ترامب غارق في "وحل" إيران.. هل تستغل الصين الفرصة لاحتلال تايوان؟

إسماعيل يوسف | منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بالتزامن مع تورط الرئيس الأميركي دونالد ترامب في "وحل" الصراع مع إيران، وفشله في تحقيق اختراق يضعف القدرات العسكرية الإيرانية، شهدت الساحة الآسيوية تحركات صينية لافتة تجاه إقليم تايوان، الذي تعده بكين جزءًا من "الوطن" وتسعى ضمه إليها، في توقيت يبدو بعيدًا عن المصادفة.

حذّرت تقديرات تايوانية وغربية من وجود مؤشرات قوية على أن الصين قد تستغل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران كغطاء لاستعادة سيطرتها على الجزيرة وضمها رسميا، وهو سيناريو يختلف هذه المرة عن التحركات الصينية أثناء الحرب الأوكرانية؛ حيث لم تتحول التهديدات إلى محاولة غزو فعلية آنذاك.

وتشير هذه المؤشرات إلى أنَّ الجيش الصيني كسر التدابير التقليدية التي كان يتبعها في كل مرة لإظهار الضغط على تايوان؛ إذ قام بخرق أجواء الجزيرة بحشد عسكري كبير، شمل 26 طائرة حربية و7 سفن تابعة للبحرية الصينية، تكاد تشكل طوقًا حول الإقليم. بحسب بيانات الجيش التايواني.

وما يزيد من خطورة التحركات الصينية هذه المرة هو حجم الجدية والتموضع الإستراتيجي؛ إذ أكدت وزارة الدفاع التايوانية ومجلة "بوليتيكو" في 13 مارس 2026، أن 16 من أصل 26 طائرة صينية قامت بدخول مناطق تحديد الدفاع الجوي الشمالية والوسطى والجنوبية الغربية للجزيرة، ما يمثل تصعيدا غير مسبوق في التهديد العسكري على تايوان.

فرصة استراتيجية

الصين التي تعد تايوان جزءا من أراضيها وتسعى إلى ضمها إلى "الوطن الأم"، قد تستغل التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط كفرصة إستراتيجية لا تعوض.

هذا ما أوردته تقارير غربية عدة، حذرت واشنطن من احتمال أن تؤدي مغامرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إيران إلى فتح نافذة مناسبة لبكين للضغط على الجزيرة ومحاولة ضمها.

مع انخراط ترامب في الحرب ضد إيران، بدأت حرائق جديدة تتصاعد في مكان آخر؛ إذ أحاطت الصين بتايوان بشكل شبه كامل، مستفيدة من سحب الولايات المتحدة لأصولها العسكرية والذخيرة وأنظمة الدفاع الجوي من آسيا إلى الشرق الأوسط، ما خلق خللا إستراتيجيا قد تدفع تايوان ثمنه.

في السنوات الأخيرة، كثفت بكين ضغوطها العسكرية حول الجزيرة؛ حيث نفذت طلعات جوية واسعة النطاق وخرقت أجواء تايوان بشكل دوري لفرض واقع جديد، وما أثار الدهشة هذه المرة هو توقيت هذه التحركات بالتزامن مع العدوان الأميركي على إيران.

فقد أعلنت تايوان أنه بين 27 فبراير وأوائل مارس 2026، لم تسجل أي نشاط تقريبا للطائرات العسكرية الصينية بالقرب من الجزيرة، وهو انقطاع غير معتاد في الرحلات الجوية شبه اليومية التي يقوم بها الجيش الصيني عادة.

هذا الهدوء المؤقت أثار تساؤلات بين المحللين في تايبيه حول ما إذا كانت بكين تعيد ضبط حملة الضغط، في حين لم تقدم الصين أي تفسير علني للتخفيض المؤقت في عدد الرحلات الجوية.

لكن فجأة، ومع تصاعد العدوان الأميركي على إيران، كشفت تايوان عن تحليق 26 طائرة عسكرية صينية بالقرب من الجزيرة، وهو ما يمثل عودة النشاط الجوي المكثف بعد توقف دام أسبوعين، ما أثار تكهنات واسعة حول نوايا بكين.

تقرير غربي يشير إلى أن التحرك الصيني هذه المرة أكثر جدية، وربما مرتبط بتقاطع سياسات ترامب وحلفائه الروس في توسيع النفوذ وفرض الأمر الواقع على الأراضي الخارجية، مثلما حدث في أوكرانيا وإيران.

