انتخابات المهندسين.. لماذا تنجح المعارضة المصرية في النقابات وتخسر بالبرلمان؟

فوز القيادي الناصري وعضو البرلمان السابق المهندس محمد عبد الغني بمنصب نقيب المهندسين
تعيد نتائج انتخابات نقابة المهندسين المصرية التي أُعلنت في 13 مارس/آذار 2026، طرح تساؤلات أوسع من مجرد تنافس نقابي، لتلامس طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع المهني، وحدود التأثير الرسمي في الاستحقاقات الانتخابية.
ففوز مرشح محسوب على المعارضة، وخسارة آخر مدعوم من الدولة رغم الحشد الحكومي، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق سياسي أوسع يشهد تآكلًا في ثقة قطاعات من المجتمع في المرشحين المرتبطين بالسلطة.
في هذا السياق، يبدو صعود القيادي الناصري وعضو البرلمان السابق، المهندس محمد عبد الغني، إلى منصب نقيب المهندسين، على حساب الوزير والنقيب الأسبق هاني ضاحي، مؤشرًا على ما يمكن تسميته بـ"التصويت العقابي"؛ حيث يلجأ الناخبون داخل النقابات إلى معاقبة المرشحين الذين يُنظر إليهم بوصفهم امتدادًا للسلطة التنفيذية، بغضّ النظر عن كفاءتهم أو خبراتهم المهنية.
ولا تبدو هذه الظاهرة معزولة؛ إذ تكررت في انتخابات نقابات أخرى، مثل الصحفيين، وبصورة أقل في المحامين، ما يعزز فرضية وجود نمط تصويتي متصاعد داخل الأوساط المهنية، يعكس رغبة في الحفاظ على استقلال النقابات، ورفضًا لتغوّل النفوذ الحكومي داخلها.
في المقابل، تبرز مفارقة لافتة عند مقارنة هذه النتائج بما يحدث في الانتخابات العامة؛ حيث غالبًا ما يخفق مرشحو المعارضة في تحقيق نتائج مماثلة.
ويعزو مراقبون ذلك إلى طبيعة الإشراف على الانتخابات النقابية التي تتم تحت رقابة مباشرة من أعضائها، وبدرجة أعلى من الشفافية والتنظيم، ما يتيح مساحة أوسع للتنافس الحقيقي، ويقلّص من فرص التدخلات المؤثرة في مسار العملية الانتخابية.
هذه المفارقة تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن مصداقية الاستحقاقات السياسية الأوسع، وعلى رأسها الانتخابات البرلمانية؛ إذ ترى قوى سياسية أن هذه الاستحقاقات خضعت، في مراحل مختلفة، لتدخلات أمنية وعمليات "هندسة" انتخابية، حدّت من تكافؤ الفرص، وأسهمت في تراجع تمثيل التيارات المعارضة داخل المؤسسات التشريعية.
في المحصلة، لا تبدو نتائج انتخابات النقابات مجرد استثناء عابر، بقدر ما تعكس مساحة محدودة ما زالت متاحة للتعبير الحر داخل المجتمع، مقارنة بالحيز السياسي العام.
ومع استمرار هذا التباين، يظل السؤال الأبرز: هل تمثل النقابات آخر ساحات التوازن في المشهد المصري، أم أن هذا النموذج مرشح بدوره لإعادة الضبط بما يتماشى مع قواعد اللعبة السياسية الأوسع؟

معركة نقابية أم سياسية؟
منذ اليوم الأول للانتخابات كان واضحًا أن المعركة ليست نقابية بحتة، وإنما سياسية بالأساس؛ حيث أُلقي بثقل السلطة وحزبها "مستقبل وطن" لدعم مرشح بعينه.
ظهر وزير النقل، العسكري السابق، كامل الوزير، وهو يقدم دعمه العلني لمرشح حزب مستقبل وطن الحكومي هاني ضاحي ضد مرشح المعارضة المستقل محمد عبد الغني، ما دفع سياسيين ونقابيين للدعوة لدعم النقيب المستقل بهدف الحفاظ على استقلالية النقابة ومنع هيمنة السلطة عليها.
