بعد زيارة ترامب إلى بكين.. ماذا يعني تعيين قاليباف مبعوثا خاصا لإيران في الصين؟

يوسف العلي | منذ ٩ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في خطوة أثارت تساؤلات عدة، أعلنت إيران تعيين رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، "ممثلا خاصا للجمهورية الإسلامية الإيرانية في الشؤون الصينية"، خصوصا أن الخطوة جاءت بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين في 13 مايو/ أيار 2026.

وأفادت وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية في 17 مايو/أيار 2026، بأن "تعيين قاليباف ممثلا خاصا لدى الصين جاء بناء على توصية الرئيس مسعود بزشكيان وموافقة المرشد مجتبى خامنئي"، موضحة أن قاليباف سيتولى "تنسيق مختلف قطاعات العلاقات بين إيران والصين".

وبحسب وكالة أنباء "فارس" الرسمية، فإن هذا المنصب كان يشغله سابقا كل من أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، والسفير الإيراني الحالي لدى بكين عبد الرضا رحماني فضلي؛ إذ أشرف الأول عام 2021 على توقيع اتفاقية تعاون مع الصين مدتها 25 عاما.  

منسق سيادي

تعيين قاليباف في التوقيت الحساس الذي تعيشه إيران، يفتح الباب أمام الحديث عن حجم الصلاحيات العابرة للمؤسسات التي مُنحت للأخير، لا سيما بعد توليه سابقا قيادة الفريق التفاوضي الإيراني خلال الجولة الأولى من المباحثات مع الولايات المتحدة التي عقدت في باكستان.

وفي 18 مايو/أيار 2026، قالت الكاتبة وحيدة كريمي خلال مقال نشرته صحفية "شرق" الإيرانية: إن "الحرب الأخيرة التي استمرت من أواخر فبراير حتى أبريل/نيسان 2026، وضعت إيران أمام مزيج غير مسبوق من الضغوط العسكرية والحصار البحري والعزلة الدبلوماسية". 

أما وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 7 أبريل/نيسان 2026، فلم يكن نتيجة حسن نية بين الأطراف، بل جاء إلى حد كبير بسبب استنزاف الحرب وضغوط المراقبين الدوليين، ومن بينهم الصين وروسيا. وفقا للكاتبة.

وفي ظل هذه الظروف، برزت الصين بوصفها ضامنًا للاستقرار الإقليمي، فقد دعت بكين بشكل صريح خلال الحرب إلى وقف الأعمال العدائية، وتسعى حاليًا عبر مبادرات ذات طابع سلمي إلى لعب دور محوري إلى جانب الوسطاء، وإن لم تكن وسيطًا مباشرا.

ويعتمد اقتصاد إيران المحاصر اليوم أكثر من أي وقت مضى على التنفيذ الكامل لاتفاقية التعاون الإستراتيجي الممتدة لـ25 عامًا مع الصين. فبكين، بوصفها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني ومورد السلع الرئيس خلال فترة العقوبات لم تعد بالنسبة لطهران مجرد خيار بل حاجة إستراتيجية".

ورأت الكاتبة، أن "أي فراغ في التنسيق بين أعلى مستويات السلطة الإيرانية في إدارة العلاقة مع الصين قد يهدد العمود الفقري لما تسميه طهران اقتصاد المقاومة. ومن هنا جاء تعيين قاليباف في هذه اللحظة الحساسة".

ولفتت إلى أن "تعيين محمد باقر قاليباف جاء بناءً على اقتراح من الرئيس الإيراني وموافقة المرشد الإيراني، وهو ما يمنحه موقعًا يتجاوز حدود ممثل السلطة التنفيذية، ليصبح عمليا منسقا سياديا بين مؤسسات الدولة".

وفي هذه النقطة تحديدا، أكدت وكالة "تسنيم" الإيرانية في 17 مايو/أيار 2026، أن "قاليباف سيكون منسقًا لمختلف مؤسسات البلاد فيما يتعلق بالصين، وهي عبارة تشير بوضوح إلى امتلاكه صلاحيات للتنسيق بين المؤسسات العسكرية والاقتصادية والتشريعية والتنفيذية".