قادة الصين الذين سبق أن هددوا وهددوا بالغزو العسكري لتايوان، وأكدوا مواجهة الولايات المتحدة حين زارت رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة نانسي بيلوسي الجزيرة في أغسطس 2022، قد يجدون الفرصة أكثر مناسبة الآن في ظل تشتيت الانتباه الأميركي بسبب الصراع الإيراني.

ووفق تقديرات نشرتها منصة "آسيا تايمز" في 5 مارس 2026، إذا استمر الصراع الإيراني لأشهر بدلاً من أسابيع، وازدادت الخسائر الأميركية، فقد يميل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى تنفيذ تهديده بالتحرك ضد تايوان، وهو ما وصفه بأنه "توحيد لا يمكن إيقافه".

ويشير التقرير إلى أن الصين قد ترى تفوقها العسكري حول تايوان كبيرا لدرجة تجعل الولايات المتحدة غير قادرة على حشد قوة كافية لمنع أو الرد على هجوم صيني دون تكبد خسائر فادحة.

في هذا السيناريو، إذا لم تتحرك واشنطن بسرعة، فلن تقوم أي دولة إقليمية أخرى، بما فيها اليابان، بمواجهة الصين وحدها؛ إذ إن قدرات الدفاع الذاتي اليابانية، رغم تطورها، لا تسمح لها بخوض حرب كبيرة منفردة.

وكان وزير الخارجية الصيني وانغ يي قد صرح عام 2025 بأن بكين رحبت بتدخل الولايات المتحدة في أوكرانيا؛ لأنه استنزف مخزون الأسلحة الأميركية وشتت الانتباه السياسي، مما يخفف الضغط عن آسيا وتايوان.

ويشير الأدميرال فيليب ديفيدسون، القائد السابق لقيادة الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلى أن الجيش الأميركي كان يعتقد أن الرئيس شي يريد تجهيز قواته للاستيلاء على تايوان بحلول عام 2027، وفق تحذير أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ عام 2021.

وعلى الرغم من الشكوك بشأن إمكانية حدوث ذلك بهذه السرعة، فقد تغيرت المعادلة مع اندلاع الحرب في إيران.

في الوقت نفسه، يؤكد بعض المحللين العسكريين مثل كريس أوزبورن، رئيس مركز "واريور مافن"، أن استغلال الصين للصراع الإيراني لفرض ضم سريع لتايوان غير مرجح في المدى القريب، نظرا لوجود حاملتي طائرات أميركيتين في المحيط الهادئ، هما "يو إس إس جورج واشنطن" في يوكوسوكا باليابان، و"يو إس إس ثيودور روزفلت" في منطقة العمليات، ما يجعل أي هجوم صيني مكلفا للغاية.

وبحسب أوزبورن، تخطط الصين لاستغلال الانشغال الأميركي في إيران كفرصة لتعزيز مواقعها في تايوان قبل أن تتمكن القوات الأميركية وحلفاؤها من التدخل. وفي حال محاولة أي قوة إعادة السيطرة، سيكون الثمن باهظا للغاية من حيث الأرواح والأموال، ما يضع المدافعين عن الجزيرة في مأزق خطير.

منذ عام 1949، تُحكم الصين وتايوان بشكل منفصل، بعد أن انتقل الحزب الوطني إلى الجزيرة عقب وصول الحزب الشيوعي إلى السلطة في بكين، وتحوّلت تايوان لاحقا من فترة الأحكام العرفية إلى نظام ديمقراطي تعددي، مع احتفاظها بحكم ذاتي واسع، وهو ما يجعل أي محاولة ضم صيني قضية حساسة على الصعيدين الداخلي والدولي.

تداعيات محتملة

رغم أن تايوان استوردت أسلحة أميركية بقيمة تسعة مليارات دولار قبل الموعد النهائي في 15 مارس 2026، على أمل أن يؤخر ذلك الطموح الصيني لغزوها، يرى خبراء عسكريون أن الفارق في القوة بين الطرفين قد لا يكون كافياً لردع الصين عن محاولة ضم الجزيرة.

وتقديرات أوروبية نظرت للأمر بصورة أوسع، محذرة من أنه إذا تحركت الصين، فقد يُهدد ذلك كوريا الشمالية في نفس الوقت، الأمر الذي قد يضع اليابان وكوريا الجنوبية في مواجهة مباشرة، في ظل انشغال الولايات المتحدة بحرب الشرق الأوسط واستنزاف مخزونها من الصواريخ هناك.