ووفقًا للصحفي قطب العربي، فإن نتائج انتخابات المهندسين حملت دلالات سياسية ونقابية في الوقت نفسه، وتمثل حدثًا سياسيًا أكبر من كونه نقابيًا، خصوصًا في ظل حالة موت شبه كامل للعمل السياسي والنقابي في مصر، وسيطرة أحزاب السلطة على المشهد بعد "هندسة" الانتخابات البرلمانية التي أسهمت في فوز القائمة الحكومية بالتزكية، مع وجود عدد محدود من الأحزاب المعارضة.
ويعكس فوز النقيب المعارض محمد عبد الغني صعود تيار الاستقلال داخل النقابات؛ إذ حاولت أحزاب السلطة، خاصة حزب مستقبل وطن، السيطرة على نقابة المهندسين لضمان صمتها تجاه القضايا الوطنية الكبرى ذات الطابع الهندسي مثل الري والمياه والسدود والعشوائيات والتطوير الحضري والكهرباء والطرق والكباري والمدن الجديدة، ومنع صدور أصوات معارضة لمشروعات السلطة.
ووفق تحليل نشرته صحيفة "الوفد" في 16 مارس 2026، فإن سبب خسارة الوزير السابق هاني ضاحي يرجع إلى عدّه مرشحًا قريبًا من السلطة، في حين قدم محمد عبد الغني نفسه كمرشح مستقل يمثل تيار الاستقلال المهني، بعيدًا عن التجاذبات السياسية.
وأشارت الصحيفة إلى أن دعم الحكومة الواسع لهاني ضاحي، بما في ذلك من عدد كبير من الوزراء، عزز صورته كمرشح سياسي، ما دفع الجمعية العمومية للمهندسين للتصويت ضده.
نجح محمد عبد الغني في توحيد صفوف القوى النقابية المستقلة والمعارضة لنفوذ الأحزاب السياسية داخل النقابة، مما أتاح له حسم جولة الإعادة بفارق كبير من الأصوات.
وشهدت النقابات المهنية في مصر خلال العامين الأخيرين تحولات واضحة في خريطة قياداتها؛ حيث تمكن مرشحون محسوبون على التيارات الناصرية واليسارية من الفوز برئاسة عدد من النقابات البارزة، وفي مقدمتها نقابتا الصحفيين والمهندسين، إضافة إلى حضور ملحوظ داخل نقابة المحامين.
وفي المقابل، غاب التيار الإسلامي عن المنافسة النقابية بعد أن كان قوة انتخابية رئيسية في العديد من النقابات المهنية، نتيجة ما تعرض له من ملاحقات أمنية واعتقالات وهجرة قياداته وأنصاره إلى خارج البلاد.
وكانت انتخابات نقابة المهندسين في نوفمبر 2011، بعد ثورة 25 يناير وإسقاط الحراسة عنها بعد 17 عامًا، قد شهدت فوز قائمة "تجمع مهندسي مصر" المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين بأغلبية المقاعد، وفوز مرشح الإخوان الدكتور محمد ماجد خلوصي بمنصب النقيب على أقرب منافسيه طارق النبراوي.
وعقب انقلاب 2013، شهدت النقابات المهنية، بما فيها نقابة الصحفيين، تغييرات واسعة في هيكل قياداتها، قبل أن تعود نتائج الانتخابات لاحقًا لتؤكد قدرة القوى المستقلة والمعارضة على تحقيق اختراقات انتخابية.
ففي انتخابات نقابة المهندسين في 11 مارس 2022، فاز طارق النبراوي ممثل "تيار الاستقلال" بعد جولة إعادة على منصب النقيب أمام الوزير السابق هاني ضاحي.
وفي انتخابات نقابة الصحفيين عام 2025، فاز المعارض خالد البلشي نقيبًا للمرة الثانية.
وفي الانتخابات الأخيرة بنقابة المهندسين يوم 13 مارس 2026، فاز هاني ضاحي في الجولة الأولى بـ8178 صوتًا، مقابل 4724 صوتًا لعبد الغني من مجموع 22.288 صوتًا صحيحًا، فيما توزعت البقية على 17 مرشحًا آخر. ونجح عبد الغني في الجولة الثانية بحسم منصب النقيب بفارق كبير.