وفي مرحلة ما بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تولى قاليباف أيضًا مسؤولية رئاسة الوفد الإيراني المفاوض مع واشنطن في أول جولة مفاوضات جرت بالعاصمة الباكستانية إسلام آباد في 11 أبريل/نيسان 2026. 

وخلصت الكاتبة إلى أن إسناد الملف الصيني إلى شخصية كانت مسؤولة عن التفاوض مع الغرب يحمل رسالتين متوازيتين: الأولى إلى الغرب، بأن إيران تعرف كيفية إدارة التفاوض معه لكنها تعطي الأولوية حاليًا للشرق؛ والثانية إلى الصين، بأن الشخص المسؤول عن إدارة العلاقة معها هو شخصية موثوقة في إدارة الأزمات والملفات الحساسة.

في ظلّ وقفٍ هشٍ لإطلاق النار وحصارٍ اقتصادي، ترى الكاتبة، أنّ إعادة تعريف موقف الصين في السياسة الخارجية الإيرانية، وتكليف شخصية براغماتية بهذا الشأن، يُظهر تصميم طهران على إدارة العلاقات مع الصين على أكمل وجه من خلال المحور الشرقي. 

ملتصق بالنظام

على الصعيد ذاته، قرأ الكاتب الكويتي، ظافر محمد العجمي، تعيين قاليباف تعد ثقلا سياديا واقتصاديا؛ حيث إن نقل الملف من الدبلوماسية التقليدية (لاريجاني) إلى الدولة العميقة يُحيل اتفاقية الـ 25 عاماً مع بكين إلى ملف أمني وجودي لإدارة هندسة النجاة والالتفاف على العقوبات".

وأوضح الباحث في شؤون الأمن الإقليمي خلال تدوينة على "إكس" في 17 مايو/أيار 2026، إن تعيين قاليباف يُعد تعزيزا للنفوذ الداخلي، فالنقل يرسخ  مكانة الأخير كأحد أركان الثلاثي القائد لإيران حاليا، ويجمعه بين السلطة التشريعية والتنفيذية الإستراتيجية.

وفسر العجمي القرار الإيراني بأنه "تجهيز لليوم التالي، حيث يُقدّم الرجل كبراغماتي قابل للتعامل معه دولياً وصاحب نفوذ أمني، مما يمهد له دورا أكبر في مرحلة ما بعد المرشد".

من جهته، رأى الكاتب اللبناني نادر عزالدين، أن اختيار قاليباف يحمل دلالات تتجاوز البعد البروتوكولي، فرئيس البرلمان يُعد من أبرز الشخصيات المرتبطة بالمؤسسة الأمنية والعسكرية بحكم قيادته السابقة للحرس الثوري وسلاح الجو التابع له، إضافة إلى حضوره داخل المعسكر المحافظ البراغماتي.

وأشار الكاتب خلال مقال نشرته صحيفة "النهار" اللبنانية في 19 مايو/أيار 2026، إلى أن هذا المسار المهني يجعل تكليف قاليباف إشارةً إلى أن ملف الصين بات يرتبط مباشرة بقضايا الحرب والطاقة والملاحة والالتفاف على العقوبات، وسط اقتناع متزايد داخل طهران بأن المرحلة الحالية تحتاج إلى إدارة أكثر التصاقاً بمراكز القوة في النظام.

ولفت إلى أنه بعد قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جينبينغ في بكين، حاولت واشنطن الإيحاء أن الصين تتفهم ضرورة إعادة فتح المضيق وخفض التصعيد، في حين حافظت بكين على خطاب أكثر حذراً، ركّز على الدعوة إلى التهدئة ومنع توسع الحرب.

ضمن هذا السياق، أوضح الكاتب أن مهمة قاليباف تبدو مرتبطة أيضاً بإدارة العلاقة مع الصين من زاوية إستراتيجية أوسع، تشمل حماية الشراكة النفطية، الحفاظ على قنوات الالتفاف المالي والتجاري، وضبط أي محاولة أميركية لاستعمال بكين ورقة ضغطٍ مباشرة على طهران.