وقد سحبت الولايات المتحدة حاملات طائراتها وبوارجها الحربية من آسيا واليابان، كما أزالت بهدوء منظومة الدفاع الصاروخي "ثاد" من كوريا الجنوبية بسبب الأزمة الإيرانية، ما يعني عدم وجود وحدات عسكرية أميركية متاحة لصد أي هجوم صيني على تايوان.

وبسبب هذه التحركات والتوقعات، أظهرت بعض التقارير القلق من احتمال أن يؤدي التصعيد إلى حرب عالمية ثالثة، إذا تزامن غزو الصين لتايوان مع تحرك كوريا الشمالية ضد كوريا الجنوبية واليابان.

لكن الباحثة في الشؤون الصينية بالمعهد النرويجي للدراسات الدفاعية، جو إنجي بيكيفولد، فندت هذا الطرح، مؤكدة أن الحديث عن اندلاع الحرب العالمية الثالثة هو "رغبة جامحة" وليست احتمالية قائمة. ودعت إلى تجاهل المقارنات المبالغ فيها، مشيرة إلى أن الحرب الحالية في الشرق الأوسط والغزو الروسي لأوكرانيا لا يشكلان مؤشرا مباشرا لحرب عالمية.

وفي تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" في 12 مارس 2026، أوضحت بيكيفولد أن عبارة "الحرب العالمية الثالثة" ليست مجرد مصطلح يُستخدم باستخفاف، ويجب عدم التنبؤ باندلاعها الوشيك، وهو ما يعكس سمة بارزة في التحليلات السياسية الحديثة.

وأشارت إلى أنه في عامي 2022 و2023، حذر شخصيات بارزة مثل جون ميرشايمر وتاكر كارلسون وإيلون ماسك من أن مساعدة أوكرانيا في مواجهة روسيا قد تشعل حرباً عالمية، والحرب الحالية في الشرق الأوسط ليست استثناءً عن هذا القلق.

وأظهر استطلاع رأي أجرته منصة "بوليتيكو" أخيرا أن غالبية المشاركين في بريطانيا وكندا وفرنسا والولايات المتحدة يعتقدون أن اندلاع حرب عالمية ثالثة قد يكون مرجحا خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يعكس شعورا متزايدا بالقلق الدولي حول الصراعات الكبرى.

وتشير تقارير غربية إلى سلسلة من العوامل التي قد تمنع الصين من غزو تايوان عسكريا، وأقلها تجربة أوكرانيا، التي أظهرت أن دولة صغيرة وموحدة وذات إرادة قوية يمكنها الصمود أمام عدو أكبر واستنزافه، وفق تقرير لمجلة "فورين بوليسي" في 10 أغسطس 2022.

فقد أثبتت الحرب الأوكرانية أن الدولة الصغيرة، إذا توفرت لديها الإرادة السياسية والعسكرية، يمكنها مواجهة دولة عظمى، رغم امتلاك الأخيرة حدوداً واسعة وموارد كبيرة، بينما الجغرافيا تعمل لصالح تايوان، إذ تحيط بها المياه من كل الاتجاهات، ما يجعل أي غزو صيني مغامرة جيوسياسية محفوفة بالمخاطر.

كما أن الغزو العسكري للجزيرة لن يقتصر على المخاطر الجيوسياسية فقط، بل سيكون له آثار اقتصادية جسيمة؛ إذ سيؤدي إلى تضرر العلاقات التجارية لبكين مع الموردين التايوانيين ورؤوس الأموال التايوانية، وقد يفرض الغرب حصاراً اقتصادياً على الصين كما فعل مع روسيا، ما سيزيد الضغط على الاقتصاد الصيني ويؤثر على الأسواق العالمية.

ومع ذلك، ترى قيادة الحزب الشيوعي الصيني أن بالإمكان إجبار تايوان على الاستسلام وقبول الوحدة سلميا من خلال الإكراه والتخريب بدلاً من خوض حرب مباشرة.

وبحسب هذه التقديرات، لا يحتاج الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى غزو الجزيرة، وإنما إلى إثبات أن ضمانة أمن تايوان تضعف كلما انخرطت الولايات المتحدة في حرب في مكان آخر، ما يعزز النفوذ الصيني دون مواجهة مباشرة.