وعلى صعيد نقابة المحامين، تكرر نفس السيناريو؛ حيث تمكن المعارضون من تحقيق اختراقات ضد مرشحي السلطة، وفاز عبد الحليم علام، مرشح "جبهة الإصلاح"، بفارق آلاف الأصوات عن أقرب منافسيه سامح عاشور، مرشح السلطة.
وأكد نقابيون من نقابتي الصحفيين والمهندسين لموقع "الاستقلال" أن الدعم الواضح للحكومة لمرشحيها والانحياز لهم، كان السبب الرئيس في التصويت ضدهم، وأن تكرار سقوط مرشحي السلطة في انتخابات سابقة، وعقب ظهور رموز حكومية بارزة لدعمهم، أسهم في تعزيز رفض الجمعية العمومية لهم.
وأبرزت وسائل إعلام موالية للسلطة، منها موقع "صدى البلد" في 13 مارس 2026، أن الانتخابات شهدت مشاركة لافتة من 7 وزراء، مع غياب فعلي للمهندسين أنفسهم؛ حيث كان الحضور الفعلي للوزراء أبرز من الناخبين.
وتصدر المشهد وزير النقل كامل الوزير إلى جانب وزراء البترول والثروة المعدنية، الكهرباء، الدولة للإنتاج الحربي، التعليم العالي، والموارد المائية والري، في محاولة دعم مرشح السلطة هاني ضاحي.

دلالات الفوز
كانت مفارقة غريبة أنه بين الجولة الأولى التي جرت في 6 مارس 2026، والجولة الثانية أو جولة الإعادة التي جرت في 13 مارس، حدث تحول عكسي كبير وفاز مرشح المعارضة بقرابة ضعف أصوات المرشح الحكومي في انتخابات نقابة المهندسين.
في الجولة الأولى للانتخابات فاز المرشح الحكومي والوزير السابق هاني ضاحي بـ 8178 صوتًا، مقابل 4724 صوتًا لعبد الغني، من مجموع 22,288 صوتًا صحيحًا، توزعت بقية الأصوات على 17 مرشحًا آخرين.
ولكن خلال الأسبوع الفاصل بين نتائج الجولة الأولى ونتائج جولة الإعادة، شهدت النقابة ثورة تصويت مضادة ضد مرشح السلطة، ما أدى إلى تصويت مضاعف لصالح مرشح المعارضة.
وفي نهاية عملية العد والفرز، أعلنت اللجنة القضائية المشرفة على انتخابات النقابة فوز محمد عبد الغني بـ 10,505 أصوات، مقابل 6,389 صوتًا لمرشح الحكومة، من إجمالي المهندسين الذين أدلوا بأصواتهم وعددهم 17,517 ناخبًا، منهم 623 صوتًا باطلاً.
وشهدت انتخابات المهندسين انخفاضًا كبيرًا في نسبة المشاركة؛ إذ تضم النقابة في جمعيتها العمومية نحو مليون مهندس، لكن لم يحضر منهم للتصويت سوى نحو 23 ألفًا في الجولة الأولى، وقرابة 17 ألفًا في الإعادة، وهو عزوف يعود لأسباب متعددة.
وأوضح مهندسون لموقع "الاستقلال" أن أحد أبرز أسباب هذا التحول كان قرار الحكومة برفع أسعار الوقود بنسبة كبيرة تراوحت بين 17 و22% خلال الأسبوع الفاصل بين الجولة الأولى وجولة الإعادة.
وأشاروا إلى أن مناقشات غاضبة دارت داخل النقابة حول قرار رفع الأسعار يوم 10 مارس، بعد خمسة أيام من الفوز المبدئي لمرشح الحكومة، ما دفع غالبية المهندسين للتصويت عقابيًا ضد المرشح الحكومي.
كما أشارت تقديرات أخرى إلى أن تكرار حزب مستقبل وطن للحشد والتعبئة، واستخدام وسائل نقل جماعية لمؤازرة مرشح السلطة، استفز أصحاب الأصوات المتأرجحة، فاختاروا التصويت لصالح عبد الغني كنوع من العقاب.