وأكد عزالدين، أن القرار يحمل بعداً داخلياً مهماً أيضاً، فقاليباف يحصل عبر هذا الدور على موقعٍ متقدم داخل واحد من أكثر الملفات حساسيةً في السياسة الخارجية الإيرانية، في مرحلة تشهد إعادة ترتيبٍ للتوازنات داخل النظام تحت ضغط الحرب والعقوبات والضغوط الاقتصادية.

ويعكس ذلك توجهاً داخل طهران نحو ربط الملفات الخارجية الكبرى بالبنية الأمنية والسياسية للنظام، بما يضمن تنسيقاً أعلى بين البرلمان والحرس الثوري والحكومة والمؤسسات السيادية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالصين وروسيا والطاقة والممرات البحرية. وفقا للكاتب.

متشدد براغماتي

محمد باقر قاليباف المولود عام 1961 في مدينة طرقبه شرق إيران، التحق بالحرس الثوري في سن مبكرة مع اندلاع الحرب الإيرانية- العراقية عام 1980، فترقى خلال ثلاث سنوات إلى رتبة جنرال وتولى لاحقًا قيادة قوات الطيران التابعة للحرس.

خلال السنوات التي أعقبت الحرب، قاد ذراع البناء في الحرس، ثم أصبح قائدًا لسلاح الجو، ما منحه خبرة أمنية وإدارية واسعة شكلت شخصيته، فهو يحمل عقلية عسكرية لكنه أيضًا تعلم إدارة مشاريع ضخمة، ما جعله مؤهلًا للعب أدوار مدنية لاحقة.

فشارك قاليباف في قمع احتجاجات الطلبة عام 1999، ووقع مع قادة آخرين رسالة إلى الرئيس الإصلاحي وقتها محمد خاتمي تحذره من أنهم سيتدخلون لإخماد الاحتجاجات إذا لم يفعل.

وبعد ذلك عُيِّن قائدًا للشرطة الوطنية حيث اتسم سلوكه بالازدواجية، فقد أمر قواته بإطلاق النار على المتظاهرين عام 2002، لكنه في الوقت نفسه أطلق برنامجًا لتحديث الشرطة وتحسين مظهرها وخدماتها.

هذه الازدواجية بين الحزم والقابلية للإصلاح لازمته لاحقًا وفسرت سبب وصفه بأنه “متشدد براغماتي”. وعام 2005 ترشح قاليباف للانتخابات الرئاسية، لكنه خسر أمام محمود أحمدي نجاد.

وعاد للواجهة عندما عُيِّن رئيسًا لبلدية طهران بعدما أُقصي أحمدي نجاد من منصبه، وظل في هذا المنصب حتى 2017.

لم تخل سنوات رئاسته للبلدية من اتهامات بالفساد، بما في ذلك منح زوجته أموالًا من موازنة البلدية كما ذكرت مصادر إعلامية مستقلة.

بعد خوضه ثلاثة انتخابات رئاسية أخرى (2013 و2017 و2024) دون نجاح، عاد إلى البرلمان وترأس مجلس الشورى في 2020، وبقي فيه حتى اليوم.

تتويجه بهذه المناصب المتنوعة – من قائد عسكري إلى شرطي إلى رئيس بلدية ثم رئيس برلمان – جعله حلقة وصل نادرة بين مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.

أهم ما يميزه عن شخصيات مثل أمين مجلس الأمن القومي السابق علي لاريجاني أو الأمين الأسبق لنفس المجلس سعيد جليلي هو مزيجه بين الصلابة والبراغماتية.

فعلى سبيل المثال، وصف لاريجاني دائمًا بأنه تكنوقراط معتدل قريب من المؤسسة الدينية، فيما عُرف جليلي بتشدده العقائدي.

أما قاليباف فقد بنى صورته على كونه قادرًا على الإدارة والمناورة، حتى إن بعض الدبلوماسيين الغربيين رأوا فيه شخصية “قابلة للاستخدام” داخل النظام وخارجه.