإجرائية إضافية.
كما دعت الخارجية الليبية المشاركين إلى استخدام المسارات الجوية الرسمية واستكمال إجراءات التأشيرات المطلوبة، وهو ما يراه بعض النشطاء مؤشراً إلى صعوبة السماح بمرور القافلة براً بشكل جماعي نحو الحدود المصرية.
وأثارت هذه التطورات تساؤلات بشأن هامش الحركة المتاح للقافلة داخل شرق ليبيا، خاصة أن الطريق المؤدي إلى الحدود المصرية يمر بالكامل عبر مناطق تخضع لسيطرة قوات حفتر التي سبق أن منعت النسخة السابقة من استكمال مسارها.
وفي المقابل، تبدو القاهرة حذرة إزاء أي تحركات شعبية أو دولية باتجاه معبر رفح، في ظل التقديرات الأمنية المرتبطة بالحدود مع قطاع غزة، إضافة إلى التعقيدات السياسية المرتبطة بملف الحرب والحصار وإدخال المساعدات الإنسانية.
ويؤكد مشاركون في القافلة أن اتصالات أُجريت بالفعل مع جهات مصرية، من بينها الهلال الأحمر المصري، إلى جانب تواصل مع سلطات ليبية في الشرق والغرب، بهدف تأمين مرور القافلة وتفادي تكرار سيناريو المنع السابق، غير أن أي تفاهمات نهائية أو ضمانات واضحة لم تُعلن حتى الآن.
رسائل رمزية
وتحمل "قافلة الصمود المغربية 2" أبعادا رمزية وسياسية تتجاوز مسألة إدخال المساعدات المباشرة؛ إذ يرى المشاركون أن استمرار تنظيم القوافل البرية والبحرية بعد عام كامل من الحرب والحصار يمثل في حد ذاته رسالة إلى إسرائيل مفادها أن غزة لم تُنسَ، وأن محاولات تطبيع المجازر أو تحويلها إلى واقع اعتيادي لم تنجح بشكل كامل.
وفي منشور له، وجّه مروان بن قطاية رسائل مباشرة إلى إسرائيل، مؤكداً أن التحركات البرية والبحرية ستستمر، وأن "الانتهاكات الإسرائيلية لن تمنع المشاركين من العودة مجدداً إلى المبادرات التضامنية".
كما حملت القافلة رسائل موجهة إلى الشعوب العربية والإسلامية، عبر التأكيد على أن "أبواب المشاركة ما تزال مفتوحة"، في محاولة لإحياء حالة التضامن الشعبي التي برزت خلال الأشهر الأولى من الحرب على غزة، قبل أن تتراجع تدريجياً بفعل طول أمد الصراع وتعدد الأزمات الإقليمية.
وفي المقابل، لا يستبعد نشطاء داخل القافلة تعرضهم لضغوط أو حملات تشويه أو تضييق خلال مسار الرحلة، خاصة مع تصاعد الحملات الإعلامية الإسرائيلية ضد المبادرات الدولية المتضامنة مع غزة، سواء البرية منها أو البحرية.
وخلال الأشهر الماضية، واجهت عدة تحركات دولية هدفت إلى الوصول إلى القطاع اتهامات إسرائيلية بصفتها "استفزازات سياسية" أو تحركات ذات طابع دعائي، بينما يؤكد منظمو القوافل أن هدفها الأساسي إنساني ويتمثل في كسر العزلة المفروضة على غزة.
كما يبدي بعض المشاركين مخاوف من احتمال تعرض القافلة لعراقيل أمنية أو ميدانية داخل الأراضي الليبية، لا سيما في المناطق الشرقية، أو إمكانية منعها من الاقتراب من الحدود المصرية.
ورغم هذه التحديات يتمسك منظمو القافلة برؤيتهم بأن نجاح المبادرة لا يُقاس فقط بإمكانية الوصول إلى غزة، بل أيضاً بقدرتها على إعادة تسليط الضوء على الحصار، وتحريك الرأي العام، وبناء حالة تضامن شعبية عابرة للحدود.
ما بعد الرمزية
وقال الصحفي الليبي عمر الحاسي، في تصريح لـ"الاستقلال": إن "قافلة الصمود المغربية 2 لم تعد مجرد مبادرة تضامنية عابرة، بل تحولت داخل ليبيا إلى حدث شعبي وإعلامي واسع، في ظل التفاعل الكبير الذي أبداه المواطنون الليبيون مع المشاركين، سواء عبر تقديم الدعم اللوجستي، أو الزيارات التضامنية، أو الحضور المكثف على منصات التواصل الاجتماعي".
وأضاف الحاسي أن "ما يجري اليوم يؤكد أن القضية الفلسطينية ما تزال حاضرة بقوة في الوجدان الشعبي المغاربي، رغم محاولات إنهاك الرأي العام العربي والدولي بفعل طول أمد الحرب والحصار المفروض على غزة".
وأشار إلى أن القافلة تواجه "تحديات حقيقية على المستويين اللوجستي والتنظيمي، تتعلق بالإقامة والتنقل وتأمين احتياجات المشاركين، إلى جانب حالة الترقب المستمرة بسبب تعقيدات العبور نحو شرق ليبيا ثم الأراضي المصرية".
وأوضح أن "فترات الانتظار والتأجيل المتكررة تفرض ضغوطاً نفسية وميدانية على المشاركين، خاصة مع إدراك الجميع أن الطريق نحو رفح ما يزال غير مضمون".
وشدد الحاسي على أن "القافلة ذات طابع مدني وإغاثي واضح، ولا تضم أي تشكيلات مسلحة أو أجندات سياسية، بل تتكون من متطوعين ونشطاء وأطباء ومتضامنين جاؤوا في لحظة يشاهد فيها العالم يومياً ما تتعرض له غزة من حصار وتجويع وقتل".
ودعا الحاسي السلطات المعنية في ليبيا ومصر إلى "تسهيل مرور القافلة وتوفير التسهيلات الإنسانية واللوجستية اللازمة"، مقدرا أن "السماح بمرور قافلة مدنية وإغاثية بهذا الحجم قد يشكل رسالة سياسية وأخلاقية ضاغطة على إسرائيل، ويؤكد أن الشعوب العربية ما تزال تتحرك لكسر حالة الصمت إزاء ما يجرى في غزة".
المصادر
- قافلة "صمود 2" الإغاثية تخلق جدلا ليبيا حول السيادة والأمن وحدود العبور
- أسطول الصمود يعاود الإبحار بعد عمليات اعتراض إسرائيلية
- وفد موريتاني يصل إلى تونس للمشاركة في قافلة الصمود
- بمشاركة مغربية.. تحضيرات مكثفة لقافلة برية نحو غزة بالتوازي مع الأسطول البحري
- قافلة الصمود 2 البرية تستعد في ليبيا للانطلاق نحو غزة بمشاركة مغاربية ودولية واسعة
