ودعم النقيب المنتهية ولايته، ورئيس اتحاد المهندسين العرب الحالي، المهندس طارق النبراوي، مرشح المعارضة محمد عبد الغني ووقف مؤيدًا له كخليفة له على مقعد النقيب، ما أسهم أيضًا في زيادة أصوات ناخبيه وتوحيد الصفوف حول مرشح المعارضة.

لماذا يفوزون؟
برغم أن نقيب المهندسين الجديد، محمد عبد الغني، شقيق الإعلامي حسين عبد الغني، المدير السابق لمكتب قناة الجزيرة بالقاهرة، ورئيس حزب التجمع اليساري سيد عبد الغني، سبق أن خسر في انتخابات برلمان 2020، فقد استطاع أن يحقق فوزًا ساحقًا في الانتخابات النقابية الأخيرة.
يثير هذا الفوز تساؤلات حول سبب تكرار فوز المعارضة في النقابات وخسارتها في البرلمان، وهل يعود ذلك إلى النزاهة والمراقبة التي تتمتع بها الانتخابات النقابية على عكس انتخابات البرلمان التي يسهل فيها التزوير عبر الرشاوى وتدخلات السلطة، أم أنه يعكس تصويتًا عقابيًا ضد مرشحي السلطة؟
فقد خسر عبد الغني موقعه كنائب في البرلمان في انتخابات 2020، على الرغم من دفاعه عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير أثناء وجوده في برلمان 2015، لكنه استطاع أن يفوز بمنصب نقيب المهندسين في الانتخابات الأخيرة.
ويقول الباحث المصري عمار علي حسن: إن فوز عبد الغني يمثل رغبة المصريين، لو أتيحت لهم حرية الاختيار، في اختيار وجوه جديدة ومستقلة، مشيرًا إلى أن غالبية المصريين يمتنعون عن المشاركة في الانتخابات والاستفتاءات الأخرى لأسباب معروفة ومحددة.
ويعزو مهندسون سبب التحول الكبير في النتائج بين الجولة الأولى، التي فاز فيها مرشح الحكومة وخسر فيها مرشح المعارضة، وجولة الإعادة التي عكس فيها الناخبون أصواتهم، إلى أحداث 30 مايو 2023.
ففي هذا اليوم، اقتحم أعضاء من حزب السلطة "مستقبل وطن" مقر النقابة محاولين سحب الثقة من النقيب العام السابق طارق النبراوي، وقاموا بتحطيم صناديق الاقتراع.
وحين فاز المهندس طارق النبراوي بمنصب النقيب في انتخابات 2022، لم تتوقف محاولات أعضاء المجلس الموالين للسلطة أو العسكريين السابقين عن عزل النقيب؛ إذ عقدت جمعية عمومية طارئة شهدت أعمال عنف لكنها فشلت في عزله.
وشهدت النقابة آنذاك حالة من الانقسام، إذ كان النقيب ينتمي للتيار الناصري بينما أغلب أعضاء المجلس موالون لحزب السلطة "مستقبل وطن"، ما أثار غضب عدد كبير من المهندسين الرافضين لتحويل النقابة إلى ساحة للهيمنة السياسية للسلطة.
وخلال الجمعية العمومية الطارئة لنقابة المهندسين، وقعت اعتداءات وأحداث بلطجة؛ حيث اقتحم أشخاص مقر الجمعية وقاموا بكسر الصناديق وتمزيق الأوراق ونثرها، وتم التعرف على أربعة منهم كأعضاء بمجلس النواب عن حزب مستقبل وطن.
ويتوقع مهندسون أن يواجه النقيب الناصري الجديد، محمد عبد الغني، تحديات مشابهة مع السلطة وأحزابها، لا سيما أن نتائج عضوية المجلس الأعلى للنقابة أظهرت فوز مرشحين من العسكريين وأعضاء حزب مستقبل وطن بأغلبية المقاعد، ومن المتوقع الإعلان عن الشكل النهائي لهيئة المكتب مطلع أبريل المقبل.


