ما أهمية تايوان؟

إذا سقطت تايوان، فإن كل شركة تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، وكل مصنع للهواتف الذكية، وكل علامة تجارية للسيارات على مستوى العالم ستفقد إمداداتها من الرقائق الإلكترونية، وهو ما وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" بأنه قد "يشل الاقتصاد الأميركي".

وتُنتج شركة TSMC التايوانية ما يقارب 90 بالمئة من أشباه الموصلات المتقدمة في العالم، ما يجعلها محورًا حيويًا في صناعة التكنولوجيا العالمية. وتتوقع وكالة "بلومبيرغ" أن يؤدي انهيار كامل لإنتاج تايوان إلى انخفاض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة تتراوح بين 30 و50 بالمئة، نتيجة انهيار إمدادات الرقائق الإلكترونية العالمية.

فكلّ وحدة معالجة رسومية من شركة إنفيديا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكل معالج من شركة آبل في الهواتف الذكية، وكل شريحة من شركة AMD في مراكز البيانات، تعمل جميعها على رقائق سيليكون مصنعة في TSMC، التي تقع في الجزيرة التي حلقت فوقها 26 طائرة صينية في نفس اليوم الذي أبحرت فيه المدمرة الأميركية "طرابلس" متجهة إلى إيران.

وأكَّدت الصحيفة الأميركية، في 24 فبراير 2026، أن غزو الصين لتايوان وقطع صادراتها من الرقائق الإلكترونية إلى الشركات الأميركية سيشل صناعة التكنولوجيا والاقتصاد الأميركي بشكل كامل.

ونقلت عن "جلسات إحاطة سرية" عُقدت في واشنطن ووادي السيليكون، أن أي حصار صيني لتايوان قد يعطل إمدادات رقائق الكمبيوتر المصنّعة في الجزيرة، ما يلحق ضرراً بالغاً بصناعة التكنولوجيا الأميركية.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا في فبراير 2026: إن "أكبر تهديد للاقتصاد العالمي، وأكبر نقطة ضعف فيه، هو أن 97 بالمئة من الرقائق الإلكترونية المتطورة تُصنع في تايوان. وإذا تم حصار تلك الجزيرة، وتدمير القدرة الإنتاجية هناك، فستكون كارثة اقتصادية".

وفي حال غزو الصين لتايوان، فسيتعرض جزء كبير من صناعة أشباه الموصلات في العالم للخطر؛ إذ تمتلك شركة TSMC نحو نصف حصة السوق العالمية لهذه الصناعة التي يبلغ حجمها حوالي 100 مليار دولار. بحسب تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال".

وسبق أن أفاد تقرير سري أعدته جمعية صناعة أشباه الموصلات عام 2022، لأعضائها ومن بينهم أكبر شركات تصنيع الرقائق الأميركية، أن قطع إمدادات الرقائق من تايوان سيؤدي إلى أكبر أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير.

وتوقع التقرير أن يؤدي ذلك إلى انخفاض الناتج الاقتصادي الأميركي بنسبة 11 بالمئة، أي ضعف ما شهده الركود المالي عام 2008، بينما سيكون الانهيار أشد وطأة على الصين التي سيشهد اقتصادها انخفاضا بنسبة 16 بالمئة. وفق "نيويورك تايمز".

وتوضح الأرقام أن اقتصادات الصين ستنهار، مع انخفاض الناتج القومي الإجمالي بمقدار 2.8 تريليون دولار، بينما سيبلغ الانخفاض في الولايات المتحدة 2.5 تريليون دولار.

وقد دفع هذا الواقع الولايات المتحدة، منذ عهد الرئيس السابق جو بايدن، إلى إنفاق نحو 200 مليار دولار على مصانع أشباه الموصلات حتى عام 2030، بما يكفي لزيادة طاقة إنتاج الرقائق بنسبة 50 بالمئة، وفق جمعية "SEMI" العالمية لصناعة الرقائق.

ومع ذلك، ومع ضخ تايوان والصين ودول أخرى مليارات الدولارات في مصانع أشباه الموصلات، فإن الولايات المتحدة ستظل تمثل نحو 10 بالمئة فقط من إنتاج أشباه الموصلات عالمياً بحلول عام 2030، ما يؤكد أهمية تايوان الإستراتيجية وحساسيتها بالنسبة للصناعة والتكنولوجيا العالمية.